أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - حسين محمود التلاوي - النصف الثاني من الشهادة (قصة قصيرة)















المزيد.....

النصف الثاني من الشهادة (قصة قصيرة)


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 02:49
المحور: القضية الفلسطينية
    


(ملحوظة: الوقائع مستلهَمَة من شهادات أهل أرض باتت محتلة، وكُتِبَت أثناء إحدى فترات الهدنة خلال حرب الإبادة)
....
تعالى وقع حوافر ذلك الحمار الرمادي الصغير على بقايا طريق أسفلتي يمر وسط خرائب متوالية، تألقت بينها الأسياخ الحديدية وكتل الخرسانة المتكسرة تحت أشعة شمس يوليو الحارقة، في مشهد بدا يؤشر إلى نهاية العالم، بل بعد نهايته بقليل.
كان الحمار يحاول أن يتوازن، ويسير في خط مستقيم فوق الطريق المهدم في مهمة بدت شبه مستحيلة مع العربة الخشبية الصغيرة التي كان يجرها بحبال شبه مهترئة لم تكن في حاجة سوى إلى اهتزاز حاد لتتمزق، وتتفلت منه. لكن سائق العربة الذي كان يجلس على حافتها الأمامية، بدا عازمًا على ألا ينفلت منه الحمار؛ إذ كانت حمولة العربة غير عادية.
كانت مجموعة من الجثث.
لم يدر سائق العربة لِمَن تعود هذه الجثث التي لُفَّتْ في ملاءات منزلية ظهرت عليها بقع حمراء؛ فقد رأى الحمار يقف محاولاً التهام بعض الحشائش التي نمت وسط بركة من الماء الآسن حفظتها الخرائب من التبخر، وخلفه امتدت العربة بحمولتها التي بدت وكأنها وُضِعَتْ ارتجالًا على العربة؛ حيث كانت الجثث ملقاة بعضها فوق بعض بلا نظام سوى ما يحفظها من السقوط.
لم يحاول فحص الجثث، ومعرفة لمن تعود، واكتفى بأن قال بشفتين تشققتا من العطش والإرهاق: "الله يرحم الشهدا، ويجعل مثواهم الجنة"، وانطلق بالعربة يسعى إلى الوصول إلى ما بدا له من بعيد مركزًا طبيًا بلون أبيض وجدار ارتسم عليه شعار الهلال الأحمر.
لم يكن يدري أين هو، يتذكر فقط صوت ذلك الانفجار الذي مزق السماء، عندما كان يشتري بعض الاحتياجات من متجر مرتجل في خيمة قريبة، والركض وسط الفوضى إلى حيث تسكن عائلته وسط الخيام؛ ليجد أنه لا عائلة، ولا خيام، بل بئر من الجحيم انبثقت فجأة في ساحة تلك المدرسة لتبتلع ما تبقى من حياته.
وقتها أسرع يجري فرارًا من طلقات الرصاص التي اجتاحت المكان بعد الانفجار، ووجد نفسه يتعلق بشاحنة كان سائقها يسرع فارًّا من المكان، ولم يدرِ كم مر عليه في وضعه هذا إلى أن خارت قواه؛ فسقط أرضًا، وشعر بالتراب يملأ وجهه وفتحات عينيه وأنفه وفمه وأذنيه، قبل أن يفقد الوعي تمامًا.
عندما استيقظ وجد نفسه يكاد يكون مدفونًا في الرمال التي تحولت بفعل الأمطار إلى ما يشبه الطين، ولعل ذلك ما أبقاه حيًّا؛ إذ سقط فوق طريق ترابي. لو كان سقط فوق طريق أسفلتي أو حجري، لانتهى أجله من فوره.
لكن السؤال الذي كان يمر بباله أحيانًا: وماذا إن كان قد مات؟! بل إن سؤالاً آخر كان يقطع عليه أحيانًا أفكاره التي باتت شحيحة في الآونة الأخيرة: ولماذا لم يمت؟! لماذا اختاره الله ليعيش بعد أن تفحمت كل أسرته؟
لكنَّ هذين السؤالين وغيرهما كانا سرعان ما يذوبان وسط مجريات يومه التي كانت تتمحور حول أمرين؛ الطعام والمأوى. لم يدرِ كم مر عليه من الوقت، وهو على هذا الحال؛ فكل ما يذكر أنه كان بعد انتهاء الهدنة بفترة ما.. ربما كان في أوائل أبريل.. أو نهايته.. توقف عن إحصاء الأيام بعد عشرين يومًا..
لكن.. ما المهم؟! كان هذا السؤال الذي يسكت به تلك الأفكار عندما تعصف بذهنه قبل أن ينام أسفل أية خرائب يجدها قريبًا منه، عندما يصل به الوقت إلى جوف ليل معتم لا أضواء فيه.. حتى أضواء النجوم بدت وكأنها تخشى الهبوط إلى الأرض.
أحيانًا كان يحادث نفسه بأنهم قد أتوا على المنطقة التي يعيش فيها؛ فيومًا بعد آخر كانت المنطقة تفرغ من الناس، وجنود الاحتلال إلى أن لم يعد هناك وجود لأي شخص.. حتى قواتهم نفسها لم تكن تمر إلا قليلاً.. وقتها كان يراهم يجرون بعرباتهم المدرعة، أو يقفون على الأرض يتمازحون في توتر لم يخفَ عليه على الرغم من بعد المسافة.
في البداية كان يفكر في أن يهجم عليهم، ويلحق بهم أية إصابات، بل إنه بحث بالفعل عن أية أداة تصلح سلاحًا، ووجد سيخًا حديديًا، لكنه لم يستطع حمله، والسير به، ناهيك عن استخدامه في ضرب الجنود.
يومها لعن الهزال والعجز اللذين استبدا به؛ فلا يمكن اعتبار حفنة من ورق الشجر الذابل في يومين غذاءً، ولا يمكن لشربة ماء بركة، يجدها هنا أو هناك، أن تروي عطش الأيام. في تلك الرحلة فَقَد سِنَّين، والتهبت عينه اليسرى فضعفت قوة إبصارها. وبين الحين والآخر كان يتذكر أمه العجوز بنظارتها السميكة، وضحكتها الخالية من الأسنان؛ وهي تخبز في فرن الدار.
ثم وجد الحمار والعربة..
بدا له ذلك مثل الكنز، بل كنز حقيقي.. وسيلة انتقال يمكنه أن يسير بها إلى أي مكان، وينام فوقها في أمان من العقارب والحَيَّات والآفات التي بدأت تتجمع في الخرائب على الجثث المدفونة أسفلها.
ما زال يذكر خفقان قلبه، عندما وجد ذلك الحمار الصغير.. بدا وكأنه عثر على صديق حميم.. رفيق يقاسمه رحلة تمضي به من مجهول إلى مجهول.
إنه الآن في اليوم العاشر من عثوره على العربة التي أصبحت منزله المتنقل. كان قد جمع فوقها ما استطاع من الخرائب؛ فوجد بطانية صوفية، ووسادة نصف محترقة، بل وجد كذلك غلاية ماء جمع بها بعض الماء، من بركة عثر عليها في طريقه إلى المبنى الذي يعتقد أنه طبي.
ماذا لو كان غير مأهول؟! خطر هذا السؤال بباله في اليوم الأول؛ فتوقف قليلاً قبل أن يقول لنفسه: "والله بنام فيه. وين بدّي ألاجي أحسن من هيك؟!󠁵". وهكذا مضى في مسعاه نحو المبنى، وقدَّر أنه، إذا استراح هو والحمار قليلاً من شمس منتصف النهار، يمكنه أن يصل إليه بعد مغيب الشمس بقليل.
جذب الحبال؛ فتوقف الحمار، ونزل هو من العربة، وأخذ يجر دابته، في تمهل أملاه عليه الإنهاك، نحو أطلال ما كان يومًا ما منزلاً عامرًا، ليستريحا قليلاً. ذكره الهيكل الأمامي للمنزل المدمَّر بمنزله الذي كان في بيت لاهيا، عندما كانت هناك بيت لاهيا. لكن انتزعه من ذكرياته صوت يشبه ضربة سوط هائل انفجرت في السماء الصافية من السحب. رفع بصره عاليًا؛ فوجد مجموعة من الطائرات تنطلق بسرعة بالغة قبل أن تخرج منها نقاط صغيرة.
أسرع يجر الحمار نحو خرائب المنزل؛ وهو يلتفت بين الفينة والأخرى ليطمئن على الجثث، ويردد في نفسه: "هاي النهاية شكلها"، إلا أن إحدى النقاط الصغيرة سقطت بالقرب منه في انفجار هائل؛ دفعه في اتجاه، ودفع العربة والحمار في اتجاه آخر، قبل أن يرى الحمار يقوم من سقطته، ويجري بالعربة، وقد تساقطت منها الجثث؛ فتحامل على نفسه، ونهض خائر القوى يحاول عبثًا أن يجري.
لكنّ قنبلةً أخرى انفجرت بالقرب منه أطارته في السماء ليسقط على ظهره بين الخرائب؛ وقد انهالت فوقه كتل من الأسمنت وأسفلت الطريق، ليجتاحه ألم هائل كاد يطير له صوابه. ومن رقدته رأى الحمار يطير في الهواء، وأشياء أخرى تتطاير عرف أنها أشلاء الجثث؛ فحاول أن ينهض، لكنه اكتشف أنه اندفن تحت كتل الأسمنت والأسفلت.
وعندما سمع هدير الطائرات يقترب مجددًا، تطلع إلى السماء، من فرجة بين الكتل المتراكمة فوقه، ورأى الطائرات بقعًا تعكر صفو سماء، وبآخر أضواء البصر، في عينين زائغتين، لمح نقاطًا أخرى تنفصل منها، وخُيِّل إليه أنَّ واحدة منها تنظر إليه. وفي جزء من الثانية أدرك ما سيحدث؛ فرفع إصبعًا متهالكًا، وحرك لسانًا خشنًا مرهقًا لينطق بالشهادة، لكن النقطة كانت سريعة؛ إذ وصلت إليه قبل أن يكمل نصفها الأول.
ولم يكن هناك مَن يشاهد الأشلاء تطير.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (بؤساء) هوجو: نظرة نقدية سريعة مُبسَّطة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الألمانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 4 ...
- في مقاربات الترجمة: فيناي وداربلنيه نموذجًا (ورقة بحثية تمهي ...
- على مقعد المقصورة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 3 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 2 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 1 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جاك لندن و-كيش- وإنقاذ الإنسان من فخ الهيمنة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر - ج ...
- جورجي بليخانوف: المادية مرةً أخرى (مقال كامل مُترجَم)
- ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان
- الأدب الشعبي الجزائري: تاريخ ومكونات ومستقبل
- الأدب الشعبي المصري: التاريخ والسمات والآفاق
- بطارخ أبو عبير


المزيد.....




- الأولى منذ شهرين.. الجيش الأمريكي يشن ضربة قاتلة على سفينة ي ...
- وزير دفاع أوكرانيا المقال يثير تساؤلات بشأن علم زيلينسكي بقض ...
- تصعيد مستمر في غزة والضفة ولبنان.. أمريكا تبدأ الاثنين -أضخم ...
- سلاح بـ5 آلاف دولار يقلب معادلة حرب المسيّرات.. أميركا تطلق ...
- مقترح عراقي لتأسيس مجلس أمني يجمع السعودية وإيران.. هل تنجح ...
- عن شاهد عيان: -العالم غرق في ليل أبدي-!
- إلى ماذا يشير الانخفاض الحاد في ضغط الدم؟
- معركة فريدة.. رشاش روسي يسقط صاروخا أوكرانيا بعيد المدى من ط ...
- أوزبكستان وأذربيجان تعتزمان إنشاء أسطول مشترك في بحر قزوين
- عالم فلك روسي يوضح لماذا لم يعد بلوتو كوكبا


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - حسين محمود التلاوي - النصف الثاني من الشهادة (قصة قصيرة)