أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - على مقعد المقصورة















المزيد.....

على مقعد المقصورة


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 08:34
المحور: الادب والفن
    


وسط زحام ميدان العتبة وصخبه اللذين أشاعا الدفء في تلك الليلة الشتوية الباردة، كان لا يزال بمقدور "سيد" و"عبده" أن يجدا مساحة على أحد الأرصفة يجلسان عليها؛ وقد وضع كل منهما صندوق مسح أحذية متهالك أمامه.
وبصوت أوهنه الإرهاق قال "سيد" لـ"عبده": "ما تيجي نروح القهوة اللي أُدَّام المرور".
ارتسمت ابتسامة حسرة على وجه "عبده" الصغير، وقال بصوت لا يقل وهنًا: "عايز تشوف المطش؟!"، وأضاف في حزن: "الواد كراوية حيطردنا يا عمّ".
اكتسى وجه "سيد" بالكراهية؛ وهو يقول: "ده راجل خنيق"، وسكت للحظة قبل أن يقول: "بس أنا مش بقول لك علشان المطش".
نظر إليه "عبده" في تساؤل، فقال "سيد": "بيقولو النهاردة نهائي كاس العالم، والأرض زي ما انت شايف طينة".
فهم "عبده" ما يعني "سيد"، وقال: "قصدك يعني نروح نمسح، ونشوف المطش".
ابتسم "سيد" في مرح، وربّت على كتف "عبده" الضئيل، وقال في سخرية: "اسم الله على نباهتك".
تجاهل "عبده" نبرة السخرية في صوت "سيد"، واستمر يسأله: "ولو الجدع اللي اسمه كراوية ده طردنا؟!".
قال "سيد" في ضيق لمجرد الفكرة: "يطردنا ليه؟! ده احنا نبسط له الزباين، ونخلليهم يقعدو أكتر".
قال "عبده" في لا مبالاة: "هم كده كده قاعدين لآخر المطش".
وأضاف؛ وهو ينهض حاملًا معه صندوقه: "ولو طردنا، نضرب له ابنه بكرة في المدرسة".
انفجر "سيد" في الضحك بهستيرية؛ وهو ينهض هو الآخر، ويأخذ معه صندوقه، قبل أن يقول بعد أن هدأت ضحكاته: "ما أنت شرير اهو يا عم عبده!".
ووضع يده فوق كتف "عبده"، وسارا نحو المقهى المضيء الذي اصطفت أمامه المقاعد بنظام في مواجهة شاشة كبيرة تحضيرًا لبدء نهائي كأس العالم لكرة القدم بين فرنسا والأرجنتين.
وفي الطريق قال "سيد" لـ"عبده": "بس تقول مين اللي يكسب ياض يا عُبَد؟!".
هز "عبده" كتفيه في عدم دراية، وقال: "بيقولو الأرجنتين جامدة، وميسّي عايز ياخدها".
لم يرد "سيد"، وإنما انشغل بفحص أحذية الرواد، قبل أن يقول في سرور: "يولعو بجاز.. شايف ياض الجزم كلها طين إزاي؟!"، وبرقت عيناه في جذل؛ وهو يضيف: "دي باينّها ليلة عنب".
ودون مقدمات خبط على صندوق الأحذية وصاح قائلًا: "جِزااااااااام".
التفت إليه بعض الرواد، وناداه أحدهما، فأسرع "سيد" يلبي النداء، وانشغل "عبده" كذلك في مسح حذاء رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي ملابس فخمة؛ وقد بدت عليه علامات الثراء.
انشغل "عبده" بمسح الحذاء الذي ضخمًا ممتلئًا بالطين، وأخذ الرجل ينظر إليه قبل أن يقول له: "اسمك إيه يا شاطر؟!".
قال "عبده" في هدوء دون أن يتوقف عن عمله: "اسمي عبد الرحمن، وبينادولي عبده".
ابتسم الرجل في وقار، وسأله ثانيةً: "وعندك كام سنة؟!".
أجاب "عبده": "أربعتاشر وماشي في الخمستاشر يا بيه".
قال الرجل في إعجاب ملأ ملامح وجهه الممتلئ: "ما شاء الله"، قبل أن يواصل أسئلته بقوله: "على كده بقى بتروح المدرسة؟ وللا الشغل واخد وقتك كله؟!".
نظر إليه "عبده"، وقال: "رجلك التانية يا بيه"، وما إن وضع الرجل قدمه الأخرى على الصندوق، حتى انغمس "عبده" في تلميعها، وقال: "بروح ساعات وساعات لأ".
مط الرجل شفتيه في تفكير، وقال في نبرة تحذير: "اجتهد في شغلك، لكن متسيبش المدرسة"، وأضاف؛ وهو يتأمل فردة الحذاء الأولى التي جعلها "عبده" تلمع مثل المرآة: "مين عارف يا عبده؟ مش يمكن تنجح لو بقيت شاطر في الدراسة زي ما انت شاطر كده في شغلانتك؟!".
أجاب "عبده" في لا مبالاة يشوبها الانكسار: "كله على الله يا بيه".
كانت، في تلك اللحظة، قد انتهى من جعل الفردة الأخرى مثل المرآة؛ فقال الرجل: "أي خدمة تاني يا بيه؟!".
تأمل الرجل فردتي الحذاء، وقال في انبهار حقيقي: "ما شاء الله. إنت خلليتها مراية يا عبده".
وقف "عبده" أمام الرجل؛ وقد امتلأ وجهه الصغير بالسرور وكذلك الترقب لما سوف يدفعه الرجل الذي عاد يقول: "أيوه خلليك شاطر كده كمان في المدرسة".
عاد "عبده" يقول دون أن يفارقه السرور والترقب: "كله على الله يا بيه".
هنا جاء النادل؛ وهو رجل في الثلاثينيات من العمر تبدو سمات الشغب على وجهه الذي اكتسى بالضيق، عندما رأى "عبده"؛ فقال للرجل: "الواد ده مضايقك في حاجة يا بيه؟!".
نظر إليه الرجل في دهشة من الطريقة الهجومية للنادل، وقال في استنكار: "إيه ده؟! فيه إيه؟! لا مش مضايقني يا سيدي.. واتفضل روح هات لي شاي بنعناع!".
ارتبك النادل، وقال في صوت خافت: "أوامرك يا بيه".
وبينما عاد النادل إلى داخل المقهى، قال "عبده" للرجل في حزن: "ما تاخدش في بالك يا بيه هوا كراوية كده! ".
سأله الرجل في اهتمام: "هو دايمًا يعمل معاك كده؟!".
قال "عبده" في ضيق: "كل ما يشوفني أنا وسيد يطردنا مع إننا مبنعملش مع الزباين نص المشاكل اللي بيعملها هوّا".
قال "عبده" عبارته الأخيرة في شيء من نفاد الصبر؛ لأنه كان يريد الأجرة ليذهب إلى زبون آخر، ولاحظ الرجل ذلك؛ فمد يده إلى جيب سترته يخرج محفظة نقوده؛ وهو يسأل: " سيد ده الولد الطويل اللي كنت ماشي معاه؟!".
لكن قبل أن يجيب "عبده"، نظر الرجل فوق رأس "عبده"، وقال في سرعة: "حاضر جاي!".
التفت "عبده" ليرى سيدة في عمر مقارب لعمر الرجل، وترتدي ملابس باهظة الثمن؛ وقد بدت عليها علامات الضيق، وهي تشير إلى الرجل بالقدوم.
نهض الرجل من مكانه، وقال لـ"عبده": حسابك كام يا عبده؟".
أجابه الصبي في ترقب: "اللي تجيبه يا بيه".
فأخرج الرجل من محفظته ورقة من فئة الـ50 جنيهًا أعطاها لـ"عبده"، وقال له؛ وهو يربِّت على رأسه: "خد بالك من شغلك".
أمسك "عبده" ورقة النقود في يده، وراح ينظر إليها في انبهار، قبل أن يقول: "بس كده كتير يا بيه!".
لكن الرجل ابتسم؛ وهو يخرج من محفظته عدة أوراق نقدية أخرى، ويقول: "مش كتير عليك"، وطبق ورقتين نقديتين في قبضته، ووضعهما في يد عبده قائلًا: "خُد دول كمان"، وطبّق ورقة أخرى، ووضعها في اليد الثانية للصبي المذهول، وقال بالابتسامة نفسها: "ودي لصاحبك سيد".
وأسرع ذاهبًا إلى السيدة تاركًا عبده في ذهوله، بعد أن أدرك أن "البيه" منحه 400 جنيه له و200 جنيه لصديقه. لكنه استفاق من ذهوله، وأسرع يجري خلف الرجل مناديًا: "يا بيه يا بيه.. ده كتير أوي يا بيه".
نظر إليه الرجل؛ وهو يفتح باب السائق لسيارة فاخرة: "يا ابني مش كتير عليك"، ورفع إصبعه في تحذير قائلًا: "داريهم بقى أحسن حد يلطشهم منك"، وأضاف في تهديد مصطنع: "ومتنساش تدي صاحبك نصيبه".
وانطلق بالسيارة تجاوره السيدة فاخرة المظهر التي قالت له في حنق: "كتير أوي اللي إديته للولد الجزماتي ده!".
قال لها في مرارة: "اهو احنا رايحين دلوقت للدكتور علشان معندناش ضُفر الجزماتي ده!".
لم ترد، واكتفت بالنظر إلى الطريق، إلا أن الزفرة الساخنة التي أطلقتها كانت تشي بما يعتمل داخلها.
لكنّ ما كان يعتمل في نفس "عبده" كان أكثر؛ إذ وقف مذهولًا يتابع السيارة المبتعدة؛ وهو لا يزال يحاول استيعاب ما جرى. ولم يفق إلا على ضربة على كتفه، وصوت "سيد" يسأله في ارتياب: "مالك ياض واقف زي الصنم كده ليه؟ كنت بتجري ورا الراجل الأبَّهة ده ليه؟"، وتقلصت ملامحه؛ وهو يتابع: "إوعى يكون عمل لك حاجة!".
قال "عبده" دون أن يزايله الذهول: "لا، ده راجل طيب"، وقال كمن يفيق من حلم: "ده إدّاني فلوس كتيرة أوي".
سأله "سيد" في لهفة: "كام يعني؟!"
همّ "عبده" بأن يجيب، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة لمعرفته بطمع "سيد"، وقال: "قال لي أديك دي!".
ومد يده بالـ200 جنيه لـ"سيد" الذي ما إن رآها حتى صاح في صدمة: "يا ديني...! إيه ده؟!".
واختطفها من يد "عبده" الذي قال له في سرعة: "اسبقني على أول شارع زكي شوَّاية وأنا جاي وراك".
واستدار مبتعدًا، لكن "سيد" أمسك كتفه، وسأله: "رايح فين؟!".
قال "عبده"؛ وهو يتملص من يد "سيد": "رايح أجيب ابتسام".
انطلق كل منهما في طريقه؛ فذهب "سيد" إلى الشارع المذكور، وراح "عبده" باتجاه فتاة تكبره سنًّا بنحو عامين، تجلس أمام فرشة إكسسوارات فتيات على رصيف غير بعيد عن المقهى، وقال لها؛ وهو ينحني على الفرشة ليجمعها: "ابتسام، قومي لمّي الفرشة وتعالي معايا!".
قالت له في ذعر؛ وهي تقفز من مكانها: "ليه؟! الحكومة جاية؟!".
نظر إليها في صمت، قبل أن يقول في هدوء من يمسك أعصابه بصعوبة: "حكومة إيه يا هبلة ما الحكومة أدّامك أهي!".
انتبهت إلى أنها تجلس قريبًا من وحدة المرور، فأسرعت تساعده في جمع الفرشة؛ وهي تسأله في صوت بدأ يشوبه الاطمئنان: "طيب فيه إيه، خضتني؟!"
قال لها: "رايحين أنا وانتي والواد سيد عند زكي شوَّاية!".
نظرت إليه مندهشة؛ وهما يسيران مسرعيْن، وقالت: "زكي شوَّاية؟! وده تعوز منه إيه؟!".
قال في لهجة من يساير طفلًا: "سيخ يا ابتسام.. عايز منه سيخ!".
وعندما وصلا إلى أول الشارع، وجدا "سيد" في انتظارهما، فقالت له: "أهلًا يا سيد!".
ابتسم وقال لها: إزيك يا ابتسام؟! الواد أخوكي باينّه سرق محفظة راجل متريّش النهاردة!".
عربد الغضب في ملامح "ابتسام"، وقالت في صوت يشبه الصراخ: "حسّك عينك تقول على اخويا كده! وديني أقطّع الشبشب ده على دماغك!".
وقرنت قولها بخلع فردة من شبشبها، وكادت ترفعها، لولا أن أمسك "عبده" بيدها، وهو يهدئها بقوله: "بيهزر يا ستي ميقصدش! الناس بيبصولنا".
وقال "سيد": "مالك يا مجنونة انتي؟! عبده ده أخويا قبل ما يكون أخوكي!".
قالت له في الغضب نفسه: "أخوك وصاحبك بعيد عني! لكن وهو معايا تلزم أدبك!".
ابتسم "سيد"، وقال في سخرية: "ماشي يا عم الشاويش!".
وقال لـ"عبده" ساخرًا: "مش تقول إنك جاي وجايب البلطجي بتاعك معاك!".
ابتسم "عبده"، وقال: "لم الليلة يا سيد متفرجوش الناس علينا.. خللينا نشوف اللي احنا رايحين له".
فقالت "ابتسام"؛ وهي تسير بجوار شقيقها: "واخدنا على فين يا عبده؟!".
قال لها في ابتهاج ملأ ملامحه الصغيرة: "نتعشى عند زكي شوَّاية!".
همّت بأن تسأله إن كان قد سرق محفظة بالفعل، لولا أن خشيت سخرية "سيد" الذي كان بالفعل ينظر إليها بين الحين والآخر في سخرية، وقالت بدلًا من ذلك: "وجبت الفلوس منين؟!".
هنا تطوع "سيد" بالإجابة قائلًا: "راجل بيه.. لأ.. باشا.. إداله فلوس كتيرة.. وإداله فلوس ليّا أنا كمان!".
نظرت إلى شقيقها، وسألته: "صحيح اللي بيقوله العبيط ده؟!".
ابتسم "سيد" لكلمة "العبيط"، وقال "عبده" في صوت حالم: "آه يا ابتسام.. صحيح.. إداني فلوس كتيرة أوي، وقلت له ده كتير، قال لي مش مهم!".
في هذه اللحظة كانوا قد وصلوا إلى محل زكي شوَّاية للمشويات، وكان محلًّا صغيرًا في شارع متفرع من الشارع الرئيسي الذي كان "سيد" يقف على رأسه. دخلوا وجلسوا إلى منضدة داخلية في المحل الذي كان شبه خاوٍ بسبب اقتراب موعد مباراة نهائي كأس العالم. ولما جلسوا جاء إليهم "زكي"، وسألهم في عدائية غير مبررة: "عايز إيه ياض انت وهو؟!".
وقفت "ابتسام" وكادت تصرخ فيه، لولا أن أمسك "عبده" بيدها، وقال لها: "اقعدي يا ابتسام"، ونظر إلى "سيد" الذي كان يتابع ما يجري مبتسمًا، وسأله: "تاخد إيه يا سيد بيه؟!".
فنظر "سيد" إلى "زكي"، وسأله في شيء من التهكم: "عندكم إيه النهاردة؟!".
هنا صاح "زكي" فيهم قائلًا: "لا بقول لك إيه انت وهو.. أنا مش ناقص وجع دماغ.. اطلعو برة من سُكات بدل ما الواد سماحة يسففكم التراب".
لم تتكلم "ابتسام"، لكنها نظرت في غضب إلى "عبده" الذي قال: "مالك يا اسطى زكي؟! احنا جايين نطلب طلبات ناكلها ونمشي".
هدأ "زكي" قليلًا وقال: "وطلباتكم إيه يا ابو طلبات؟!".
قال "عبده" مباشرةً هذه المرة دون أن يسأل أحدًا: "ربع الفراخ بكام؟!".
قال "زكي": "75 جنيه وينزل معاه رز وخضار وسلطة وعيش".
فقال "عبده": "هات لنا تلاتة صدور".
قال "زكي" في برود: "الصدر بـ80".
فقال "عبده": "وماله؟! هات يا اسطى".
عاد "زكي" يقول في البرود نفسه: "أشوف فلوسك الأول!".
كاد "سيد" يقول ردًّا لاذعًا، وبدا على "ابتسام" أنها سوف تقذف "زكي" بمطفأة السجائر، لكن "عبده" أخرج إحدى ورقتي الـ200 جنيه وورقة الـ50 جنيهًا وأعطاهما لـ"زكي".
أخذ "زكي" النقود؛ وهو لا يزال غير مصدق، لكن "سيد" قال له: "فين الباقي؟!".
نظر إليه"زكي" في برود قبل أن يخرج 10 جنيهات من جيبه، ويمد بها يده إلى "عبده" الذي قال: "خللي الباقي علشانك!".
هنا انفجر "سيد" ضاحكًا لتقليد "عبده" العبارة الشهيرة في الأفلام، لكن "زكي" لم يرد واكتفى بنظرة باردة؛ وهو يبتعد مناديًا على عامل الشوَّاية بقوله: "عندك تلاتة صدر مشوي على ملوخية".
هنا قالت "ابتسام" في غيظ: "جدع يا عبده حرقت دمه!".
ابتسم "عبده" في فخر، وقال "سيد" في سخرية: "وانا مفيش جدع؟!".
نظرت إليه "ابتسام" في ضيق مكتوم، ولم ترد.
وبعد دقائق جاءت الطلبات، وانطلق الثلاثة يأكلون في نهم بالغ حتى أتوا على الطعام كله.
وبعد الانتهاء قال "عبده": "لو عايزين تاني، نطلب".
قالت "ابتسام" في حنان؛ وهي تنظر إليه فخورة: "تسلم لي يا اخويا!".
وقال "سيد" في امتنان حقيقي: "تسلم يا عبده يا أصيل".
وبعد أن غسلوا أيديهم، وخرجوا من المحل، قال "عبده" فجأة: "بينا بقى على القهوة نشوف المطش!".
قال "سيد" في سخرية ممزوجة بالدهشة: "لا كده كتير يا عم!".
فقال "عبده" في إصرار: "أنا عايز أشوف المطش".
فقالت "ابتسام": "خلاص اللي تشوفه.. أنا بس آخد فَرشتي وأروح أنام".
لكن "عبده" قال في الإصرار نفسه: "وانتي كمان تشوفيه معانا.. تنامي إيه؟! ده لسه العشا مأذنش!".
فقالت في استسلام لم تجد غيره تحت ضغط "عبده" ووطأة الطعام في معدتها: "اللي تشوفه يا أخويا.. اللي تشوفه يا حبيبي".
عاد "سيد" ينظر إليها في السخرية نفسها دون تعليق، ولاحظت هي نظرته لكنها كذلك لم تعلق لعدم قدرتها على الحديث!
عندما وصلوا إلى المقهى، وجدوا الصف الأول خاليًا تقريبًا؛ فجلسوا جميعًا بحيث جلس "عبده" بين صديقه وشقيقته ووضع صندوقي تلميع الأحذية والفرشة على مقعد رابع بجوار "ابتسام" كي لا يجلس أحد بجانبها. وفجأة انشقت الأرض عن "كراوية" الذي صاح فيهم في سخط قائلًا: "امشي ياض انت وهي من هنا".
لكن "عبده" قال في ثبات: "عايز كام وتسيبنا نقعد؟!".
اندهش "كراوية" من السؤال، لكنه عاد يصيح قائلًا: "انت عبيط يا ابني انت؟! بقول لك قوم من هنا!".
لكن "عبده" قال ثانيةً: "وأنا بقول لك عايز كام؟!".
كان صاحب المقهى يجلس أمام مكتب صغير على مقعد مرتفع، يتابع الحوار، وقبل أن يكرر "كراوية" تهديداته، صاح صاحب المقهى فيه قائلًا: "ما تخلص يا كراوية وتقول له عايز كام؟!".
انصعق "كراوية" من تدخل معلمه غير المتوقع، واحتاج بعض الوقت ليسترد قدرته على الكلام، فقال له "سيد" في استهزاء: "ما تسمع كلام معلمك يا جدع انت!".
قال "كراوية" في بغض: "10 جنيه للكرسي غير المشاريب، ولو قومت مترجعش تلاقي مكانك!".
فسأله "عبده": "ولو عايز أرجع ألاقيه؟!".
أجابه "كراوية": "يبقى 20 جنيه"، ثم استدرك مضيفًا: " غير المشاريب".
فقال "سيد" في سخريته المعهودة: "يعني قاعدين في المقصورة؟!".
أسرع "عبده" يقول منهيًا التلاسن: "يعني حسبة 80 جنيه غير المشاريب".
وأخرج من جيبه الـ200 جنيه الأخرى، وأعطاها لـ"كراوية" قائلًا: "خد لك 100 جنيه 80 حساب الكراسي و20 تحت الحساب، وهات الباقي 100".
أطاعه "كراوية"، وقال له: "بس الكرسي اللي عليه حاجتكم يطلب زيكم!".
فقالت "ابتسام" في غضب يكاد يتفجر: "بقول لك إيه يا كراوية يا ابن أم نعمة.. روح هات 4 شاي بس بسرعة يا اخويا علشان دقيقتين والمطش يبدأ".
همّ "كراوية" بالصياح فيها، لولا أن تعالى صوت معلمه يقول في نفاد صبر: "ما تتحرك يا كراوية تجيب لهم الطلبات، وتشوف بقية الزباين عايزين إيه!".
رمقهم "كراوية" بكراهية لا حدود لها، وبعدما ابتعد قال "سيد" بصوت خفيض في إعجاب: "جدعة يا بتّ!".
قالت له في صوت خفيض هي الأخرى: "بتّ أما تبتّ أمك!"، قبل أن تقول في ندم: "وللا أمك دي حبيبتي"، وأضافت وهي تشيح بوجهها بعيدًا: "معرفش إزاي خلفت البغل ده!".
تعالى صوت ضحكات "سيد" و"عبده"، لكن غطّى عليها صوت معلق المباراة يعلن في حماس نزول الفريقين إلى أرض الملعب، ورفع "كراوية" صوت التلفاز، ووضع أمامهم الشاي، والمعلق يقول: "نحن على موعد مع ليلة لا تنسى.. الكل يحلم بالانتصار.. إنها ليلة الأحلام للجميع".
وبدأ اللقاء وغرق الثلاثة في صخب الجماهير والبساط الأخضر دون أن تنسى "ابتسام" حماية الصندوقين والفرشة بأن وضعت يدها عليها جميعًا في مكانها على مقعد "المقصورة".



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 3 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 2 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 1 ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جاك لندن و-كيش- وإنقاذ الإنسان من فخ الهيمنة
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (البريطانية ...
- جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر - ج ...
- جورجي بليخانوف: المادية مرةً أخرى (مقال كامل مُترجَم)
- ياسمينة خضرا في القريبة كاف: الكل مُدان
- الأدب الشعبي الجزائري: تاريخ ومكونات ومستقبل
- الأدب الشعبي المصري: التاريخ والسمات والآفاق
- بطارخ أبو عبير
- إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا ...
- إضاءات على تاريخ مصر: مصر تنقذ العالم القديم من تحالف شعوب ا ...
- غزلان الليل.. حكايات من أرض الأمازيغ
- مفهوم العوين وجذوره التاريخية في التربة السياسية المغربية
- تجربة موسى بن أبي العافية في المغرب الأقصى: مقاربة مكثفة في ...
- جربة.. حيث تعانق الشمسُ التاريخَ في هدوء!


المزيد.....




- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟
- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - على مقعد المقصورة