|
|
أزمة السكن في تونس
الناصر بن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 02:51
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أزمة السكن في تونس 1) من حقّ اجتماعي إلى سلعة مضاربية : إن السكن في المجتمع هو شرط من شروط الاستقرار الاجتماعي وإعادة إنتاج قوة العمل والحفاظ على الأسرة وصيانة الكرامة الإنسانية. لكنه اليوم - في ظل الرأسمالية المتوحشة - لم يعد يُطرح كذلك بوصفه حاجة حيوية أساسية ، بل جرى ويجري تحويله قسراً إلى "سلعة" تخضع لمنطق السوق الحرة وشروط التراكم الرأسمالي المعولم. إنّه يقع إخضاعه كل يوم أكثر فأكثر لمنطق الربح والمضاربة العقارية والائتمان البنكي وبالتالي تحويل هذا الحق إلى ساحة صراع طبقي مكشوفة، تتقاطع فيها مصالح الريع العقاري والمال البنكي مع عجز الدولة، أو بالأحرى تنصّلها الممنهج عن القيام بدورها الاجتماعي وهو ما يعد تحوّلًا أعمق في طبيعة السياسة الاقتصادية والاجتماعية للدولة الرأسمالية . وبناء على ما سبق ، تقتضي قراءة أزمة السكن في تونس وفق المنهج المادي الجدلي عدم الفصل بين ارتفاع أسعار الإيجار والعقارات، وجشع البنوك، وتراجع المؤسسات العمومية، وفهم هذه المظاهر كجزء من تناقض رئيسي: التناقض بين الطابع الاجتماعي لحاجة السكن والأشكال الرأسمالية الخاصة لتملكه والمضاربة به . من ناحية أخرى لم تعد أزمة السكن مشكلة جزئية تخص الفئات الفقيرة فقط ، بل تحولت تدريجيًا إلى أزمة اجتماعية عامة وواسعة النطاق ، تضرب العمال و صغار ومتوسطي الموظفين والأجراء والشباب الجامعي وحتى قطاعات من أصحاب المداخيل المستقرة. فالمواطن من كل هذه الشرائح يجد نفسه محاصرًا بين ثلاث جبهات: كراء يلتهم جزءًا متزايدًا من الدخل يصل أحيانا إلى النصف ، وأسعار عقارات تجاوزت بكثير القدرة الشرائية لغالبية الأسر، وقروض بنكية تجعل امتلاك المسكن التزامًا ماليا مستعصيا طويل الأمد وثقيل الكلفة. وهنا تكمن المفارقة الطبقية الصارخة: كلما ازدادت حاجة المجتمع إلى السكن، أصبحت هذه الحاجة أكثر خضوعًا لمنطق الربح والمضاربة وكلما تراجعت القدرة الشرائية للطبقات الشعبية، ازداد اعتمادها على السوق الخاصة. وكلما ارتفعت أسعار العقارات، أصبحت ملكية المسكن أكثر تركّزًا في أيدي من يملك رأس المال أو الأرض أو القدرة على الاقتراض. 2) الأرقام تكشف حجم المأساة وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء إلى عمق أزمة بنيوية لا تترك مجالًا للشك في خطورتها وتداعياتها المختلفة . فقد سجّل المؤشر العام لأسعار العقارات المبنية ارتفاعًا بنسبة 5.6% خلال الثلاثي الأخير من سنة 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من سنة 2024، مدفوعًا بزيادة 5.7% في أسعار الشقق و5.6% في أسعار المنازل الفردية . أما على المستوى الجهوي، فقد بلغ الارتفاع في منطقة الساحل (نابل وسوسة والمنستير والمهدية) نسبة 6.9%، وهي أعلى نسبة مسجّلة وطنيًا، فيما لم تسلم حتى الأراضي المخصّصة للبناء من هذا التصاعد المهول ، إذ ارتفع متوسط سعر المتر المربع في الأحياء السكنية المتوسطة بالعاصمة والمدن الكبرى ليناهز 2500 إلى 4500 دينار، في حين لا يتجاوز الحد الأدنى المضمون للأجور (SMIG) نفقات البقاء على قيد الحياة.. وهذا الإرتفاع الجنوني في أسعار السكن لا يتوقف عند حد معين بل يمس كل العناصر المتداخلة في السكن: فالأرض، ومواد البناء، وأجور اليد العاملة، والربط بالشبكات، والرخص، والمصاريف الإدارية، والضرائب، والتمويل، كلها تدخل في الكلفة النهائية لتعطي 100 متر مكعب لبناء شقة صغيرة مستوفاة الشروط بسعر لا يقل عن 150 ألف دينار . ويظهر الضغط على جانب الإنتاج أيضًا في تطور أسعار الصناعات المرتبطة بمواد البناء؛ إذ بلغ مؤشر أسعار الإنتاج الصناعي لقطاع مواد البناء والخزف والزجاج 217.8 في آخر الإحصائيات المنشورة ، وهو ما يعكس استمرار ضغط الكلفة على قطاع البناء الذي يعيش بدوره أزمة تسويق بالنظر لعمق الأزمة الإجتماعية العامة وإتساعها . وإذا استندنا إلى معطيات القطاع الخاص، فإن الصورة تزداد قتامة : إذ أفادت منصات عقارية متخصصة بأن المعدل العام لأسعار العقارات ارتفع بنسبة 7% خلال سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، بينما قفزت أسعار الكراء بنسبة 7.5% في الفترة نفسها. والأخطر من ذلك أن كراء المسكن بات يستأثر بما يقارب 40% من الدخل الأسري لشرائح واسعة من التونسيين، وفق ما كشفته المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، وهي نسبة تتجاوز كل المعايير الدولية المعتمدة لتحديد "القدرة على تحمّل كلفة السكن" والتي لا يفترض أن تتجاوز 30% من الدخل القار. في المقابل، وفي مفارقة غريبة تكشف جوهر الأزمة كأزمة توزيع لا أزمة ندرة، إذ أظهر التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن تونس تضم أكثر من 4.26 مليون مسكن، من بينها نحو 826 ألف مسكن شاغر !!! ، أي ما يقارب 19.3% من الرصيد السكني الوطني بأكمله، وهي نسبة عالية جدا ودالة على درجة المضاربة والسمسرة المنفلتة . لكن الأسئلة الملحة ليس فقط لماذا ارتفعت الكلفة؟ بل أيضًا: من يدفعها؟ ومن يستفيد منها؟ وأين الدولة من كل ما يحدث ؟ إن الكلفة الملتهبة يدفعها في النهاية العامل والمستهلك والمقتني الأول للمسكن، بينما يستطيع مالك الأرض والمضارب العقاري والمروج العقاري والممول المالي تحويل جزء من هذه الزيادة إلى ريع أو ربح أو فائدة. وهكذا تتحول الحاجة الإنسانية الأساسية إلى سلسلة متصلة من عمليات اقتطاع القيمة من دخل الطبقات الشعبية وهو ما يحيلنا على الإستغلال والإستغلال المضاعف. 3) تفكيك منظومة الدولة الاجتماعية: شكّلت المنظومة المتعددة الأضلع بتأسيس SNIT في 1957 كمؤسسة ذات وظيفة اجتماعية واضحة تتولى باسم الدولة انجاز وتمويل مشاريع سكنية لفائدة مختلف الفئات الإجتماعية بلغت حد 20000 مسكن سنويا في الفترة الممتدة بين السبعينات ونهاية الثمانينات ، إذ كانت تجمع وظائف المقسم العقاري والباعث العقاري ومؤسسة الإقراض أي أن الدولة كانت تتدخل في الأرض والبناء والتمويل ولعبت هذه المؤسسة العمومية دورا إجتماعيا بامتياز قبل أن تعطي مهمة تهيئة الأراضي لAFH في 1973 في حين يتولى الصندوق الوطني للإدخار السكني CNEL الذي أنشأ في نفس السنة ، جانب التمويل ليتحول هذا الأخير إلى بنك الإسكان BH سنة 1989 ويبدأ في منح القروض لا السكنية فقط بل القروض التجارية لقطاعات أخرى في 1992 أي تمويل بقية النشاط الإقتصادي لينتهي به الأمر إلى نموذج البنك التجاري الشامل . كما أنشأت شركة النهوض بالمساكن الإجتماعية SPROLSسنة 1977 التي جاءت لتلبية حاجيات المنتفعين من التغطية الإجتماعية .شكل هذا الرباعي ( SNIT- AFH – SPROLS - BH ) في البداية رافعة اجتماعية حقيقية مكّنت آلاف العائلات الشعبية ومتوسطة الدخل من امتلاك سكن لائق ضمن منظومة تضامنية تُموَّل عبر اقتطاعات من الأجور ومساهمات الدولة. لكن - في إطار برنامج إعادة الهيكلة والسعي المحموم للخوصصة – تعرّضت أضلع المنظومة إلى عملية تفكيك تدريجي فمرت من تدخل الدولة بالكامل في إنتاج السكن سنة 1973 إلى إعادة تنظيم القطاع ( CNEL + AFH ) في 1973 أي أن الدولة حاضرة في البداية في الحلقات الثلاثة الأرض والبناء والتمويل مرورا بالفصل بينها ، وإضافة آليتين تمويليتين موجهتين للأجراء ومحدودي ومتوسطي الدخل من المضمونين اجتماعيا وهما FOPROLOS و SPROLS في 1977 ، وصولا إلى تحرير السوق العقارية في بداية التسعينات ليبدأ التحول البنيوي والتفكيك العقاري ، حيث السكن لم يعد منظومة عمومية متكاملة بنفس الدرجة التي كانت عليها سابقا فSNIT أضحت باعثا عقاريا عموميا وAFH مؤسسة عقارية عمومية و CNEL تحولت إلى بنك تجاري شامل وهذا التحول علامة من علامات الإنتقال التدريجي من منظومة الدولة المنتجة والممولة للسكن إلى منظومة يكون فيها السكن أكثر ارتباطا بالسوق والإئتمان البنكي .فأصبح المواطن يواجه منظومة مختلفة : أرض مرتفعة التكلفة وباعثا عقاريا يبحث عن التوازن المالي وبنكا يحسب قدرته على السداد والفائدة وهامش الربح وأجرا لم يرتفع بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها كلفة المسكن . و النتيجة أن لم تعد الدولة تنتج المسكن ثم تبحث عن المواطن الذي تحتاج إليه ، بل أصبح السوق ينتج المسكن وفق القدرة على الدفع ثم يبحث عن المواطن القادر على الشراء. ومواصلة لمسلسل التفكيك ألغي سنة 2016 المرسوم المنظّم لآلية "الكراء المُملّك" ( Location- vente ) التي كانت تخفف العبء المالي على شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية. وتقلصت شروط الانتفاع بقروض "فوبرولوس" لتكشف بدورها ضيق هامش المناورة المتاح للطبقات الشعبية ، إذ يتراوح الدخل الشهري الخام المؤهِّل للانتفاع بين مرة واحدة والحد الأدنى المهني المضمون (نحو 564 دينارًا) وست مرات هذا الحد (نحو 3384 دينارًا)، مع اشتراط تمويل ذاتي لا يقل عن 10% من ثمن السكن، وفترة سداد تمتد على 25 سنة كاملة. كما واجهت شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية "سبرولس" SPROLS ، الوريثة الفعلية لهذه المنظومة، صعوبات تسويقية حقيقية ، إذ تحدّث مسؤولوها عن أعباء مالية تصل إلى 20% وأكثر من كلفة البناء، وعن الحاجة لتحقيق رقم معاملات لا يقل عن 25 مليون دينار لمواصلة إنجاز المشاريع، في مؤشر واضح على منطق الربحية الذي بات يحكم قطاعًا كان يفترض أن يخضع لمنطق الخدمة الاجتماعية. بعبارة أخرى: فإن الهيكل المؤسساتي لهذه الشركات المتدخلة لا يزال قائمًا اسميًا، لكن روحه التضامنية أُفرغت من مضمونها لصالح منطق استرداد الكلفة والتوازنات المالية. 4) البنوك أداة قهر واضطهاد طبقي للأجراء : عندما يعجز المواطن عن الشراء نقدًا، يُحال إلى البنك. وهنا تبدأ المرحلة الثانية من المأزق والمعاناة ، ذلك أن السكن الذي لا يستطيع العامل شراءه من أجره، يمكنه ـ نظريًا ـ أن يشتريه عبر القرض. لكن القرض لا يلغي الكلفة ، بل يؤجلها ويضيف إليها كلفة مالية إضافية. والظرف النقدي التونسي المتأزم لا يساعد على ذلك، فقد بلغ متوسط سعر السوق النقدية TMM في جوان / جويلية 2026 نحو 6.99%، وهو مستوى يجعل التمويل البنكي مكلفًا جدا بالنسبة إلى الأسر الشعبية ، خصوصًا عندما تمتد آجال القروض إلى سنوات طويلة. وبعبارة أخرى فإن المواطن لا يشتري المسكن وحده؛ إنه يشتري المسكن وفائدة المسكن معًا. وبالنتيجة يصبح العامل الذي يقترض لشراء مسكن أسيرًا لجزء معتبر من دخله طوال 15 أو 20 أو 25 سنة وهو جوهر الإذلال والمهانة الطبقية . وإذا كان دخله غير مضمون، أو كانت الأسرة تعيش على أجر واحد، أو كان أحد الزوجين يعمل في قطاع هش، فإن القرض يتحول من وسيلة لتحرير الأسرة من الكراء إلى مصدر جديد للهشاشة الطبقية. وبالتالي تتحول الديون إلى آلية للتطويع الطبقي ، إذ يُشكل الدين العقاري أداة للسيطرة على الطبقة العاملة، حيث يُجبر الأجراء على الخضوع لظروف العمل القاسية والحاطة من الكرامة وتجنب الإضراب أو الاحتجاج خوفاً من المصادرة والعجز عن سداد الأقساط الشهرية وهو ما يؤثر في العمق على معركة الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة . وهنا ينكشف التناقض الرأسمالي بين القيمة الاستعمالية للمسكن وقيمته التبادلية. فالأسرة تحتاج إلى المسكن لكي تعيش فيه. أما رأس المال فيحتاج إلى المسكن لكي يحقق منه الربح … ثم الربح …ثم الربح.. !!!. وبالتالي فالمسكن في الاقتصاد الرأسمالي ليس بالضرورة مكانًا للسكن؛ قد يكون ادخارًا، أو استثمارًا، أو أصلًا عقاريًا، أو ملكية احتياطية، أو وسيلة للمضاربة الرأسمالية . والنظام البنكي قادر على تمويل السكن، لكنه يفعل ذلك أساسًا وفق الجدوى المالية والقدرة على السداد، لا وفق الحاجة الاجتماعية. فالذي يحتاج إلى المسكن أكثر قد يكون هو الأقل قدرة على الحصول على القرض. وبالتالي فإن المنظومة البنكية التونسية تلعب دوراً محورياً في إعادة إنتاج الأزمة وتعميق التفاوت الطبقي وتشديد وتيرة الإستغلال . فبدلاً من تقديم التمويل الاجتماعي، يُدار القطاع المصرفي عبر تحالف بين البرجوازية المالية المحلية والشركات العقارية المضاربة لتصبح سلسلة الاستنزاف المالي كالتالي : نسبة الفائدة المديرية (7% - 8%) ──> نسبة الفائدة المطبقة (TMM + margin ≈ 11%-12%) ──> اقتطاع > 40% من دخل الشغالين (20-25 سنة) أي تحقيق الربح الفاحش عبر نسب الفائدة المرتفعة .، وبضغط من السياسات النقدية والمحافظة للبنك المركزي التونسي، ظلت نسبة الفائدة المديرية عند مستويات مرتفعة (بين 7% و8% خلال السنوات الأخيرة) بما ينعكس ذلك على نسبة الفائدة السوقية (TMM) التي تجعل تكلفة قروض الإسكان تصل إلى 11% أو 12%؛ أي أن المواطن يدفع للبنك ضعف أو ثلاثة أضعاف قيمة المسكن الأصلي على مدى 20 إلى 25 سنة . وهي شروط تعجيزية قاسية جدا ، إذ علاوة على ذلك تشترط البنوك نسبة اقتطاع لا تتجاوز 40% من الدخل الخام، ومع تدني مستوى الأجور، أصبح الغالبية الساحقة من العمال والأجراء خارج دائرة التأهيل للحصول على قرض عقاري أساساً وأغلقوا هذا القوس نهائيا !!! 5) حتى الكراء لم يعد ملاذًا : كان الكراء في السابق، رغم صعوباته، يمثل البديل الطبيعي لمن لا يستطيع شراء مسكن. أما اليوم فقد أصبح بدوره جزءًا من الأزمة. ووفق بيانات مؤشر سوق الإيجار ، ارتفعت معدلات الإيجار في تونس بنسبة 4% خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، بينما تشير بيانات السوق السنوية إلى ارتفاع متوسط الإيجار طويل المدى بنحو 5.25% خلال 2025 مقارنة بـ2024. كما يتركز الطلب بصورة خاصة على الشقق من نوع S+1 وS+2، التي تحتاجها الأسر الشابة والعمال والموظفون. وفي بعض مناطق تونس الكبرى، أصبحت الأسرة مطالبة بدفع عشرات مئات الدنانير شهريًا مقابل شقة صغيرة، فيما تتجاوز إيجارات الشقق الأكبر 1200 دينار في بعض المناطق المركزية والمجاورة، حسب معطيات السوق العقارية المنشورة بداية 2026. إن معنى ذلك طبقيًا واضح تماما: الأسرة لا تشتري المسكن، ولا تستطيع الادخار لشرائه، فتدفع جزءًا من أجرها لصاحب العقار إلى أجل غير معلوم. وهنا يظهر الفرق بين اقتصاد السكن في ظل دولة اجتماعية تضمن الحق في السكن وتحميه ، واقتصاد السكن الرأسمالي المتوحش. في الحالة الأولى يكون السكن جزءًا من السياسة الاجتماعية للدولة الراعية . وفي الثانية يصبح السكن مصدرًا للدخل السريع والريع بالنسبة إلى مالكه. 6) من المستفيد من الأزمة؟ من منظور مادي جدلي، لا يمكن قراءة أزمة السكن بمعزل عن طبيعة الطبقات الاجتماعية التي تدير دواليب الاقتصاد التونسي منذ عقود ، وتحديدًا منذ التسعينات: برجوازية كمبرادورية عميلة، مندمجة في السوق العالمية عبر الريع العقاري والمالي أكثر من اندماجها عبر إنتاج قيمة مضافة حقيقية ، وهذه الطبقات الهجينة والطفيلية قد وجدت في قطاع العقارات، أسوة بقطاعي التعليم والصحة، مجالاً خصبًا لتحقيق أرباح سريعة، مستفيدة أولا من تركّز الملكية العقارية في يد فئة محدودة من الباعثين العقاريين والمضاربين، القادرين على الاحتفاظ بمساكن شاغرة لأشهر أو سنوات انتظارًا لتحقيق أعلى ربح ممكن، بينما تتصاعد أزمة السكن بالنسبة لغيرهم .، ومستفيدة ثانيا من تراجع الدور الرقابي للدولة على قطاع الكراء، إذ يتهرّب كثير من الملاك من تسجيل عقاراتهم أو التصريح بمداخيلهم الضريبية، وفق ما رصده بعض النواب الذين بادروا بقانون لتسقيف أسعار الكراء في حين لا يزال هذا المشروع عالقًا في أدراج برلمان الدمى منذ أكتوبر 2025.، ومستفيدة ثالثا من تحويل مؤسسات الدولة الاجتماعية إلى مؤسسات تسعى للتوازن المالي، على غرار "سبرولس"، بدل أن تبقى أدوات لإعادة توزيع الثروة لصالح الطبقات الشعبية. 7) مسؤولية حكومات الثورة المضادة منذ 2011، تعاقبت على الحكم في تونس حكومات يمينية رجعية هجينة الانتماءات السياسية، لكنها التقت جميعًا، رغم اختلاف خطابها، على النهج التفريطي ذاته في كل المرافق العمومية والقطاعات الاستراتيجية . ولم تُحدث المنظومة الشعبوية الفاشلة اليوم قطيعة مع هذا النهج بل زادته تعميقا وتوسيعا على عكس ما تروجه من إدعاءات : فرغم الخطاب الرسمي المعلن حول "الحق في مسكن لائق يحفظ كرامة المواطن"، وما رافقه من إعلان مشاريع قوانين في يوليو 2025 لفائدة " المسكن الأول " وإحداث "شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية" والوعد بتسوية الوضعية العقارية لنحو 1400 حي عشوائي، فإن الواقع الميداني يعري سياسة بيع الوهم ويكشف عن فجوة صارخة بين الخطاب والفعل : أسعار العقارات والكراء تواصل الارتفاع الجنوني، وشركة "سبرولس" نفسها تقرّ بصعوبات تسويقية وتمويلية حقيقية، بينما لا يزال مقترح قانون تسقيف الكراء ينتظر في أدراج برلمان صوري منزوع الصلاحيات منذ أشهر وتدهور مريع في القدرة الشرائية وحرمان حتى من أبسط المرافق الضرورية مثل الماء والكهرباء وشلل تام في كل الإتجاهات والقطاعات. ولم يمرّ هذا العجز المتراكم دون أن يولّد احتقانًا اجتماعيًا متصاعدًا: فقد سجّل منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أكثر من 4800 احتجاج في تونس خلال سنة 2025 وحدها، وهو مؤشر على أن أزمة السكن تتداخل مع أزمات قطاعية أخرى وحرائق هنا وأخرى هناك باتت أجزاء من مراكمة سياسية وإجتماعية عامة لغضب شعبي سوف يعصف بمنظومة العجز حتى على إدارة الأزمات وإطفاء الحرائق. 8) البديل الطبقي والبرنامج النضالي للحق في السكن: في ظل هذا المشهد السريالي ، يبدو أن الخروج من أزمة السكن بات مستحيلا من داخل نفس المنظومة ذاتها التي أنتجت الأزمة: أي من تسليم قطاع السكن أكثر فأكثر لمنطق السوق والربحية والمضاربة بما يعني المراهنة على آليات "السوق الحر" أو الإجراءات التجميلية للسلطة المتخبطة في الفشل ، بل يتطلب برنامجا سياسياً واقتصادياً واجتماعيا بديلا على أنقاض القديم ، يضع حدّاً لسلعنة السكن ويستعيد الدور الاجتماعي للدولة بإعادة هيكلة بنك الإسكان و"فوبرولوس" و"سبرولس" ويحرر هذه المؤسسات العمومية من منطق التوازنات المالية الضيقة فيوسعها ويحولها من برامج محدودة إلى برامج وطنية كبيرة للسكن الشعبي، تمول البناء الجديد، والاقتناء، والتوسعة، والترميم، والبناء الذاتي، والمقاسم المهيأة، ويستفيد منها الأجراء وغير الأجراء على السواء وفق معايير اجتماعية واضحة. إلى جانب تفعيل تسقيف فعلي لأسعار الكراء، وفرض ضرائب تصاعدية على المساكن الشاغرة والعقارات المُحتكرة لأغراض المضاربة، بما يعيد توزيع العبء من كاهل الطبقات الشعبية إلى كاهل من راكموا ثرواتهم من الريع العقاري. إن إعادة تعريف السكن قانونياً ودستورياً يمر بالضرورة عبر مأسسة "الحق في السكن اللائق" كحق اجتماعي غير قابل للتسليع والمضاربة ، وإلغاء القوانين الحامية للاحتكار ، كما يقتضي إصلاحا جذريا للقطاع المصرفي عبر فرز خطوط تمويل موجهة للسكن الاجتماعي بنسبة فائدة لا تتجاوز التكلفة الإدارية (0% إلى 2%) .إن استرجاع الدولة لدورها التعديلي بات ضروريا عبر إعادة هيكلة الوكالة العقارية للسكنى (AFH) بانتزاع الأراضي للمصلحة العامة وتوفير مقسمات بأسعار مدعومة للفئات الضعيفة والمتوسطة، وتخصيص نسب من ضريبة الثروة والضريبة على أرباح البنوك لدعم صندوق "FOPROLOS" ومضاعفة طاقته الإنتاجية وتحديد سقف قانوني لإيجارات المساكن (Plafonnement des loyers) يراعي مستوى الحد الأدنى للأجور ومؤشر التضخم. 9) خاتمة : إن أزمة السكن في تونس ليست خللاً عابراً في السوق ولا هي أزمة شحّ في الأراضي المهيأة للبناء ، بل هي نتاج مباشر لسيطرة البرجوازية الكمبرادورية الطفيلية على مفصل حيوي من مفاصل الحياة اليومية للمواطنين. ومعالجة هذا الملف الحيوي والحساس تتطلب تنظيم الطبقات الشعبية والشغالين لخوض نضال سياسي ونقابي ضد سلطة رأس المال وكارتيلات البنوك وخيارات صندوق النقد الدولي الساعية لتفكيك أجهزة التعديل العمومي، والداعمة للباعثين العقاريين الخواص عبر الإعفاءات الضريبية وتسهيلات المضاربة. نضال يفرض السكن كحق اجتماعي مكفول ومحرر من قيود الاستغلال المصرفي والعقاري إن النضال من أجل السكن يجب أن يكون جزءًا من النضال النقابي والسياسي العام ، لأن كلفة السكن تدخل بصورة مباشرة وغير مباشرة في كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. وكلما ارتفعت كلفة السكن، ازداد الضغط على الأجر الحقيقي، وأصبح العامل مضطرًا إلى بيع مزيد من قوة عمله من أجل المحافظة على مستوى المعيشة نفسه. لذلك لا يمكن للنقابات أن تتعامل مع السكن كمسألة ثانوية ، بل ينبغي أن يصبح السكن أحد مطالب الحركة النقابية والعمالية والإتحاد العام التونسي للشغل تحديدا ، من أجل قروض سكن اجتماعية ومساكن للعمال وصناديق سكن قطاعية ومقسمات أراضٍ للبناء الذاتي وتيسير برامج الكراء المملك ( ( Location -vente ودعم السكن التعاوني والجمعياتي من خلال تشجيع التعاونيات السكنية للعمال والأجراء كبديل عن الشركات العقارية الاستثمارية، وتوفير التمويل العمومي المباشر لهذه التعاونيات. وبطبيعة الحال فإن تحقيق هذه المهام يحتاج إلى تحالف اجتماعي واسع يضم النقابات العمالية والطلابية ومنظمات حقوق الإنسان ، ومنظمات المستهلكين، وجمعيات الأحياء، والمهندسين المعماريين والحركات الشبابية، والمنظمات اليسارية ، لتحويل السكن من قضية فردية إلى قضية جماعية لأن المسألة في النهاية هي مسألة صراع اجتماعي وطبقي. فالسكن، مثل التعليم والصحة والنقل، ليس ترفًا يمكن تركه لقانون العرض والطلب. إنه جزء من الحقوق الاجتماعية الأساسية التي لا تكون لها قيمة حقيقية إلا عندما تكون الدولة مستعدة لتوفير شروط ممارستها. لذلك فإن البديل الشعبي للسكن والمسكن يجب أن يكون واضحًا: إعادة السكن إلى المجال الاجتماعي، وإخراجه من قبضة المضاربة العقارية والمالية، وبناء سياسة عمومية تجعل المسكن حقًا مضمونًا لا سلعة .
#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثورة الرقمية وتحولات الطبقة العاملة العالمية
-
من آدم سميث وريكاردو إلى ماركس : كيف انتقل الصراع الطبقي من
...
-
أزمة المياه في تونس : عطش الفقراء وثراء اللوبيات
-
الهجرة والتبعية في تونس
-
في ذكرى ميلاد جورجي ديمتروف : تلخيص لكتابه - الجبهة الوطنية
...
-
الحركة النقابية الكندية( الجزء الثاني )
-
الحركة النقابية الكندية
-
تلخيص لكتاب - عن النقابات - لينين.
-
في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا
-
أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس
-
الفيفا : من هيئة رياضية إلى جهاز للرأسمالية المعولمة
-
أي دولة هذه التي تفشل حتى في توفير الماء الصالح للشراب؟
-
الرياضة بين الإنسان والسلعة : هل من بديل لهيمنة السوق؟
-
ثالوث الفقر والبطالة والحرب
-
التضامن مع إضراب موظفي البنوك دفاع عن الحق النقابي
-
الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
-
سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش
...
-
مافيا سوق السيارات وبرلمان الدمى يسيجان قانون سيارة العائلة
-
السلطة الشعبوية والتحركات الإحتجاجية
-
أي أفق لأزمة البيروقراطية النقابية؟
المزيد.....
-
مسعى أمريكي لتوسيع حظر السلاح الأممي على السودان وروسيا تحذر
...
-
الشعب الألماني ولعنة النازية
-
التحالف الإقليمي الجديد (التركي – السعودي – الباكستاني): أوه
...
-
اتفاق سعودي فرنسي بـ6 مليارات يورو لإنشاء 3 متنزهات قرب باري
...
-
كندا تعلن فرضها رسوما جمركية جوابية ضد الولايات المتحدة
-
وزير العدل السوري: إزالة سوريا من قوائم الدول الراعية للإرها
...
-
رئيس الوزراء البريطاني سيزور نيويورك لحث ترامب على منح أوكرا
...
-
أمريكا تستعد لإلغاء 200 ألف تأشيرة.. من المستهدف وهل يعني ذل
...
-
من الاحتجاز إلى التعذيب.. ممارسات إدارة الهجرة الأميركية تحت
...
-
منظومة قيس سعيّد الشعبوية بين حاضرها المأزوم ومستقبلها المجه
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|