أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الناصر بن رمضان - في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا














المزيد.....

في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا


الناصر بن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


الشاعر الثورة الذي حوّل القصيدة إلى سلاح في وجه الإمبريالية والفاشية :

في الثاني عشر من جويلية 1904، وُلد في مدينة بارّال بجنوب تشيلي الطفل ريكاردو إلييسير نفتالي رييس باسوالتو، الذي سيعرفه العالم لاحقًا باسم بابلو نيرودا، أحد أعظم شعراء القرن العشرين، وأحد أبرز النماذج التي جسدت وحدة الإبداع الفني والنضال السياسي. لم يكن نيرودا شاعرًا يكتب من برج عاجي، بل كان مثقفًا عضويًا انحاز إلى الطبقة العاملة والفلاحين والمقهورين، وجعل من الشعر جزءًا من معركة التحرر ضد الرأسمالية والإمبريالية والفاشية.
نشأ نيرودا في أسرة متواضعة وكان والده عاملًا في السكك الحديدية، وتوفيت والدته، وهي معلمة، بعد أسابيع قليلة من ولادته. ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة تيموكو، حيث عاش وسط الغابات والطبيعة الساحرة التي ستترك أثرًا عميقًا في شعره، لكنها لم تحجبه عن رؤية الفقر والاستغلال اللذين كانت تعيشهما الجماهير الشعبية في تشيلي. بدأ كتابة الشعر في سن مبكرة واتخذ اسم "بابلو نيرودا" اسمًا أدبيًا هربًا من رفض والده لميله إلى الأدب، قبل أن يصبح هذا الاسم رمزًا عالميًا للشعر المقاوم.
لم يكتف نيرودا بالإبداع الأدبي، بل انخرط مبكرًا في الحياة السياسية فعمل دبلوماسيًا في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. وكانت الحرب الأهلية الإسبانية نقطة تحول كبرى في حياته؛ إذ هزّه اغتيال صديقه الشاعر فيديريكو غارسيا لوركا على يد الفاشيين، فانحاز بصورة نهائية إلى معسكر الجمهورية ومناهضة الفاشية، وكتب قصائده الشهيرة دفاعًا عن الشعب الإسباني، وأصبح مقتنعًا بأن الكلمة لا يمكن أن تكون محايدة أمام الجريمة.
وفي تشيلي، انضم إلى الحزب الشيوعي، وانتُخب عضوًا في مجلس الشيوخ، ودافع عن حقوق العمال وعمال المناجم والفلاحين، فتعرض للملاحقة واضطر إلى الاختفاء القسرية والسرية ثم المنفى. وخلال سنوات المنفى جاب العالم، وربطته علاقات وثيقة بالحركات الثورية والتقدمية، وظل صوته حاضرًا في المؤتمرات واللقاءات المناهضة للاستعمار والإمبريالية، مؤمنًا بأن قضية تشيلي جزء من قضية الإنسانية جمعاء.
تُعد أعماله الأدبية من أغنى منجزات الشعر العالمي. ففي "عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة" بلغ ذروة التعبير الإنساني عن الحب، وفي "إقامة على الأرض" عبّر عن قلق الإنسان الحديث، أما رائعته "النشيد العام" فقد أصبحت ملحمة شعرية لتاريخ أمريكا اللاتينية، احتفى فيها بالشعوب الأصلية والعمال والثوار، وفضح الاستغلال الاستعماري ونهب الثروات. كما كتب "أغاني أولية" و**"مائة سوناتة حب"** و**"مذكرات إيسلا نيغرا"** و**"كتاب الأسئلة"** وغيرها من الأعمال التي تُرجمت إلى عشرات اللغات، ونال من خلالها جائزة نوبل للآداب سنة 1971.
تكمن عظمة نيرودا في أنه برهن عمليًا أن الفن العظيم لا ينفصل عن هموم الإنسان. فقصيدته لم تكن منشورًا سياسيًا مباشرًا، لكنها أيضًا لم تكن حذلقة لغوية أو ترفًا جماليًا منفصلًا عن الواقع. لقد جمع بين الصورة الشعرية الرفيعة والانحياز الواضح إلى المظلومين، فكانت الواقعية في شعره رؤيةً للتاريخ والإنسان، وليست مجرد وصف للواقع. ومن هنا تأتي قيمته بالنسبة للفكر الماركسي؛ إذ يجسد مفهوم المثقف العضوي الذي لا يكتفي بتفسير العالم، بل يسهم في تغييره، ويجعل من الثقافة جزءًا من الصراع الاجتماعي.
ولهذا تمثل تجربة نيرودا ردًا عمليًا على نظريات "الفن للفن" و"الشعر للشعر" التي تزعم أن الإبداع يقف فوق الصراع الطبقي. فلا وجود لفن محايد في مجتمع منقسم إلى طبقات؛ فإما أن يكون الفن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في خدمة قوى التحرر، وإما أن يصبح، بوعي أو من دونه، جزءًا من الثقافة السائدة التي تبرر الاستغلال. وقد أثبت نيرودا أن الالتزام لا ينتقص من القيمة الجمالية للعمل الأدبي ولا يحد من حرية الشاعر ، بل يمنحه عمقًا تاريخيًا وإنسانيًا يجعله خالدًا.
في الحادي عشر من سبتمبر 1973 أطاح الانقلاب العسكري الفاشي، المدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بحكومة الرئيس الاشتراكي سلفادور الليندي. وبعد اثني عشر يومًا فقط، في 23 سبتمبر، توفي بابلو نيرودا بينما كانت تشيلي تغرق في بحر من الاعتقالات والتعذيب والاغتيالات. وقد أعلنت السلطات آنذاك أن وفاته كانت نتيجة مرض السرطان، إلا أن شهادات لاحقة وفتح تحقيقات قضائية أثارت احتمال تعرضه للتسميم داخل المستشفى، وهو ما جعل ظروف وفاته موضع جدل تاريخي وقضائي مستمر حتى اليوم. ومهما تكن الحقيقة النهائية، فإن المؤكد أن الفاشية سعت إلى إسكات أحد أعظم أصوات الحرية في أمريكا اللاتينية.
واليوم بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، ما يزال بابلو نيرودا حيًا في ضمير الشعوب. فقصائده تُقرأ في ساحات النضال كما تُقرأ في الجامعات، لأنه أثبت أن الكلمة قد تتحول إلى بندقية في يد شاعر، وأن الثقافة الملتزمة هي إحدى ساحات الصراع من أجل الحرية والعدالة والاشتراكية.
لذلك لايمكن الحديث عن بابلو نيرودا بمعزل عن السلسلة الذهبية من المثقفين العضويين الذين انحازوا الى قضايا شعوبهم من أنطونيو قرامشي الذي ظل مرجعا لدور المثقف العضوي المرتبط بالطبقات الشعبية ، الى برتولت بريشت الذي حول المسرح الى أداة للوعي والنقد ، الى ناظم حكمت صوت العمال والفلاحين ، وصولا إلى كوكبة شعراء الثورة الفلسطينية ..وغيرهم كثيرون في بلدانهم وفي العالم.
لقد أثبت هؤلاء جميعا أن الإبداع الفني الحقيقي لا يولد خارج التاريخ ولا فوق الصراع الطبقي والوطني ، كما أن الجمال الفني يزداد إشراقا عندما يقترن بالحقيقة والحرية .
هكذا كان نيرودا ينظر إلى الشعر ويمارسه ، وهكذا ظلت القصيدة معه بيتا للجمال ومنبرا للثورة وذاكرة للشعوب وسلاحا في وجه الفاشية والإمبريالية وكل أشكال الإضطهاد . لذلك ظل إسمه خالدا لا بأعتباره شاعرا أمميا فحسب، بل باعتباره مناضلا ميدانيا أمميا آمن أن الكلمة حين تنحاز إلى القضايا الإنسانية العادلة تتحول إلى قوة مادية تصنع التاريخ.



#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس
- الفيفا : من هيئة رياضية إلى جهاز للرأسمالية المعولمة
- أي دولة هذه التي تفشل حتى في توفير الماء الصالح للشراب؟
- الرياضة بين الإنسان والسلعة : هل من بديل لهيمنة السوق؟
- ثالوث الفقر والبطالة والحرب
- التضامن مع إضراب موظفي البنوك دفاع عن الحق النقابي
- الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
- سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش ...
- مافيا سوق السيارات وبرلمان الدمى يسيجان قانون سيارة العائلة
- السلطة الشعبوية والتحركات الإحتجاجية
- أي أفق لأزمة البيروقراطية النقابية؟
- في تلازم حرية الطبقة العاملة مع حرية المرأة
- إنتفاضة 3 جانفي 1984 .مجرى الأحداث
- خطر الشعبوية على العمل النقابي
- بعض أوجه القصور في عمل اليسار النقابي بالاتحاد العام التونسي ...
- بعض أوجه القصور في عمل اليسار النقابي بالاتحاد العام التونسي ...
- في تمثيلية النقابات
- جدلية النقابي والسياسي
- موقع الإستقلالية من أزمة الإتحاد العام التونسي للشغل
- جدلية الموقف والموقع في النقابات


المزيد.....




- ليلى علوي تكشف إمكانية دخول نجلها الوسط الفني
- وزارة الثقافة تكلف الفنانة هند كامل مستشارة للشؤون الثقافية ...
- الرسام والشاعر موسى الخافور.. حين ينطق اللون شعراً
- في ذكرى رحيلها منتدى المسرح يؤبن الفنانة إقبال نعيم
- -يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
- الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا ...
- معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق ...
- المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع ...
- الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل ...
- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الناصر بن رمضان - في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا