أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر بن رمضان - أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس














المزيد.....

أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس


الناصر بن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس :

لا تقف أزمة الصحة في تونس عند حدود تدني أجور المضمونين الإجتماعيين وارتفاع كلفة العلاج ، بل تمتد إلى فشل منظومة التغطية الاجتماعية ذاتها في أداء وظيفتها الأساسية، أي حماية المواطنين من المخاطر الصحية. فقد تحولت نفقات الدواء إلى عبء ثقيل تتحمله الأسر المفقرة مباشرة من جيوبها المهترئة ، رغم اقتطاع مساهمات شهرية مرتفعة لفائدة منظومة التأمين على المرض. وتشير عديد الدراسات إلى أن الإنفاق المباشر للأسر على الصحة يمثل نحو 39% من إجمالي الإنفاق الصحي في تونس، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بما يفترضه نظام تغطية اجتماعية فعال. كما أن الأدوية وحدها تستحوذ على حوالي 59% من الإنفاق الصحي المباشر للأسر، الأمر الذي يجعل اقتناء الدواء أهم أسباب الإستنزاف المالي للعائلات، وخاصة الفئات الفقيرة وأصحاب الأمراض المزمنة.

وتزداد خطورة الوضع عندما تفرغ رفوف عديد الصيدليات ويصبح الدواء نفسه سلعة نادرة. فقد أدت أزمة السيولة التي تعيشها الصيدلية المركزية- بسبب تراكم ديون المؤسسات العمومية والصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام) - إلى اضطراب في التزود بالأدوية الأساسية واختفاء عدد من أصنافها ، مما أجبر المرضى على قبول بدائل جنيسة أو البحث عن الدواء خارج البلاد أو تأجيل العلاج، وهو ما يضرب الحق في الصحة غير القابل للمساومة والتفريط . وقد بلغت مستحقات الصيدلية المركزية لدى الكنام والمستشفيات العمومية حوالي 1.1 مليار دينار وفق تصريحات مسؤوليها سنة 2024 ولا شك أن هذه الديون قد تفاقمت أكثر . ويعكس هذا الرقم بطبيعة الحال عمق الأزمة المالية التي تضرب سلسلة التزويد الدوائي بأكملها.

أما نظام استرجاع المصاريف - الذي يفترض أن يكون آلية من آليات العدالة والتضامن الاجتماعي - فقد فقد جزءاً كبيراً من نجاعته نتيجة التأخير المزمن في خلاص مستحقات الصيدليات ومقدمي الخدمات الصحية. ففي جانفي 2026 أعلن ممثلو الصيدليات الخاصة أن ديون الكنام تجاههم تجاوزت 200 مليون دينار، مع تأخر في الدفع بلغ حوالي 185 يوماً، وهو ما انعكس مباشرة على تزويد المرضى بالأدوية واستمرارية العمل بنظام الدفع من قبل الغير.

ولا تقتصر المشكلة على الاختلالات المالية، بل تكشف أيضاً أزمة حوكمة وإدارة باتت مستفحلة . فالدولة - في ظل الحكومات الشعبوية كما في ظل الحكومات الرجعية التي سبقتها - أصبحت تلتجأ بشكل دوري إلى ضخ مئات الملايين من الدنانير لتسوية جزء من الديون المتراكمة؛ ففي سنة 2024 أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن تسديد 382.8 مليون دينار لفائدة المستشفيات والصيدلية المركزية والصيدليات ومختلف مزودي الخدمات، غير أن هذه التدخلات بقيت حلولاً ظرفية لم تعالج الأسباب البنيوية للأزمة، وفي مقدمتها العجز المالي المزمن، وغياب الحوكمة، و الإصلاح الهيكلي لمنظومة التأمين على المرض.

إن هذه المؤشرات لا تعكس مجرد صعوبات تقنية أو مالية قابلة للمعالجة ، بل تكشف تراجعاً في الوظيفة الاجتماعية للدولة. فعندما يصبح المضمون الإجتماعي مضطراً إلى شراء دوائه بالتقسيط، أو إلى الانتظار أشهراً لاسترجاع مصاريفه، أو إلى البحث عن دواء مفقود، فإن مبدأ التضامن الاجتماعي يفقد مضمونه العملي، وتتحول التغطية الصحية إلى حق شكلي لا يوفر الحماية الفعلية. ومن منظور سياسي واقتصادي، لا يمكن تفسير هذه الأزمة بمعزل عن السياسات العمومية التي تنتهجها المنظومة الشعبوية، تحت عنوان التقشف المالي وإكراهات التوازنات الاقتصادية، وتقليص الإنفاق الاجتماعي في إتجاه الخوصصة التدريجية فالشاملة، بما يجعل كلفة المرض تنتقل شيئاً فشيئاً من الدولة وصناديق الضمان الاجتماعي إلى كاهل الأسر الشعبية والفقيرة.



#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفيفا : من هيئة رياضية إلى جهاز للرأسمالية المعولمة
- أي دولة هذه التي تفشل حتى في توفير الماء الصالح للشراب؟
- الرياضة بين الإنسان والسلعة : هل من بديل لهيمنة السوق؟
- ثالوث الفقر والبطالة والحرب
- التضامن مع إضراب موظفي البنوك دفاع عن الحق النقابي
- الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
- سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش ...
- مافيا سوق السيارات وبرلمان الدمى يسيجان قانون سيارة العائلة
- السلطة الشعبوية والتحركات الإحتجاجية
- أي أفق لأزمة البيروقراطية النقابية؟
- في تلازم حرية الطبقة العاملة مع حرية المرأة
- إنتفاضة 3 جانفي 1984 .مجرى الأحداث
- خطر الشعبوية على العمل النقابي
- بعض أوجه القصور في عمل اليسار النقابي بالاتحاد العام التونسي ...
- بعض أوجه القصور في عمل اليسار النقابي بالاتحاد العام التونسي ...
- في تمثيلية النقابات
- جدلية النقابي والسياسي
- موقع الإستقلالية من أزمة الإتحاد العام التونسي للشغل
- جدلية الموقف والموقع في النقابات
- بوادر النهوض الجديد


المزيد.....




- ألعاب نارية تصيب طائرة ركاب خلال هبوطها بأمريكا.. وتحقيق جار ...
- مسؤول إيراني بارز: تنفيذ الاتفاق مع أمريكا صعب لكنه ممكن
- البريطانيون يرسلون ناقلات نفط لاعتراض السفن الحربية الروسية ...
- حريق غابات شرقي إسبانيا يجبر مئات السكان على الفرار
- حمامات جليدية وساونا وغرف نقص الأكسجين: داخل روتين إرلينغ ها ...
- الجزائر تنضم إلى المهمة الإفريقية لإرساء السلام في جنوب السو ...
- غضب إسرائيلي بعد رفض معاقبة حسام حسن
- سوريا.. توغل قوة إسرائيلية في محيط قرية صيدا الجولان بمحافظة ...
- ما الحد الأقصى لعمر الإنسان؟.. عالم روسي يجيب
- أول اختبار لـ-التاكسي الطائر- مع راكب في روسيا (فيديو)


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر بن رمضان - أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس