|
|
هل نستطيع تحقيق التعايش السلمي.. سوريا
شكري شيخاني
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 14:24
المحور:
المجتمع المدني
التعايش السلمي في مجتمع متعدد المكونات
التنوع قوة لا انقسام سيكون الحديث عن موضوع لا يخص مكوناً دون آخر، ولا حزباً دون آخر، بل يخصنا جميعاً: كيف نحافظ على مدينتنا مكاناً آمناً يتسع للجميع، وكيف نحول التنوع الموجود بيننا من مصدر للقلق إلى مصدر للقوة؟
إن أول حقيقة ينبغي أن نعترف بها هي أن هذه المدينة ليست ملكاً لمكون واحد. هي ملك لكل من عاش فيها، وعمل فيها، وبنى بيتاً فيها، ودفن فيها والديه وأجداده، وحلم بأن يعيش أبناؤه فيها بأمان وكرامة.
الكردي له مكانه، والعربي له مكانه، والسرياني والآشوري لهما مكانهما، والأرمني له مكانه، وكل إنسان فيها له الحق نفسه في الأمن والكرامة والاحترام.
نحن مختلفون، نعم، ولكن اختلافنا لا يعني أننا أعداء.
فالاختلاف في اللغة والثقافة والعادات والتقاليد والدين والانتماء القومي لا ينبغي أن يتحول إلى خوف متبادل أو كراهية متبادلة.
أولاً: ما معنى التعايش السلمي؟
التعايش السلمي ليس أن نطلب من الآخر أن يتخلى عن هويته حتى نقبله.
التعايش الحقيقي يعني أن أقول لجاري:
أنت مختلف عني، وأنا أحترم اختلافك. أنت تحافظ على لغتك وثقافتك، وأنا أحافظ على لغتي وثقافتي. ولكننا نتفق على شيء أهم: أننا أبناء مدينة واحدة، وأن أمنك وكرامتك من أمننا وكرامتنا.
التعايش لا يعني إلغاء الهويات، بل يعني تنظيم العلاقة بينها على أساس الاحترام والمساواة.
ثانياً: لا يمكن بناء السلام من دون عدالة
لا يكفي أن نقول للناس: "تعايشوا".
علينا أن نسأل: هل يشعر الجميع بأنهم متساوون؟
هل يحصل الجميع على فرص متساوية؟ هل يشعر كل مكون أن لغته وثقافته وذاكرته محترمة؟ هل يستطيع الإنسان أن يمارس شعائره ويحافظ على ثقافته من دون خوف؟ هل يستطيع الشاب الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني أن يحلم بالمستقبل نفسه؟
إذا أردنا سلاماً حقيقياً، فعلينا أن نبني المساواة في الحقوق والواجبات.
فالسلام الذي يقوم على شعور فئة بأنها مظلومة، أو شعور فئة أخرى بأنها مهددة، لن يكون سلاماً مستداماً.
ثالثاً: أخطر ما يهدد المجتمع المتعدد هو خطاب الكراهية
أحياناً لا تبدأ الفتنة برصاصة.
قد تبدأ بكلمة.
بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي. بإشاعة. بإهانة لمكون بأكمله بسبب خطأ فرد. بتعميم يقول: "هؤلاء كلهم كذا"، أو "هؤلاء لا يمكن الوثوق بهم".
وهنا علينا أن نتوقف.
لا يجوز أن نحاسب جماعة كاملة على فعل فرد، ولا أن نحمل مكوناً بأكمله مسؤولية جريمة ارتكبها شخص ينتمي إليه.
المجرم يتحمل مسؤولية جريمته، وليس قومه أو طائفته أو دينه.
وهذه قاعدة أساسية إذا أردنا أن نحمي مدينتنا من الفتنة.
رابعاً: علينا أن نعرف بعضنا بعضاً
كثير من مشكلاتنا تبدأ من الجهل بالآخر.
قد يعيش الكردي بجانب العربي سنوات طويلة، دون أن يعرف شيئاً حقيقياً عن ثقافته. وقد يعيش العربي بجانب السرياني أو الآشوري أو الأرمني دون أن يعرف تاريخ هذا المكون وتضحياته وخصوصيته.
لذلك، علينا أن ننتقل من مجرد العيش إلى جانب بعضنا إلى العيش مع بعضنا.
أن نحتفل معاً. أن نشارك في المناسبات الاجتماعية والوطنية. أن نزور بعضنا. أن يتعلم أطفالنا عن ثقافات بعضهم بعضاً. وأن نربي أبناءنا على أن الاختلاف ليس شيئاً مخيفاً.
خامساً: الشباب هم خط الدفاع الأول عن السلم الأهلي
إذا أردنا أن نحمي المستقبل، فعلينا أن نحمي الشباب من خطاب الكراهية والتطرف والتعصب.
الشاب يجب ألا يسمع فقط عن الآخر من خلال وسائل التواصل أو من خلال روايات الصراع.
يجب أن يلتقي به.
أن يجلس معه.
أن يعمل معه.
أن يلعب معه.
أن يدرس معه.
عندما يصبح الآخر بالنسبة إليك صديقاً وجاراً وزميلاً، يصبح من الصعب جداً أن تصدق الأكاذيب التي تحاول تصويره كعدو.
سادساً: دور رجال الدين وشيوخ العشائر والوجهاء والمثقفين
لدينا في مجتمعنا شخصيات لها تأثير كبير على الناس: رجال الدين، شيوخ العشائر، الوجهاء، المثقفون، المعلمون، والإعلاميون.
هؤلاء لا ينبغي أن يكون دورهم فقط التدخل بعد وقوع المشكلة.
بل يجب أن يكون دورهم منع المشكلة قبل وقوعها.
عندما تحدث حادثة فردية، علينا أن نمنعها من التحول إلى مشكلة بين مكونين.
وعندما تنتشر إشاعة، علينا أن نتحقق منها قبل أن ننقلها.
وعندما تظهر لغة تحريضية، علينا أن نواجهها بالحكمة.
سابعاً: المدينة التي نريدها
دعونا نتخيل مدينتنا بعد عشر سنوات.
نريد مدينة يستطيع فيها الطفل الكردي أن يتحدث لغته ويفتخر بثقافته، دون أن يشعر بأن ذلك ينتقص من أحد.
ويستطيع الطفل العربي أن يعتز بثقافته دون أن يشعر بأنه مطالب بالتخلي عنها.
ويستطيع السرياني والآشوري والأرمني أن يحافظوا على لغاتهم وذاكرتهم وتراثهم.
وفي الوقت نفسه، يجلس الجميع في مدرسة واحدة، وسوق واحد، وشارع واحد، ومؤسسات واحدة، ويتعاونون من أجل مستقبل مشترك.
هذه هي المدينة التي نريدها.
ثامناً: ماذا نستطيع أن نفعل عملياً؟
التعايش لا يبنى بالشعارات فقط. لذلك أقترح مجموعة خطوات بسيطة:
1. تشكيل لجان محلية للسلم الأهلي تضم ممثلين عن مختلف المكونات. 2. إقامة لقاءات دورية بين الوجهاء والشباب والمثقفين ورجال الدين. 3. إنشاء مبادرات مشتركة تخدم المدينة بعيداً عن الانتماءات القومية والسياسية. 4. مواجهة خطاب الكراهية والشائعات بسرعة ومسؤولية. 5. تشجيع المدارس والجامعات على التعريف بثقافات جميع مكونات المجتمع. 6. الاحتفاء بالمناسبات الثقافية لكل مكون باعتبارها جزءاً من التنوع العام للمدينة. 7. حل الخلافات بالحوار والقانون، وليس بالانتقام أو التحريض. 8. تعليم الأطفال منذ الصغر أن احترام الآخر ليس فضلاً نقدمه له، بل حق متبادل بين جميع الناس.
كلمة أخيرة
أيها الأخوة والأخوات،
لقد مرت منطقتنا بسنوات صعبة جداً.
رأينا الخوف والنزوح والحرب والانقسام والدمار، ورأينا كيف يمكن لكلمة تحريضية أن تشعل ناراً بين الناس.
ولهذا يجب أن نتعلم من الماضي، لا أن نبقى أسرى له.
لا نستطيع تغيير ما حدث بالأمس، لكننا نستطيع أن نقرر ماذا سيحدث غداً.
فلنجعل مدينتنا نموذجاً يقول إن الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني يستطيعون أن يعيشوا معاً، لا على أساس أن أحدهم يلغي الآخر، وإنما على أساس أن كرامة الإنسان فوق كل خلاف، وأن المواطنة تجمعنا، وأن التنوع يحمي مجتمعنا ولا يهدده.
لنقل لأبنائنا:
لا تخافوا من اختلاف الآخر.
تعرّفوا إليه.
احترموه.
واختلفوا معه إن شئتم، ولكن لا تكرهوه.
لأننا في النهاية، مهما اختلفت لغاتنا وثقافاتنا وذاكرتنا، لدينا شيء مشترك لا يستطيع أحد أن يسلبه منا:
هذه الأرض، وهذه سوريا، وهذا المستقبل الذي يجب أن نبنيه معاً.
والسلام لا يبدأ من الحكومات فقط، ولا من الأحزاب فقط، ولا من الاتفاقيات فقط.
السلام يبدأ من الإنسان. من البيت. من المدرسة. من المسجد والكنيسة. من الشارع. ومن الطريقة التي ننظر بها إلى جارنا المختلف عنا.
فلنبدأ من هنا.
ولنجعل رسالتنا واضحة:
سوريا للجميع، وكرامة الجميع مصانة، وحقوق الجميع محفوظة، ولا مستقبل لنا إلا معاً.
#شكري_شيخاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العدالة الانتقالية..بين الواقع والمأمول
-
من أجل سوريا جديدة .. هذه رؤيتنا
-
هذه رؤيتنا....رؤية التيار السوري الاصلاحي
-
شيوخ ووجهاء القبائل العربية الكرام
-
الى مثيري الفتنة والشغب في الحسكة
-
شنكال ...ومسؤولية الضمير الإنساني
-
يا وطني متى تتعب الحرب
-
التيار السوري الاصلاحي..سوريا
-
ملف الدمج1-10
-
سن اليأس 2-2
-
سن اليأس1-2
-
المرأة... من صانعة الحياة إلى شريكة الحضارة
-
ثورة 19 تموز الكردية
-
-المرأة حياة وبانية المجتمع
-
السلام كهوية وطنية من التعايش إلى بناء الدولة 1 -
-
المرأة... شريكة الحياة وبانية المجتمع
-
أزمة قيادة .. ام ازمة افكار
-
كلمات باختصار للاحزاب الكردية
-
لماذا تصر بعض الاحزاب الكردية على بقاء حالة الانقسام؟؟
-
دمشقيات ...12
المزيد.....
-
انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة تونس
-
تونس: انتشال 11 جثة لمهاجرين غرق زورقهم قبالة السواحل الجنوب
...
-
تايم: من ينقذ الأمم المتحدة؟
-
ألمانيا وإيطاليا.. خلاف متصاعد بشأن استقبال المهاجرين
-
استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة
...
-
ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا
...
-
ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
-
مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع
...
-
الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية
...
-
منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|