أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - شكري شيخاني - العدالة الانتقالية..بين الواقع والمأمول














المزيد.....

العدالة الانتقالية..بين الواقع والمأمول


شكري شيخاني

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 16:32
المحور: المجتمع المدني
    


العدالة الانتقالية بين الواقع والمأمول تعني ببساطة: كيف ينتقل المجتمع الذي عاش حربًا أو استبدادًا أو مجازر وانتهاكات واسعة من مرحلة الألم والانقسام والانتقام إلى مرحلة العدالة والمصالحة وبناء الدولة.
والعبارة نفسها تحمل مفارقة مهمة: الواقع شيء، والمأمول شيء آخر.
أولًا: ما هي العدالة الانتقالية؟
العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمة أشخاص، وليست عملية انتقام من طرف لصالح طرف آخر. العدالة الانتقالية هي منظومة من الإجراءات تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات، ومن أهم عناصرها:
كشف الحقيقة: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ ومن هم الضحايا؟
المحاسبة: محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق القانون.
جبر الضرر: تعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم، قدر الإمكان.
إصلاح المؤسسات: ضمان ألا تعود الأجهزة والمؤسسات التي ارتكبت الانتهاكات إلى ممارسة الأساليب نفسها.
حفظ الذاكرة: الاعتراف بما جرى وعدم طمسه أو تزويره.
المصالحة: إعادة بناء الثقة بين المكونات والمواطنين والدولة.
ثانيًا: أين تكمن المشكلة في الواقع؟
الواقع غالبًا أكثر تعقيدًا من المبادئ النظرية.
في مجتمع مثل سوريا، مثلًا، نحن أمام سنوات طويلة من الصراع والانتهاكات والنزوح والقتل والاعتقال والتهجير والتدمير، فضلًا عن تعدد الأطراف والضحايا والمناطق والمكونات.
لذلك فإن تطبيق العدالة الانتقالية قد يصطدم بأسئلة صعبة:
من يحاكم من؟
وماذا نفعل عندما يكون الشخص المسؤول عن انتهاك ما جزءًا من السلطة أو المؤسسة التي يُفترض أن تطبق العدالة؟
هل نحاسب الجميع بالطريقة نفسها؟
العدالة لا تعني بالضرورة مساواة ميكانيكية بين كل الأطراف، وإنما يجب تحديد المسؤولية على أساس الأدلة وحجم الجريمة ودور الشخص فيها.

هل يمكن تحقيق المصالحة دون حقيقة؟
هنا تكمن إحدى أخطر المشكلات. لا يمكن أن نقول للضحايا: "انسوا ما حدث من أجل المصالحة". فالمصالحة التي تقوم على النسيان القسري قد تتحول إلى هدنة مؤقتة، لا إلى سلام حقيقي.

ثالثًا: ما المأمول؟
المأمول هو أن تصبح العدالة الانتقالية جسرًا بين الماضي والمستقبل.
أي ألا يكون الهدف هو إعادة إنتاج الصراع بصورة قانونية، وإنما بناء قاعدة جديدة تقول:
لا أحد فوق القانون، ولا جماعة تتحمل ذنب جماعة أخرى، ولا ضحية يجب أن تتنازل عن حقها في الحقيقة من أجل أن يعيش الآخرون بسلام.
وهنا تصبح العدالة الانتقالية مهمة جدًا في مجتمع متعدد القوميات والمكونات، مثل المجتمع السوري الذي يضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم.
فالعدالة الانتقالية الناجحة يجب ألا تكون عدالة قومية أو طائفية أو حزبية، بل عدالة للمواطن والإنسان.


رابعًا: التوازن الدقيق بين العدالة والمصالحة
هناك خطآن يمكن الوقوع فيهما:
الخطأ الأول: الانتقام باسم العدالة.
وهذا قد يفتح دورة جديدة من العنف.
الخطأ الثاني: العفو الشامل باسم المصالحة.
وهذا قد يشعر الضحايا بأن دماءهم وحقوقهم لا قيمة لها.
والحل الأفضل هو:
حقيقة → مساءلة → جبر ضرر → إصلاح مؤسسات → مصالحة.
فالمصالحة الحقيقية لا تعني أن نطلب من الضحية أن تنسى، وإنما أن نصل إلى مرحلة تستطيع فيها الضحية أن تقول: عرفنا الحقيقة، أخذ القانون مجراه، حصلنا على الاعتراف والإنصاف، ويمكننا الآن أن نبني المستقبل معًا.
وفي السياق السوري تحديدًا

أعتقد أن السؤال الأعمق ليس فقط: "كيف نحاسب من ارتكب الجرائم؟"
بل أيضًا:
كيف نبني دولة يشعر فيها الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني، والمسلم والمسيحي، وكل مواطن سوري، أن الدولة ليست ملكًا لمكون واحد، وأن القانون يحمي الجميع؟
وهنا تتحول العدالة الانتقالية من مجرد ملف قضائي إلى مشروع لإعادة بناء العقد الاجتماعي السوري.
لذلك يمكن تلخيص الفرق بين الواقع والمأمول بهذه العبارة:

الواقع يقول إن جراح الماضي ما زالت مفتوحة، والمأمول أن تتحول العدالة الانتقالية إلى وسيلة لمعالجة هذه الجراح، لا إلى أداة لفتح جراح جديدة؛ وأن يكون هدفها دولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويُحترم فيها حق الضحية، وتُصان فيها كرامة الإنسان، ويصبح الماضي درسًا للمستقبل لا وقودًا لصراع جديد.
وهذا الطرح، إذا أردته في محاضرة أو مداخلة سياسية سورية، يمكن تطويره ليصبح أكثر ارتباطًا بالتعايش السلمي بين المكونات، وبفكرة "العدالة الانتقالية من منظور الإصلاح الاجتماعي والسياسي والمجتمعي.



#شكري_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أجل سوريا جديدة .. هذه رؤيتنا
- هذه رؤيتنا....رؤية التيار السوري الاصلاحي
- شيوخ ووجهاء القبائل العربية الكرام
- الى مثيري الفتنة والشغب في الحسكة
- شنكال ...ومسؤولية الضمير الإنساني
- يا وطني متى تتعب الحرب
- التيار السوري الاصلاحي..سوريا
- ملف الدمج1-10
- سن اليأس 2-2
- سن اليأس1-2
- المرأة... من صانعة الحياة إلى شريكة الحضارة
- ثورة 19 تموز الكردية
- -المرأة حياة وبانية المجتمع
- السلام كهوية وطنية من التعايش إلى بناء الدولة 1 -
- المرأة... شريكة الحياة وبانية المجتمع
- أزمة قيادة .. ام ازمة افكار
- كلمات باختصار للاحزاب الكردية
- لماذا تصر بعض الاحزاب الكردية على بقاء حالة الانقسام؟؟
- دمشقيات ...12
- متى تسمعني وأسمعك؟؟؟


المزيد.....




- استشهاد طفل في نابلس وتصاعد حملات الاعتقال والاستيطان بالضفة ...
- ليبيا.. تنفيذ أحكام بالإعدام بحق 10 مدانين في قضايا إرهاب وا ...
- ليبيا: إعدام 10 مدانين بقضايا إرهاب واغتيالات
- مقارنه حول مفهوم اليوم الاخر من منظور العقيده الاسلاميه والع ...
- الاحتلال يمدد اعتقال طبيبة فلسطينية رغم إصابتها بأزمة قلبية ...
- منع اللاجئين من توكيل المحامين يحرمهم من الحماية والخدمات ال ...
- لبنان.. اعتقال -دكتور فود- بعد ساعات من احتفال -شروق صن شاين ...
- الأمم المتحدة تحذر من عودة الفظائع إلى جنوب السودان قبيل الا ...
- -ثقب أسود- على الحدود.. مخاوف من توسع صلاحيات الجيش الأمريكي ...
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات واعتقالات وبؤرة استيطانية جديدة ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - شكري شيخاني - العدالة الانتقالية..بين الواقع والمأمول