|
|
ما بعد النهاية... جدلية الغياب واستمرار العلاقة .. قراءة نقدية في قصة -إلى النهاية- لهدير الهنداوى
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 02:49
المحور:
الادب والفن
﷽ المقدمة يُعد الفقد من أكثر التجارب الإنسانية حضورًا في الإبداع الأدبي، غير أن القيمة الفنية لأي عمل لا تتحدد بموضوعه وحده، بل بالطريقة التي يعيد بها اكتشاف هذا الموضوع ويمنحه أبعادًا جديدة تتجاوز المألوف. فكثير من النصوص تناولت الموت بوصفه نهاية للحياة، بينما اختارت نصوص أخرى التركيز على أثره فيمن بقوا بعده، حيث يصبح الغياب مدخلاً لأسئلة أعمق حول الذاكرة والزمن والعلاقة بالآخر. وتنتمي قصة “إلى النهاية” للكاتبة هدير الهنداوي إلى هذا الأفق. فهدير الهنداوي، ممثلة مسرح وسينما مستقلة وكاتبة قصة قصيرة تخرجت من كلية الآداب بجامعة الإسكندرية عام 2010، تمزج في كتاباتها بين خبرتها الجسدية في التمثيل والتدفق الوجداني للذاكرة، كما ظهر في مجموعتها القصصية “مبرد أظافر” ومشاركاتها الأخرى. تنطلق القصة من واقعة تبدو مألوفة (زيارة امرأة لقبر شخص عزيز عليها) غير أن السرد يتجاوز الحدث الخارجي ليبني عالمًا تتداخل فيه الحركة بالتدفق الداخلي، والذاكرة بالحاضر، والواقع بالرمز. ومن خلال هذا البناء الهادئ، يفتح النص أبوابًا متعددة للقراءة دون أن يفرض معنى واحدًا. وانطلاقًا من ذلك، تعتمد هذه الدراسة[1] منهجًا نقديًا تحليليًا–تأويليًا متعدد المداخل (بنيوي، دلالي، سوسيولوجي–جمالي، نفسي)، يجعل النص مركزًا للقراءة. لا تنطلق هذه القراءة من فرضية مسبقة، بل من إشكالية يفرضها النص نفسه: هل يقف النص عند حدود تصوير تجربة الفقد كانفعال إنساني، أم يجعل من الغياب مدخلاً لإعادة مساءلة العلاقة الإنسانية والذات ومعنى الاستمرار بعد انقطاع الحضور؟ والإجابة عن هذه الإشكالية هي ما ستسعى الدراسة إلى استخلاصه، لتتبلور في خاتمتها فرضية نقدية تستند إلى ما يكشفه النص ذاته. قراءة في العتبات النصية العنوان: “إلى النهاية” يمثل العنوان العتبة النصية الوحيدة المتاحة أمام القارئ، ومن ثم فهو يشكل أفق التوقع الأول الذي يوجه عملية التلقي. اختارت الكاتبة عنوانًا بالغ الإيجاز، مكونًا من جار ومجرور (“إلى”) واسم معرف (“النهاية”). هذه الصياغة لا تقدم معلومة بقدر ما تفتح أفقًا من الأسئلة. فالجار “إلى” يفيد الحركة والاتجاه والغاية، ويشي بأن النص لن يتمحور حول حالة ثابتة، بل حول رحلة أو مسار ينتهي عند نقطة بعينها. أما “النهاية” فقد جاءت معرفة بـ”أل” التعريف، كأنها نهاية محددة ومعروفة، مما يضفي عليها طابع الحتمية. ومع ذلك، يخلو العنوان من أي تحديد لطبيعة هذه النهاية؛ فلا يصرح إن كانت نهاية حياة، أو علاقة، أو مرحلة نفسية. هذا الغموض المتعمد يجعل العنوان مفتوحًا على احتمالات متعددة، ويؤجل حسم دلالته إلى حين استكمال القراءة. من الناحية البنائية، لا يوجه العنوان القارئ إلى شخصية أو مكان أو حدث محدد، وإنما يركز الانتباه على فكرة الحركة نحو خاتمة ما. وبالتالي، يدخل القارئ النص وهو يتوقع مسارًا سرديًا يقود إلى لحظة فاصلة، دون أن يمتلك منذ البداية ما يكفي لتحديد طبيعتها. يعود المعنى النهائي للعنوان إلى الظهور الكامل فقط بعد استكمال تحليل المتن السردي، حيث يمكن إعادة تأويله في ضوء الرؤية الكلية للنص. معمار الرحلة... كيف شيدت الكاتبة عالمها السردي؟ يُعد الوقوف على البنية السردية الخطوة الأولى في مقاربة النص؛ إذ يكشف عن الكيفية التي شُيّد بها العمل القصصي قبل الانتقال إلى تأويل دلالاته. ومن ثم، ينصرف هذا المدخل إلى وصف آليات البناء، وتنظيم الحدث، وإيقاع السرد، والعلاقات بين عناصره. البنية العامة للنص تقوم قصة “إلى النهاية” على حدث خارجي محدود زمنيًا وحركيًا: تغادر البطلة منزلها، تستقل سيارتها، تصل إلى المقبرة، تقف عند لحد شخص عزيز، ثم تنتهي القصة بنهاية مفتوحة. ورغم بساطة هذا الخط السردي، تنجح الكاتبة في تجاوز ضيق الحدث الخارجي إلى اتساع التجربة الشعورية الداخلية. ينتظم السرد في تسلسل زمني شبه خطي، مع تدخل ومضات استرجاعية قصيرة ومنسجمة. ويمكن تمييز أربع وحدات سردية رئيسية: وحدة الاستعداد والانطلاق: تبدأ بوصف دقيق للبطلة: “مرتديةً ثوبها الأخضر الداكن، يزين خصرها حزام جلدي وردي اللون... ذخات من عطرها كانت الشرارة الأخيرة لإنطلاقها”. وحدة الانتقال: تشمل الرحلة بالسيارة والتردد العابر، حيث تقول للسائق: “بسرعة شوية ياأسطى سعد”، ثم “جال بخاطرها شيء ما، فتحت فمها لتعطيه أمراً بالعودة، ولكنها زفرت في ضيق واستسلام، وصمتت”. وحدة المواجهة والاسترجاع: القلب السردي للنص، حيث يتراجع الحدث الخارجي لصالح الذاكرة والحوار الداخلي. وحدة الخاتمة: تعود الحركة إلى الحاضر بجملة موجزة مفتوحة: “مازال أمامنا بعض الوقت، ولكنني لن أتأخر”. الزمن والمكان والإيقاع يظل الزمن الواقعي للأحداث قصيرًا، بينما يمتد الزمن النفسي عبر سنوات تستدعيها الذاكرة في لحظات خاطفة. أما المكان فيتوزع بين المنزل (نقطة انطلاق)، والطريق (انتقالي)، والمقبرة التي تستأثر بالمساحة الأكبر، وتتفرع داخلها عناصر مثل “الشجرة”، و”اللحد القابع يمين الشجرة، والذي التحم مع جذرها فبدا وكأنه قد نما معها”، والقصر الأبيض، والنافورة. يتدرج الإيقاع بين السرعة في المقاطع الانتقالية والبطء المتعمد عند اللحظات المفصلية (الوقوف عند اللحد والاسترجاعات)، مما يمنح النص توازنًا إيقاعيًا ملحوظًا. الشخصيات تتمحور القصة حول شخصية مركزية واحدة تستأثر بالفعل السردي، بينما تبقى الشخصيات الأخرى (السائق، الغائب، والأصوات الداخلية مثل: “ولم قد أقوم أنا بمهمة كتلك؟... إنه حتى لم يذكرني في وصيته!”) هامشية. هذا التركيز يعزز التماسك البنائي. تقييم بنيوي تتسم البنية السردية باقتصاد واضح في الحدث، وإحكام في توزيع الوحدات، ووعي بإدارة الإيقاع. كما تحقق وحدة المكان والحدث والشخصية. ورغم العناية الواضحة بالتفاصيل الوصفية في المطلع، فإنها تؤدي وظيفة تمهيدية مهمة تخدم التوازن العام. بهذا ينهض البناء السردي بوظيفته الأساسية: تنظيم المادة الحكائية وإعداد الأرضية للقراءات الدلالية والنفسية والاجتماعية اللاحقة. حين تتكلم الأشياء... شبكة الرموز والدلالات إذا كان البناء السردي قد كشف كيف شيدت الكاتبة عالمها القصصي، فإن هذا العالم لا يكتمل بمجرد تعاقب الأحداث، بل بما يفيض به من علامات وإشارات تتجاوز معناها المباشر. يعتمد النص على كثافة الدلالة أكثر من كثافة الحدث؛ إذ تتحول الأشياء إلى لغة موازية، وتتولى التفاصيل الصغيرة مهمة الإفصاح عما تعجز الشخصيات عن التصريح به. أناقة البداية... ومفارقة المصير تستهل الكاتبة قصتها بوصف دقيق لهيئة البطلة: “مرتديةً ثوبها الأخضر الداكن، يزين خصرها حزام جلدي وردي اللون وحذاء باللون نفسه... ذخات من عطرها كانت الشرارة الأخيرة لإنطلاقها”. على المستوى الأولي، يبدو هذا الوصف احتفاءً بالأنوثة والجمال، لكنه يكتسب دلالة أعمق حين نكتشف أن الوجهة ليست حفلاً أو لقاءً، بل مقبرة. هنا تتولد أولى المفارقات الدلالية: تلتقي علامات الحياة بعلامات الموت في مشهد واحد. فالكاتبة لا ترسل البطلة إلى اللحد بثياب الحداد، بل بثياب تفيض بالحياة، كأنها ترفض أن تمنح الموت حقه في مصادرة الجمال. اللون بوصفه خطابًا لا تمر الألوان مرورًا عابرًا. اللون الأخضر الذي يكسو الثوب يستدعي معاني الحياة والطمأنينة والبعث في الثقافة العربية والإسلامية، بينما يضفي اللون الوردي على الحزام والحذاء مسحة من الرقة والعاطفة. هذا الاختيار الواعي يهيئ القارئ منذ البداية لفكرة أن الموت لن يكون مركز التجربة، وإنما الحب الذي ينجو من الموت. الشجرة واللحد... حين يتبادل الحي والميت الحياة من أجمل الصور وأكثرها كثافة في النص قول الكاتبة: “اللحد القابع يمين الشجرة، والذي التحم مع جذرها فبدا وكأنه قد نما معها”. هذه ليست صورة وصفية فحسب، بل صورة تؤسس لرؤية كاملة. فاللحد لا يقف إلى جوار الشجرة، وإنما يندمج مع جذرها، حتى يبدو وكأنه جزء من نموها. بهذا تلغي الصورة الحدود التقليدية بين الحياة والموت، وتستبدل فكرة الفناء بفكرة الامتداد. القصر الأبيض والنافورة... حضور الذاكرة بعد اللحد، “تطلعت نحو القصر الأبيض في حنين جارف”، ثم تنظر “في حب إلى النافورة الأنيقة”، متذكرة أداء الحبيب وهو يقول: “فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم”. يستعيد التناص مع المتنبي لحظة الحب والخجل (“دفعته حينها في خجل”). هنا يتحول المكان من مجرد خلفية إلى وعاء لذاكرة مشتركة ما زالت البطلة تسكنها رغم غياب صاحبها. ألم الكلية... الجسد يقطع استرسال الذاكرة في ذروة الاستغراق في الذكرى، “تلمست موضع ألم باغتها في الكلية اليسرى”. تبدو هذه الجملة تفصيلاً عارضًا، لكنها تؤدي وظيفة دلالية مهمة: الذاكرة كانت تتجه نحو الماضي، بينما يتدخل الجسد ليعيد البطلة إلى حاضرها. إنه تذكير بأن الإنسان، مهما غرق في الذكرى، يظل أسير جسده. هذه العلامات لا تكتمل قراءتها داخل بعدها الرمزي فقط، بل تنفتح على الإنسان الذي أنتجها وعلى العالم الاجتماعي الذي تتحرك فيه، وهو ما سنتناوله في المدخل التالي. ما وراء الحكاية... صورة المجتمع في مصير الفرد قد تبدو قصة “إلى النهاية” في ظاهرها حكاية امرأة جاءت لزيارة قبر من تحب، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الحدث الشخصي لا يتحرك في فراغ، بل يتشكل داخل شبكة من العلاقات والقيم الاجتماعية. الأصوات الداخلية ومنطق المجتمع يلفت الانتباه أن الشخص الغائب (محور الحكاية) لا يظهر من خلال سيرته أو صفاته، وإنما من خلال ردود الأفعال التي أثارها موته. وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في الأصوات التي تتردد داخل وعي البطلة: “-ولم قد أقوم أنا بمهمة كتلك؟ -لم يكن من ذويَ أيضاً لأهتم بالأمر. -فليكن، هذا شأنكما، وشأنه أيضاً. إنه حتى لم يذكرني في وصيته!” هذه الأصوات تمثل حضورًا كثيفًا لمنطق اجتماعي مألوف، تُقاس فيه المسؤوليات بميزان القرابة، وتُوزع الواجبات وفق حدود النسب أو المصلحة، حتى يغدو الموت نفسه شأنًا تنظمه العلاقات الاجتماعية قبل أن يكون تجربة إنسانية خالصة. رد البطلة وجدلية الانتماء في مواجهة هذا المنطق، لا تقدم البطلة خطابًا احتجاجيًا طويلًا، وإنما تطلق عبارتها الحاسمة: “أنا، سأدفنه مع قلبي، والدخول إلى مخدعه سيكون بالإذن.” هذه الجملة ليست مجرد تعبير عن الحزن، بل إعلان عن حق تراه البطلة أسبق من كل الاعتبارات الأخرى: حق الوفاء الذي لا تمنحه صلة الدم ولا تثبته أوراق الوصايا، وإنما تمنحه التجربة الإنسانية ذاتها. هنا يضع النص أمام القارئ صورتين متقابلتين للانتماء: انتماء تؤسسه الأعراف الاجتماعية، وانتماء تؤسسه رابطة وجدانية لا يعترف بها المجتمع دائمًا بالقدر نفسه. ولا ينحاز السرد صراحة إلى أحد الطرفين، بل يترك المفارقة تعمل في وجدان القارئ. حضور المجتمع الغائب من اللافت أن الكاتبة تتجنب تقديم المجتمع في صورة خصم مباشر. فلا نجد شخصية تمثل سلطة اجتماعية ضاغطة، ولا مواجهة معلنة. بل يتحول المجتمع إلى حضور غير مرئي يتجسد في العبارات الموروثة وفي منطق التعامل مع الموت. ويزداد هذا الوضوح حين نلاحظ أن أكثر لحظات البطلة خصوصية تقع داخل فضاء عام هو المقبرة، مكان خاضع لقواعد اجتماعية تضبط الزيارة والدفن والوصية وحقوق الأقارب. تقييم لا يعود السؤال الذي يطرحه النص: كيف تتألم البطلة؟ بل يصبح: كيف يجد الإنسان مكانه في مجتمع لا يعترف دائمًا بكل أشكال الانتماء؟ وهكذا تناقش القصة الحب ليس كعاطفة مجردة، بل كعلاقة تصطدم (بعد الموت) بالبنى الاجتماعية التي تحدد من يملك الحق في الحضور والوداع والحزن. وتكمن قوة النص في أنه لا يرفع شعارات، بل يكشف بهدوء المسافة بين ما تفرضه الأعراف وما يمليه القلب. حين يعيد الفقد تشكيل الذات... هوية تبحث عن اكتمالها لا يقدم النص البطلة بوصفها امرأة تعيش تجربة حزن عابرة، ولا يرسمها أسيرة لانفعال مؤقت فرضه الموت، وإنما يكشف عبر تفاصيل متناثرة عن ذات أعاد الفقد ترتيب ملامحها من الداخل. الاستعداد للقاء الغائب لا تبدأ الكاتبة القصة من لحظة الفقد أو الوقوف أمام اللحد، بل من لحظة إعداد الذات. فالعناية بالثوب والألوان ورفع الشعر ووضع مساحيق التجميل والعطر “الذي كان الشرارة الأخيرة لإنطلاقها” لا تبدو مجرد تفاصيل خارجية، بل تشي بأن البطلة لا تستعد لزيارة مكان، وإنما لاستعادة علاقة ما تزال حاضرة في وعيها. الزينة هنا ليست موجهة إلى الأحياء، وإنما إلى شخص غاب جسده وبقي حضوره فاعلاً في تكوينها النفسي. التردد والاستسلام يكشف التردد في الطريق عن ملمح آخر من هذه الهوية الجديدة. فهي “تهم بأن تطلب العودة، ولكنها زفرت في ضيق واستسلام، وصمتت”. ليس التردد هنا خوفًا من المكان بقدر ما هو مقاومة للحظة ستفرض عليها الاعتراف النهائي بغياب من لم تستطع الذات (حتى الآن) أن تعيد ترتيب وجودها من دونه. ولهذا يأتي الصمت بعد الزفرة أكثر تعبيرًا من أي حوار. الذاكرة والجسد عندما تصل إلى اللحد، تعيد البطلة قراءة كل ما حولها من خلال الغائب: الشجرة، الزهور، النافورة، والقصر الأبيض. وتستحضر لحظة حب حية من الماضي عبر البيت الشعري: “فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم” غير أن هذا التوازن الهش ينهار فجأة حين “تلمست موضع ألم باغتها في الكلية اليسرى”. يتدخل الجسد ليقطع استرسال الذاكرة ويعيدها إلى حاضرها. هذا الصمت حول سبب الألم (عارض أم مرض؟) مقصود، ويمنع اختزال التجربة في معنى واحد. النهاية المفتوحة تبلغ هذه الرحلة النفسية أكثر لحظاتها كثافة في الجملة الختامية: “مازال أمامنا بعض الوقت، ولكنني لن أتأخر.” هذه العبارة تستعصي على القراءة الأحادية: فهي من جهة امتداد لعلاقة لم تستطع البطلة إنهاءها بقرار الموت، ومن جهة أخرى تكشف أن زمن البطلة لم يعد زمنًا فرديًا، بل زمنًا تتقاسمه مع غائب ما زال يحتل مكانه في وعيها. تقييم لا يبدو الفقد في هذا النص حدثًا وقع وانتهى، بل بنية نفسية أعادت تنظيم إدراك البطلة لذاتها. فهي لا تعيش على ذكرى الماضي بقدر ما تعيش حاضرها في ضوء ذلك الماضي، حتى أصبح الغائب جزءًا من الطريقة التي تعرف بها نفسها. وهنا يفتح النص سؤالاً أعمق: ماذا يحدث للإنسان حين لا يغير الفقد مشاعره فقط، وإنما يعيد تشكيل صورته عن نفسه؟ بين البوح والصمت... ما الذي تركه النص للقارئ؟ ليست كل الحكايات معنية بالإجابة عن الأسئلة التي تثيرها. تنتمي قصة “إلى النهاية” إلى هذا النوع من الكتابة الذي يعتمد على الإشارة أكثر من التصريح، تاركًا للقارئ مشاركة في استكمال الصورة. غياب التسمية الصريحة من أبرز سمات النص أنه لا يمنح العلاقة التي تدور حولها القصة اسمًا واضحًا. فلا يخبرنا النص من يكون صاحب اللحد بالنسبة للبطلة: زوج، حبيب، خطيب، أم علاقة بقيت خارج الأطر الاجتماعية المعتادة؟ ومع ذلك، لا يشعر القارئ بنقص، لأن الكاتبة تستعيض عن التعريف المباشر بالأثر. فطريقة الحديث، والحنين، والاعتراض، والوفاء، جميعها تكشف عمق العلاقة دون أن تحصرها في تسمية واحدة. حضور الغائب من خلال الأثر يظل الرجل الغائب حاضرًا في النص كله من خلال ما تركه في وجدان البطلة، لا من خلال تفاصيل حياته. فلا نعرف ملامحه ولا سيرته ولا الظروف التي انتهت إليها حياته، لكنه يملأ النص. وكأن الكاتبة تعمد إلى إزاحة الشخصية من مركز الحكاية لتجعل أثرها النفسي هو البطل الحقيقي. دور الصمت والإيحاء من المواضع التي تستوقف القارئ الإشارة الخاطفة إلى “موضع ألم باغتها في الكلية اليسرى”. يذكرها السرد في جملة عابرة ثم يمضي. كان بوسع الكاتبة تفسير هذا الألم أو منحه دورًا أوضح، لكنها اختارت الصمت. هذا الصمت يأتي في لحظة يوشك فيها الوجدان أن يستغرق تمامًا في الماضي، فيفرض الجسد حضوره ويذكر البطلة (والقارئ) بأن الإنسان لا يعيش ذاكرته بمعزل عن هشاشته الجسدية. النهاية المفتوحة تبلغ تقنية “البوح والصمت” ذروتها في الجملة الأخيرة: “مازال أمامنا بعض الوقت، ولكنني لن أتأخر.” هذه العبارة لا تغلق الحكاية، بل تفتحها على احتمالات متعددة: وعد بزيارة جديدة، أو استمرار لعهد الوفاء، أو إيحاء بأن البطلة تستشعر اقتراب نهايتها هي أيضًا. هذا التعدد لا يرجع إلى غموض، بل إلى اختيار فني واعٍ يدعو القارئ إلى المشاركة في اكتشاف المعنى. تقييم في هذا التوازن بين البوح والكتمان يكمن أحد أبرز مظاهر نضج التجربة السردية لدى الكاتبة. فهي لا تستدرج القارئ بالتفسير، ولا تراهن على الغموض لذاته، وإنما تثق بأن بعض المعاني تبلغ اكتمالها عندما تتولد في ذهن المتلقي، لا عندما تُقال له صراحة. الخاتمة النقدية... حين يصبح الفقد إعادةَ تشكيلٍ للذات بدت قصة “إلى النهاية”، في قراءتها الأولى، أقرب إلى نص وجداني يرصد امرأة جاءت لزيارة قبر من تحب. غير أن التحليل المتدرج لبنيتها السردية، وشبكة رموزها، ومستوياتها النفسية والاجتماعية، كشف أن الحكاية لا تستمد مركزها من واقعة الموت، بقدر ما تستمده من أثر هذا الموت في الإنسان الذي بقي حيًا. الفرضية النقدية تنطلق الدراسة من فرضية مؤداها أن الكاتبة هدير الهنداوي لا تقدم الفقد بوصفه حادثة عاطفية تنتمي إلى الماضي، وإنما بوصفه قوة فاعلة تعيد تنظيم إدراك البطلة لذاتها، وللزمن، وللعلاقة بالآخر. فالحبيب الغائب لا يظل حاضرًا في الذاكرة وحدها، بل يصبح جزءًا أساسيًا من الطريقة التي ترى بها البطلة نفسها وتقرأ بها العالم. وبهذا ينتقل النص من رصد تجربة الحزن إلى مساءلة التحول الذي يطرأ على الهوية الإنسانية حين يصبح الغياب أحد مكوناتها. الإنجازات الفنية أسهم البناء السردي في ترسيخ هذه الرؤية من خلال الاقتصاد الواضح في الحدث، والاعتماد على الإيحاء بدلاً من الشرح المباشر. كما جاءت شبكة الرموز مندمجة في النسيج السردي دون تكلف (الثوب الأخضر الداكن، الشجرة واللحد، القصر الأبيض، ألم الكلية). وعلى المستوى الاجتماعي، نجح النص في تجاوز المباشرة بتقديم المجتمع كمنظومة قيم غير مرئية تتحكم في حدود الانتماء والوفاء. أما على المستوى النفسي، فقد تجنبت الكاتبة الانفعال الخطابي، وجعلت التحولات العميقة تنكشف عبر التفاصيل الصغيرة. قوة النهاية المفتوحة يأتي انفتاح النهاية “مازال أمامنا بعض الوقت، ولكنني لن أتأخر” ليؤكد ثقة الكاتبة بقارئها، وإيمانها بأن المعنى الأدبي لا يكتمل عند حدود ما يُكتب، بل يمتد إلى ما يستنتجه المتلقي. ومن ثم، فإن تعدد التأويلات الممكنة لا يمثل غموضًا، بل دليلاً على مرونة النص وقدرته على استيعاب أكثر من قراءة دون أن يفقد تماسكه. في الختام إذا كان عنوان القصة يعد القارئ بالوصول إلى “النهاية”، فإن متنها يؤجل هذا الوصول عمدًا. فكلما بدا السرد يقترب من الحسم، فتح بابًا جديدًا للتأويل. ولعل هذا هو أبرز ما أنجزته هدير الهنداوي في هذه القصة: لم تجعل من الغياب خاتمة للحكاية، بل جعلت منه بداية لأسئلة تستمر بعد الفراغ من قراءتها. وهكذا يغادر القارئ النص وهو يعيد النظر في معنى النهاية نفسها. المحتويات (1) هذه الدراسة النقدية تم تقديمها فى ندوة القراءات القصصية التى تم تنظيمها فى اطار أنشطة معرض مكتبة الاسكندرية الدولى للكتاب (الدورة 21) بتاريخ 13 يوليو 2026
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الأثر إلى التأويل: قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخل ف
...
-
حين تتبدل موازين القوة ... قراءة سوسيوسيكولوجية في قصة “صفعة
...
-
استعادة المعنى في زمن الخوف .. دراسة سوسيوسيكولوجية في ضوء ت
...
-
بين الرؤية والتعاطف: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “وشاح أحمر
...
-
جدلية النجاة والخلود: قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخل ف
...
-
مفارقات الوعي بين الواقع والتخييل: قراءة سوسيو–سيكولوجية في
...
-
بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة
...
-
من هندسة السرد إلى تأويل الذاكرة: قراءة سوسيو-سيكولوجية في ق
...
-
من ثقل الأختام إلى خفة الريشة: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة
...
-
جدلية الرؤية والحصار: قراءة سوسيوسيكولوجية في قصة “معركة خاس
...
-
المرآة بوصفها ذاكرة: تحولات الهوية والزمن في قصة “أنا آسف يا
...
-
وشم الصورة: تحولات الجسد والهوية من منظور سوسيو-سيكولوجي في
...
-
من السلطة الخارجية إلى الرقابة الداخلية: قراءة سوسيو–سيكولوج
...
-
الأصداف وأفق البقاء .. قراءة سوسيوسيكولوجية في قصيدة “هي أصد
...
-
جماليات التحول وإعادة تشكيل الفاجعة فى القصة القصيرة جدًا- ق
...
-
التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكا
...
-
من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو
...
-
المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ
...
-
«غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي
...
-
الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة
...
المزيد.....
-
عرض موسيقي تفاعلي عن الطفولة في مهرجان نوافير الخريف ببيترغو
...
-
هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا
...
-
رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع
...
-
منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني
...
-
مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن
...
-
RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية
...
-
الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل
...
-
مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض
...
-
أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان
...
-
-حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|