أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة علام















المزيد.....



بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة علام


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 08:12
المحور: الادب والفن
    




مقدمة
لم يعد أدب المهجر، في صورته المعاصرة، ذلك الأدب الذي يقوم على ثنائية حادة بين وطن غادره الكاتب ومهجر استقر فيه، كما تجلت ملامحه في التجارب العربية الكلاسيكية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية التي صاحبت العولمة، وسهولة التنقل، وتشابك مجالات العمل والإقامة، أنماطًا جديدة من الوجود الإنساني، أصبح فيها المهاجر يعيش بين دوائر انتماء متعددة، تتقاطع فيها الهوية مع المهنة، والأسرة مع المكان، والذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية. ومن ثم، لم تعد الهجرة تعني القطيعة مع الوطن، بقدر ما أصبحت تعني إعادة تشكيل العلاقة بالمكان والانتماء في عالم تتداخل حدوده الجغرافية والوجدانية.
وتأتي قصة “سفر” للدكتور أسامة علام بوصفها نموذجًا دالًا على هذا التحول. فالنص لا يقدم سردية تقليدية عن الغربة، ولا يجعل من الحنين إلى الوطن محورًا مباشرًا لأحداثه، بل يختار أن يروي رحلة تتكرر كل أسبوعين بين أمريكا ومونتريال، حيث تتجاور الحياة المهنية مع الحياة الأسرية، ويصبح الطريق نفسه جزءًا من الإقامة، بينما يظل الوطن الأصلي حاضرًا في خلفية الوعي، وإن غاب عن التصريح السردي.
ومن خلال هذا البناء الهادئ، ينجح الكاتب في تحويل تفاصيل يومية مألوفة إلى إشارات دالة على طبيعة الإنسان المعاصر وهو يعيد ترتيب انتماءاته بين أكثر من فضاء. وتنبع أهمية هذه القصة من أنها لا تستدعي سؤال المكان بوصفه إطارًا جغرافيًا فحسب، وإنما تطرحه بوصفه تجربة إنسانية تتشكل من العلاقات التي يقيمها الإنسان مع الآخرين، ومع الأشياء، ومع ذاكرته الخاصة.
ومع ذلك، فإن هذا النموذج الفني لا يخلو من بعض التحفظات. فقد يرى بعض القراء أن تهميش الشخصيات الثانوية (خاصة فتاة محطة الوقود)، والهدوء المفرط الذي يطبع السرد، وغياب الوطن الأصلي المباشر، يجعل التجربة تبدو أقل تعقيدًا وألماً مما هي عليه في الواقع، أو يضع النص أقرب إلى أدب “ما بعد المهجر” منه إلى أدب المهجر التقليدي. وسنحاول في هذه الدراسة أن نأخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، لا لننقص من قيمة النص، بل لنفهم كيف تشكل هذه الاختيارات رؤيته الفنية المميزة.
وانطلاقًا من ذلك، تفترض هذه الدراسة أن قصة “سفر” تقدم تصورًا مغايرًا وانتقاليًا لمفهوم الانتماء في السرد المهجري المصري المعاصر. فهي تنتقل من الثنائية التقليدية بين الوطن والمنفى إلى تعددية دوائر الانتماء (المهني، الأسري، والثقافي-الوجداني)، حيث لا تتحدد قيمة المكان بذاته الجغرافية، بل بما يحتضنه من علاقات إنسانية وطقوس يومية تمنحه معناه.
وبهذا يصبح الوطن في النص بناءً وجدانيًا وثقافيًا متحركًا، رغم غياب الوطن الأصلي عن السرد المباشر، وهو ما يجعل التجربة أقرب إلى “ما بعد المهجر” مع الحفاظ على جذورها في أدب المهجر.
وللتحقق من هذه الفرضية، تنطلق الدراسة[1] أولًا من قراءة البنية السردية للنص، بوصفها العتبة المنهجية التي تكشف آليات تشكل المعنى، ثم تتناول تحولات أدب المهجر في ضوء التجربة المصرية المعاصرة، قبل أن تنتقل إلى تحليل خرائط الانتماء التي يرسمها النص، وآليات التوازن النفسي التي تكشفها الطقوس اليومية، وأنماط الاعتراف الإنساني التي تتولد داخل التفاصيل العابرة، وصولًا إلى الكشف عن الكيفية التي تتحول بها الأشياء الصغيرة إلى علامات رمزية تحمل الرؤية الفكرية والجمالية للقصة.
أولًا: البنية السردية... حين يصبح السفر بنيةً للحياة
تنهض قصة “سفر” على بنية سردية تبدو، للوهلة الأولى، شديدة البساطة؛ إذ لا تقوم على حبكة متشابكة، ولا على صراع درامي متصاعد، ولا على مفاجآت حدثية بالمعنى التقليدي، وإنما تعتمد على سرد تأملي يلتقط تفاصيل رحلة تتكرر كل أسبوعين بين شقتين تفصل بينهما ستمائة كيلومتر. غير أن هذه البساطة الظاهرية تخفي بناءً سرديًا بالغ الإحكام، يجعل من انتظام التفاصيل اليومية أداة لإنتاج المعنى، ومن التكرار نفسه محركًا للسرد.
يختار الكاتب السرد بضمير المتكلم، وهو اختيار يمنح النص درجة عالية من الألفة والحميمية، ويضع القارئ داخل التجربة الشعورية للسارد دون وسيط. ومع ذلك، لا يتحول هذا الضمير إلى اعترافات ذاتية أو تداعيات وجدانية منفلتة، بل يظل منضبطًا بإيقاع الملاحظة والتأمل، حتى ليبدو السارد شاهدًا على حياته بقدر ما هو بطلها.
ومن ثم لا يغدو السرد تسجيلًا لأحداث، وإنما إعادة اكتشاف لمعناها الكامن.
وتقوم البنية الزمنية على التكرار لا على التعاقب؛ فالسارد لا يروي رحلة استثنائية، وإنما يروي رحلة مألوفة تتكرر “كل أسبوعين”، حتى يصبح التكرار نفسه عنصرًا بنائيًا يطبع النص كله. فملء خزان الوقود، وشرب القهوة، والاستماع إلى الكتب الصوتية، والتوقف عند الاستراحة نفسها، ثم المرور بمحطة الوقود ذاتها، ليست أحداثًا منفصلة، بل حلقات في طقس حياتي متكرر.
وهكذا يتحول الزمن من خط يتقدم نحو نهاية، إلى دائرة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، في انسجام مع حياة موزعة بين مكانين وإيقاعين.
أما المكان، فينهض على ثنائية ظاهرة وثالث مضمر. فالسرد يتحرك صراحة بين شقة في أمريكا وأخرى في مونتريال، غير أن هذا التقابل لا يقتصر على الجغرافيا، بل يتجاوزها إلى الوظيفة والدلالة؛ فالشقة الأمريكية ترتبط بالعمل، والاستقلال، والوحدة، بينما ترتبط شقة مونتريال بالأسرة، والدفء، والذاكرة اليومية.
وإلى جانب هذين المكانين يلوح، من خارج النص المباشر، مكان ثالث لا يُذكر بالاسم، لكنه يظل حاضرًا بوصفه الأصل الثقافي واللغوي للسارد، وهو ما يضفي على الفضاء السردي عمقًا يتجاوز حدود المكانين المعلنين.
غير أن هذا التركيز على الذات والمكانين الاثنين يأتي على حساب تطوير الشخصيات الثانوية. ففتاة محطة الوقود، التي تمثل ذروة النص، تظل شخصية وظيفية إلى حد كبير، لا نعرف عن عالمها الداخلي إلا القليل. هذا الاختيار يخدم تركيز السرد على الوعي الفردي، لكنه قد يُفقد النص بعضاً من عمقه الاجتماعي.
ومن اللافت أن القصة تكاد تخلو من الحدث الكبير؛ إذ يؤجل الكاتب نقطة التحول حتى الفقرة الأخيرة، حين تكشف فتاة محطة الوقود أنها اعتادت انتظار السارد لأنها ترى في ابتسامته ما يخفف عنها رتابة أيامها.
ولا تمثل هذه اللحظة مفاجأة درامية بقدر ما تؤدي وظيفة إعادة تأويل لكل ما سبقها؛ فالتفاصيل التي بدت متناثرة على امتداد الرحلة تغدو، في ضوء هذه النهاية، إشارات متراكمة إلى حاجة إنسانية مشتركة إلى الاعتراف والدفء والتواصل.
ولذلك يمكن القول إن البناء السردي في “سفر” يقوم على اقتصاد الحدث، وكثافة الدلالة؛ حيث تُستبدل الحبكة التقليدية بشبكة من التفاصيل اليومية التي تتضافر تدريجيًا لتكشف البنية النفسية والاجتماعية للنص.
ومن هنا تغدو البنية السردية نفسها جزءًا من الرؤية الفكرية للقصة؛ فكما تتكرر الرحلة في حياة السارد، يتكرر السرد في إيقاعه الهادئ، ليجعل من السفر حالة وجودية أكثر منه انتقالًا جغرافيًا.
المدخل الأول (تحولات أدب المهجر... من ثنائية الوطن والمنفى إلى تعددية الانتماء)
“ليس الوطن مكانًا نغادره، بل تجربة نحملها معنا أينما ذهبنا.”
ارتبط مفهوم أدب المهجر في الوعي النقدي العربي طويلًا بتجربة الاقتلاع من الوطن الأم، وما يستتبعها من حنين، واستدعاء للذاكرة، وصراع بين ثقافتين متقابلتين. وقد تشكل هذا التصور في ضوء التجربة التاريخية لأدباء المهجر الأوائل، الذين غادروا أوطانهم إلى العالم الجديد في ظروف اجتماعية وسياسية مختلفة، فانعكس ذلك في كتاباتهم التي اتخذت من المنفى، والحنين، والبحث عن الهوية، محاور مركزية لرؤيتها الفكرية والجمالية.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وما أفرزته العولمة من سهولة في الانتقال، وتداخل في أنماط الإقامة والعمل، أفرزت نموذجًا مختلفًا للمهاجر العربي، ولا سيما المهاجر المصري، الذي لم يعد يعيش قطيعة كاملة مع وطنه، ولا اندماجًا كاملًا في وطن جديد، وإنما صار وجوده موزعًا بين دوائر انتماء متعددة، تتداخل فيها الجغرافيا بالوظيفة، والأسرة بالمهنة، والذاكرة بالواقع اليومي.
ومن ثم لم يعد مفهوم "المهجر" كافيًا وحده لتفسير هذه التجربة، إذ لم تعد الهجرة تعني مغادرة مكان إلى آخر بقدر ما أصبحت تعني إدارة حياة تتوزع بين أكثر من فضاء وانتماء.
وتنتمي قصة “سفر” إلى هذا الأفق الجديد؛ فهي لا تقدم مهاجرًا يقطع صلته بوطنه الأول، ولا بطلاً مأزومًا بالحنين التقليدي، بل إنسانًا يعيش بين شقتين، ويقطع مئات الكيلومترات بصورة دورية، حتى يغدو السفر ذاته جزءًا من نظام حياته. ومنذ الجملة الافتتاحية يحدد السارد هذا الإيقاع بقوله:
“ستمائة كيلو متر... هى المسافة الفاصلة بين شقتى فى أمريكا وشقتنا فى مونتريال.”
إن اللافت في هذه الجملة ليس تحديد المسافة، وإنما دقة توزيع الضمائر؛ فالسارد يقول: “شقتى فى أمريكا”، ثم يقول: “شقتنا فى مونتريال”. ومن خلال هذا الاختلاف البسيط في الصياغة، يرسم النص منذ بدايته خريطة انتماء مزدوجة؛ فهناك مكان يرتبط بالفرد ووظيفته، ومكان آخر يرتبط بالجماعة والأسرة. وهكذا لا تصبح الجغرافيا مجرد إطار للأحداث، بل تتحول إلى تعبير عن طبيعة العلاقة الإنسانية بكل مكان.
غير أن القراءة السوسيو–سيكولوجية تكشف طبقة أعمق من هذه الثنائية. فالسارد، وإن لم يذكر وطنه الأصلي صراحة، لا يظهر بوصفه أمريكيًا ولا كنديًا، بل بوصفه ذاتًا تحمل خلفيتها الثقافية واللغوية معها أينما انتقلت. إن مصر، وإن غابت عن السرد المباشر، تظل حاضرة بوصفها الوطن المرجعي الذي يمنح المكانين الآخرين معناهما. فالنص لا يقدم انتقالًا بين وطن ومنفى، وإنما بين فضائين يعيشان معًا تحت ظل وطن ثالث صامت، هو وطن الذاكرة والهوية الأولى.
ومن هنا يمكن النظر إلى القصة بوصفها تعبيرًا عن تعدد مستويات الانتماء أكثر من كونها نصًا عن الاغتراب. فهناك وطن الهوية الثقافية الكامن في الخلفية، ووطن الأسرة والعلاقات الإنسانية الذي تمثله مونتريال، ووطن العمل والمسؤولية اليومية الذي تمثله أمريكا. وهذه المستويات الثلاثة لا تتصارع، وإنما تتجاور، بحيث يعيش السارد بينها جميعًا دون أن يمتلك قدرة كاملة على الانتماء المطلق إلى أي منها.
وتنعكس هذه الرؤية في البنية السردية نفسها؛ فالنص لا يعرف لحظة وصول نهائية، ولا يقدم السفر باعتباره استثناءً، بل باعتباره الإيقاع الطبيعي للحياة. لذلك تغيب ثنائية "الرحيل والعودة" التي حكمت كثيرًا من نصوص أدب المهجر التقليدي، لتحل محلها حركة دائرية لا تنتهي، يصبح فيها العبور هو الحالة المستقرة، وتغدو الحدود مجرد محطات في يوميات الإنسان المعاصر، لا فواصل نهائية بين عالمين.
وعلى هذا النحو، لا تقترح قصة “سفر” مراجعة لمفهوم الغربة فحسب، وإنما تقدم مراجعة هادئة لمفهوم أدب المهجر ذاته. فهي لا تنفي ميراثه التاريخي، لكنها تكشف أن التجربة المهجرية في صورتها المعاصرة لم تعد تُختزل في الحنين إلى الوطن، بل باتت تُعرَّف بقدرة الإنسان على التفاوض المستمر مع انتماءات متعددة، يحملها معه، ويعيد ترتيبها كلما عبر طريقًا جديدًا أو فتح بابًا جديدًا بمفتاح يعرف جيدًا إلى أين يقوده.
المدخل الثانى (خرائط الانتماء... بين البيت والذاكرة والطريق)
“الإنسان لا يسكن الأمكنة وحدها، بل يسكن العلاقات التى تمنح تلك الأمكنة معناها.”
منذ الفقرة الأولى، لا يكتفى السارد بتحديد مكانى إقامته، وإنما يعيد توزيع ذاته بينهما من خلال لغة دقيقة تكشف أن الانتماء لا يتحدد بالجغرافيا وحدها، وإنما بالوظيفة الشعورية التى يؤديها كل مكان فى حياته. فالقصة لا تقدم انتقالًا بين مدينتين، بل ترسم خريطة داخلية للذات، تتوزع فيها دوائر الانتماء وفق ما يمثله كل فضاء من أدوار ومعانٍ.
ويبدأ هذا التوزيع من المفارقة اللغوية التى افتتح بها السارد حكايته: “شقتى فى أمريكا فى الدور الثالث... شقتنا فى مونتريال فى الدور الثانى.”
ولا يبدو اختلاف الضمير هنا اختيارًا عابرًا، بل يحمل دلالة بنيوية؛ فضمير المفرد فى “شقتى” يحيل إلى فضاء الفرد، حيث يقيم السارد منفردًا بحكم العمل، بينما يحيل ضمير الجمع فى “شقتنا” إلى فضاء الأسرة، حيث تذوب الذات الفردية داخل الجماعة الصغيرة التى تشكلها الزوجة والأبناء. وهكذا يسبق الضمير المكان فى تحديد طبيعة الانتماء إليه، فيصبح البيت الأول امتدادًا للدور الوظيفى، بينما يغدو البيت الثانى امتدادًا للدور الإنسانى.
ويتأكد هذا التوزيع من خلال الوصف الذى يقدمه لكل شقة. ففى أمريكا تبدو الشقة صغيرة، وتحتضن لوحات لمدن كبيرة وبحور، وكأنها تنفتح بصريًا على فضاءات بعيدة تعوض ضيق المكان، لكنها تظل فضاءات صامتة. أما فى مونتريال، فالشقة أكبر، ولوحاتها أصغر، لكنها محاطة برائحة الطعام، وأصوات الأطفال، ودفء الحياة اليومية، حتى يصل السارد إلى الجملة المفتاحية: “وحدها لوحات شقة مونتريال من تستطيع الغناء.”
ولا يتعلق الغناء هنا باللوحات ذاتها، بل بالحياة التى تسكنها. فالكاتب يمنح الجماد قدرة مجازية على التعبير، ليؤكد أن القيمة الحقيقية للمكان لا تنبع من اتساعه أو جماله، وإنما من العلاقات الإنسانية التى تمنحه روحه.
ومن ثم لا تعود الأمكنة وحدات جغرافية، بل تتحول إلى رموز لدوائر الانتماء. فهناك مكان يرتبط بالمسؤولية المهنية، ومكان يحتضن الدفء الأسرى، بينما يظل الوطن الأصلى حاضرًا بوصفه المرجعية الثقافية التى تجعل السارد يرى هذه التفاصيل ويمنحها هذا المعنى. إن النص لا يعلن هذا الوطن، لكنه يفترضه ضمنًا، لأن اللغة ذاتها، وطريقة إدراك الأشياء، والحنين غير المصرح به، كلها تنتمى إلى خلفية لا تظهر مباشرة، لكنها تؤسس الرؤية السردية بأكملها.
ويكتسب الطريق، فى هذا السياق، مكانة لا تقل أهمية عن البيتين. فالسارد لا يتعامل معه بوصفه فراغًا يفصل بين نقطتين، وإنما بوصفه فضاءً ثالثًا يعيش فيه جانبًا معتبرًا من حياته. فالقهوة، والكتب الصوتية، والاستراحة، وتمزيق الخبز للعصافير، ومحطة الوقود، كلها عناصر تجعل الطريق نفسه مكانًا مأهولًا بالمعنى. إنه ليس مجرد وسيلة للوصول، بل جزء من الإقامة المؤقتة التى تتكرر حتى تصبح نمطًا للحياة.
ومن الناحية السوسيو–سيكولوجية، تكشف هذه الخريطة المكانية عن تحول مهم فى مفهوم الاستقرار. فالسارد لا يبحث عن مكان نهائى يستقر فيه، بل ينجح فى بناء توازن هش بين انتماءات متعددة، لكل منها وظيفة مختلفة فى تشكيل هويته. ولذلك لا تبدو الشخصية ممزقة بقدر ما تبدو موزعة؛ فهى لا تفقد ذاتها بين الأمكنة، لكنها تعيد تشكيلها باستمرار وفق ما يفرضه كل فضاء من أدوار وعلاقات.
وهنا تتجلى إحدى السمات المميزة للقصة؛ إذ لا تقدم الانتماء باعتباره حقيقة ثابتة، وإنما باعتباره عملية ديناميكية، تتشكل يومًا بعد يوم عبر الحركة، والتكرار، والعبور المستمر. فالبيت، والطريق، والحدود، ومحطة الوقود، ليست مجرد محطات مكانية، بل محطات فى إعادة تعريف الذات. وبهذا يغدو السفر أقل ارتباطًا بالمسافة، وأكثر ارتباطًا بالطريقة التى يتوزع بها الإنسان بين ما يحب، وما يعمل، وما يتذكر.
المدخل الثالث (الطقوس اليومية... حين تصبح التفاصيل آلياتٍ لمقاومة العزلة)
“ليس ما يكرره الإنسان كل يوم مجرد عادة، بل قد يكون الوسيلة التى يحافظ بها على اتزانه النفسى.”
تمتاز قصة “سفر” بأنها لا تكشف العالم النفسى لساردها عبر الاعترافات المباشرة أو التدفقات الوجدانية، وإنما تترك التفاصيل اليومية تقوم بهذه المهمة. فالسارد لا يتحدث عن وحدته، ولا يصف شعوره بالغربة، بل يروى أفعالًا تبدو عادية إلى الحد الذى يكاد يجعلها غير مرئية.
غير أن القراءة السيكولوجية تكشف أن هذه الأفعال ليست مجرد عادات يومية، وإنما طقوس نفسية تنظم علاقة الفرد بعالم يتكرر بإيقاع شبه ثابت.
ومنذ بداية الرحلة، يرسم السارد لنفسه برنامجًا لا يكاد يتغير: “فى الطريق الطويل أتحدث فى الهاتف، أشرب القهوة كثيرا، أسمع الكتب الصوتية، أتشاجر مع نفسى وأصالحها.”
ولا يقدم هذا التعداد وصفًا لحركة خارجية بقدر ما يرسم خريطة لحركة داخلية.
فكل فعل من هذه الأفعال يمثل وسيلة لملء فراغ قد يفرضه الطريق الطويل. فالهاتف يحفظ خيط الاتصال بالآخرين، والكتب الصوتية تمنح العقل رفيقًا لا ينقطع، والقهوة تكسر رتابة الزمن، أما العبارة اللافتة: “أتشاجر مع نفسى وأصالحها.”
فهى تمثل ذروة هذا المشهد النفسى؛ إذ تكشف أن الحوار الحقيقى الذى يشغل السارد لا يدور مع العالم الخارجى، وإنما مع ذاته.
وليس المقصود هنا اضطرابًا نفسيًا، وإنما ذلك الحوار الداخلى الذى يصبح، لدى الإنسان الذى يقضى ساعات طويلة منفردًا، وسيلة لإعادة ترتيب الأفكار والانفعالات، والحفاظ على التوازن الوجدانى.
ويواصل النص بناء هذه الصورة من خلال موقف يبدو بالغ البساطة:
“أمزق الرغيف إلى فتافيت وأتركه على الطاولة. ربما تعرف العصافير الصغيرة بأنى أحبها.”
ومن الناحية السردية، يمكن حذف هذا المشهد دون أن يختل تسلسل الأحداث، لكنه يظل حاضرًا لأنه يؤدى وظيفة دلالية عميقة. فالسارد لا يطعم العصافير بدافع الاستعراض أو البطولة، بل يقوم بفعل صغير لا ينتظر عليه مقابلًا. إنه يبحث عن أثر إنسانى، ولو كان موجَّهًا إلى كائنات عابرة لا يعرفها.
وكأن هذا الفعل يمثل محاولة صامتة لتأكيد أن العطاء، مهما بدا ضئيلًا، ما يزال قادرًا على وصل الإنسان بالعالم من حوله.
ويمتد هذا المنطق إلى الأشياء ذاتها. فالسارد لا يتعامل مع المفاتيح باعتبارها أدوات معدنية، بل يمنحها ذاكرة وقصة؛ إذ يتوقف طويلًا أمام المفتاح الذى يحمل نجومًا وقمرًا صغيرًا، لا لأنه يفتح بابًا مختلفًا، وإنما لأنه يستدعى لحظة مرتبطة بابنته وبصانع المفاتيح العجوز.
وهكذا تتحول الأشياء اليومية إلى مستودعات للذكريات، وتصبح قيمتها النفسية أكبر من قيمتها الوظيفية.
وتكشف هذه التفاصيل مجتمعة عن نزعة إنسانية لافتة؛ فالسارد لا يقاوم وحدته بالصخب أو الهروب، وإنما بإضفاء المعنى على اليومى والمألوف. إنه يأنسن الأشياء، ويقيم حوارًا مع الطريق، ويمنح العصافير رسالة حب، ويحتفظ بمفتاح لا يعرف ما الذى يفتحه، لأنه يعرف جيدًا ما الذى يفتحه داخله من ذكريات.
ومن ثم لا تبدو الطقوس اليومية مجرد تنظيم للوقت، بل تتحول إلى آليات نفسية تحفظ استمرارية الذات وسط حياة تقوم على التكرار والتنقل الدائم.
ومع ذلك، فإن هذا الهدوء والانتظام في السرد قد يوحي للقارئ بأن الحياة بين دوائر الانتماء الثلاثة أقل تعقيداً وألماً مما هي عليه في الواقع.
إن غياب التوتر النفسي الحاد أو الصراع الداخلي الملموس يجعل التجربة تبدو أكثر سلاسة، وهو ما يمكن اعتباره قوة فنية (الاحتفاء باليومي) أو نقطة ضعف (التبسيط النسبي).
ومن هذه الزاوية، لا تعود الرحلة مجرد انتقال بين مكانين، بل تصبح رحلة متكررة لإعادة بناء التوازن الداخلى.
فكل محطة، وكل فنجان قهوة، وكل كتاب صوتى، وكل تفصيلة صغيرة، تؤدى وظيفة تتجاوز ظاهرها، حتى يغدو الإيقاع اليومى نفسه وسيلة لمقاومة التفكك النفسى الذى قد تفرضه حياة موزعة بين أكثر من دائرة انتماء.
المدخل الرابع (الاعتراف الإنسانى... حين تصبح الابتسامة لغةً لمقاومة اللامرئية)
“إن أكثر ما يحتاجه الإنسان ليس أن يُحَب، بل أن يشعر أن أحدًا قد رآه حقًا.”
تؤجل قصة “سفر” لحظة انكشافها الدلالى حتى الفقرة الأخيرة، حيث يبدو أن حدثًا صغيرًا، يكاد يمر عابرًا، يعيد قراءة النص كله من جديد. فالفتاة التى اعتاد السارد أن يراها فى محطة الوقود لا تعلن حبًا، ولا تطلب موعدًا، ولا تبحث عن علاقة استثنائية؛ كل ما تقوله، بعد أشهر من الصمت، أنها كانت تنتظر مروره لأنه حين يتحدث إليها... يبتسم. “وبخجل حقيقى أخبرتنى بأنها تتابع مرورى كل أسبوعين من شهور وبأنها تنتظرنى. لأننى عندما أتحدث إليها... أبتسم.”
وتبدو هذه الجملة، فى ظاهرها، بسيطة إلى حد الإدهاش، لكنها تمثل الذروة الفكرية والنفسية للقصة. فالكاتب لا يجعل الحدث قائمًا على فعل كبير، وإنما على إدراك متبادل بين إنسانين لم تربط بينهما سوى دقائق معدودة تتكرر كل أسبوعين.
وتكمن براعة النص في تحويل هذه اللحظة إلى ذروة دلالية، رغم أن الفتاة تظل شخصية هامشية في بناء السرد. فالكاتب لا يمنحها مساحة كافية لتكون شخصية كاملة، بل يستخدمها كمرآة تعكس حاجة السارد إلى الاعتراف. هذا الاختيار يعزز التركيز على الذات، لكنه قد يُعدُّ قصوراً في القدرة على إنصاف الآخر
إن ما يلفت انتباه الفتاة ليس شخصية السارد، ولا مهنته، ولا قصته، بل تلك الابتسامة العابرة التى كسرت رتابة لقاءات البيع والشراء، وحولت معاملة يومية إلى لحظة اعتراف متبادل بإنسانية الآخر.
ومن منظور سوسيو–سيكولوجى، تكشف هذه النهاية عن إحدى المفارقات الكبرى فى المجتمعات الحديثة؛ فكلما ازدادت كثافة العلاقات الوظيفية، تراجعت العلاقات الإنسانية المباشرة. فمحطة الوقود فضاء للحركة السريعة، وللتبادل الاقتصادى الخالص، حيث يدخل الناس ويخرجون دون أن يتركوا أثرًا فى ذاكرة أحد. غير أن النص يقاوم هذه الآلية الباردة، حين يجعل من ابتسامة بسيطة فعلًا يعيد الاعتبار للعلاقة الإنسانية داخل فضاء تحكمه السرعة والتكرار.
وتزداد دلالة هذا المشهد حين نتأمل شخصية الفتاة نفسها. فالكاتب يرسمها منذ ظهورها الأول بملامح قد تدفع القارئ إلى تكوين صورة نمطية عنها: فتاة فى أوائل العشرينيات، بدينة على نحو مبالغ فيه، تحمل دائمًا قمعًا من الآيس كريم، تعمل فى محطة وقود صغيرة على أطراف الطريق. غير أن السرد لا يتوقف عند هذه الصفات، بل يفاجئ القارئ فى النهاية بكشف عالمها الداخلى؛ إنها ليست مجرد شخصية ثانوية تؤدى وظيفة سردية، بل إنسانة تعيش هى الأخرى إيقاعًا متكررًا، وتنتظر، وسط هذا التكرار، لحظة يشعرها أحد بأنها مرئية.
وهنا تتجلى براعة البناء السردى؛ إذ يعيد القارئ تفسير كل ما سبق. فالسارد الذى كان يوزع فتات الخبز على العصافير، ويحتفظ بمفتاح لا يعرف الباب الذى يفتحه، ويصنع من الطريق عالمًا مأهولًا بالذكريات، هو نفسه الذى يمنح، دون قصد، ابتسامة تصبح بالنسبة إلى شخص آخر حدثًا يستحق الانتظار. وبهذا لا يبدو التعاطف سلوكًا استثنائيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لشخصية ترى العالم من خلال العلاقات، لا من خلال الوظائف.
ومن ناحية أخرى، تكشف هذه النهاية أن الحاجة إلى الاعتراف الإنسانى ليست حكرًا على السارد، بوصفه مهاجرًا يعيش بين دوائر انتماء متعددة، وإنما هى حاجة مشتركة يتقاسمها الجميع، بمن فيهم الفتاة الأمريكية التى لم تغادر مكانها.
وهنا ينجح النص فى تجاوز خصوصية تجربة المهجر، ليصل إلى سؤال إنسانى أوسع: هل يكفى أن نلتقى بالآخرين كل يوم، أم أن الإنسان لا يصبح حاضرًا حقًا إلا عندما يشعر أن أحدًا انتبه إلى وجوده؟
وفى هذا السياق، لا تعود الابتسامة مجرد تعبير عن اللطف، بل تتحول إلى فعل اعتراف. إنها تقول للآخر، دون كلمات، إنه ليس مجرد رقم فى طابور طويل من الوجوه العابرة. ولذلك لا تبالغ القصة فى تضخيم هذا الموقف، لأن قوته تكمن فى عاديته؛ فكل ما حدث أن إنسانًا لم يبخل بابتسامة، وإنسانة لم تبخل بالاعتراف بأنها كانت تنتظرها.
ومن هذا الاقتصاد السردى يولد أحد أكثر المشاهد تأثيرًا فى النص، لأنه يرد المعنى الإنسانى إلى أبسط صوره وأكثرها صدقًا.
المدخل الخامس (شعرية التفاصيل... حين تتحول الأشياء إلى علامات للانتماء الإنسانى)
“ليست عظمة السرد فى كثرة أحداثه، بل فى قدرته على أن يجعل الأشياء الصغيرة تقول ما تعجز عنه الخطب الطويلة.”
تقوم قصة “سفر” على مفارقة جمالية لافتة؛ فهى تكاد تخلو من الأحداث الكبرى، ومع ذلك تحتفظ حتى سطورها الأخيرة بقدرتها على جذب القارئ. ولا يعود ذلك إلى وجود حبكة متصاعدة أو مفاجآت درامية، وإنما إلى اعتماد الكاتب على اقتصاد الحدث وثراء الدلالة، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى وحدات رمزية، تتجاوز وظيفتها الواقعية لتشارك فى بناء الرؤية الفكرية والنفسية للنص.
ومنذ الفقرة الأولى، يلفت الانتباه أن السارد لا يصف البيتين من خلال مساحتهما أو أثاثهما، بل من خلال ما يختزنه كل منهما من حياة. فاللوحات ليست عناصر ديكور، وإنما علامات على طبيعة العلاقة بالمكان؛ فلوحات الشقة الأمريكية تعرض مدنًا وبحورًا، بينما لوحات مونتريال تصور بيوتًا ودراويش ومدنًا أخرى، ثم يختتم السارد هذه المقابلة بجملته الكاشفة: “وحدها لوحات شقة مونتريال من تستطيع الغناء.”
وهنا تبلغ اللغة ذروة شعريتها؛ إذ يمنح الكاتب اللوحات فعلًا إنسانيًا، لا ليزين العبارة بمجاز لغوى، وإنما ليعلن أن الأشياء تكتسب حياتها من البشر الذين يعيشون حولها. فالغناء ليس صفة للوحة، بل للحياة التى تنعكس عليها.
ويمتد هذا الأسلوب إلى بقية التفاصيل. فالمفتاح ذو النجوم والقمر لا يختلف وظيفيًا عن سائر المفاتيح، لكنه يحتفظ بمكانته لأنه مرتبط بابنة السارد، وبابتسامة صانع المفاتيح، وبذكرى لحظة أسرية عابرة. ومحطة الوقود لا تكتسب حضورها لأنها محطة على الطريق، بل لأنها المكان الذى تشكلت فيه علاقة إنسانية صامتة بين شخصين لا يعرف أحدهما عن الآخر إلا القليل.
وحتى الرغيف الذى يمزقه السارد للعصافير لا يؤدى وظيفة فى تطور الحدث، لكنه يؤدى وظيفة فى بناء شخصية ترى العالم من خلال المشاركة، لا من خلال المنفعة.
ويكشف هذا الحضور الكثيف للأشياء عن تقنية سردية دقيقة، يمكن وصفها بـ أنسنة التفاصيل؛ فالأشياء لا تبقى جمادات صامتة، بل تتحول إلى وسائط تحمل الذاكرة، وتنقل المشاعر، وتختزن العلاقات.
وهكذا لا تصبح المفاتيح، واللوحات، والقهوة، والسيارة، ومحطة الوقود، مجرد عناصر فى المشهد، بل مكونات لبنية رمزية واحدة، تتجاور فيها المادة والوجدان، حتى يغدو كل تفصيل صغير نافذة على العالم الداخلى للشخصية.
ومن الناحية السردية، يفسر هذا البناء سبب تأجيل الكاتب للحظة الانكشاف حتى نهاية القصة. فالنهاية لا تضيف معلومة جديدة بقدر ما تعيد تفسير جميع التفاصيل السابقة. فالابتسامة التى تنتظرها فتاة محطة الوقود ليست حدثًا منفصلًا، وإنما النتيجة الطبيعية لشخصية عرفت، منذ بداية النص، كيف تمنح الأشياء والناس نصيبهم من الاهتمام. وبذلك تتحول النهاية إلى مفتاح تأويلى يعيد ترتيب العلامات المتناثرة التى زرعها الكاتب فى الطريق منذ السطر الأول.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن الفصل بين جماليات السرد ورؤيته السوسيو–سيكولوجية؛ فالبناء الفنى نفسه هو الذى ينتج الدلالة. فاقتصاد الحدث يعكس هدوء الحياة اليومية، وتكرار الرحلة يجسد استقرار الإيقاع الوجودى للشخصية، والتفاصيل الصغيرة تؤكد أن العلاقات الإنسانية لا تتكون من اللحظات الاستثنائية، وإنما من التراكم الهادئ للمواقف العابرة. ومن ثم فإن شعرية النص لا تنبع من زخرفة اللغة، بل من قدرته على تحويل العادى إلى دال، واليومى إلى إنسانى، والمألوف إلى كاشف.
وهكذا تنتهى القصة دون ضجيج، كما بدأت دون ضجيج، لكنها تترك القارئ وقد أعاد النظر فى أبسط تفاصيل حياته اليومية. فابتسامة عابرة، أو مفتاح قديم، أو لوحة معلقة على جدار، أو فتات خبز تلتقطه العصافير، كلها أشياء تبدو هامشية فى ظاهرها، لكنها داخل هذا النص تصبح علامات على أن الإنسان لا يبنى عالمه بالأحداث الكبرى وحدها، بل بما ينسجه، يومًا بعد يوم، من علاقات تمنح الأشياء معناها، وتمنحه هو معنى وجوده.
الخاتمة
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن قصة “سفر” لأسامة علام تقدم تصورًا مغايرًا وانتقاليًا لمفهوم الانتماء في السرد المهجري المصري المعاصر؛ إذ تنتقل من الثنائية التقليدية بين الوطن والمنفى إلى تعددية دوائر الانتماء (المهني، الأسري، والثقافي-الوجداني)، حيث لا تتحدد قيمة المكان بذاته الجغرافية، بل بما يحتضنه من علاقات إنسانية وطقوس يومية تمنحه معناه.
وقد كشفت القراءة السوسيو–سيكولوجية، مدعومة بتحليل البنية السردية، أن هذه الفرضية قد تحققت إلى حد كبير في مختلف مستويات النص. فقد أوضحت الدراسة أن السرد لا يجعل من الرحلة حدثًا استثنائيًا، بل يحولها إلى إيقاع للحياة، بحيث يصبح السفر نفسه صورةً للاستقرار الجديد الذي يعيشه الإنسان المعاصر.
كما بينت أن الأمكنة لا تؤدي وظيفة جغرافية فحسب، وإنما تتوزع إلى دوائر للانتماء، لكل منها معناها الإنساني؛ فهناك فضاء العمل، وفضاء الأسرة، بينما يظل الوطن الأصلي حاضرًا بوصفه المرجعية الثقافية والوجدانية التي تؤطر التجربة كلها، رغم غيابه عن السرد المباشر.
ومع ذلك، فإن تحقق هذه الفرضية لا يعني غياب بعض التحفظات. إذ يأتي هذا النموذج الفني على حساب تهميش بعض الشخصيات الثانوية (كفتاة محطة الوقود التي تمثل لحظة الذروة)، وبهدوء سردي مفرط قد يجعل تجربة العيش بين ثلاثة أوطان تبدو أيسر وأقل تعقيدًا مما هي عليه في الواقع.
كما أن غياب الوطن الأصلي المباشر يضع النص في منطقة انتقالية بين أدب المهجر التقليدي وأدب “ما بعد المهجر”.
ومع هذه الملاحظات، تظل القيمة الفنية لقصة “سفر” عالية. فقد نجح الكاتب في تحويل التفاصيل اليومية إلى نسيج دلالي كثيف، وفي تقديم نموذج إنساني معاصر يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. إن العالم النفسي للشخصية لا يُبنى عبر التصريح والانفعال المباشر، وإنما عبر شبكة من الطقوس اليومية التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تؤدي وظيفة عميقة في حفظ التوازن الداخلي ومقاومة العزلة.
وفي الوقت نفسه، أثبت النص أن العلاقات الإنسانية، مهما بدت عابرة، تظل قادرة على مقاومة برودة العالم الحديث. فالابتسامة التي ينتظرها شخص لا يعرف من السارد سوى دقائق قليلة كل أسبوعين، تصبح في نهاية القصة لحظةً كاشفة، تؤكد أن أبسط صور الاعتراف بالآخر قد تكون أكثر أثرًا من كثير من العلاقات الممتدة.
ولذلك، فإن عنوان الدراسة “بين ثلاثة أوطان” لا يحيل في النهاية إلى ثلاثة أمكنة متجاورة بقدر ما يحيل إلى ثلاث دوائر متداخلة للانتماء: وطن الهوية الأولى، وطن الحياة الأسرية، ووطن المسؤولية المهنية.
غير أن القصة تنتهي إلى حقيقة أعمق من هذا كله؛ فكل هذه الدوائر لا تستمد قيمتها من الجغرافيا، وإنما من الإنسان الذي يمنحها معناها، ومن العلاقات التي تحول المكان من مساحة على الخريطة إلى تجربة حية في الوجدان.
بهذا، تُعد قصة “سفر” نموذجًا دالًا على التحولات التي يشهدها السرد المصري المهجري في العقود الأخيرة، وتؤكد أن الوطن لم يعد مكانًا نعود إليه، بل نسيجًا من العلاقات والذكريات والطقوس نحمله معنا أينما ذهبنا، ونعيد بناءه في كل سفر وكل عودة.
الهوامش
(1) هذه الدراسة النقدية تم تقديمها فى ندوة القراءات القصصية التى تم تنظيمها فى اطار أنشطة معرض مكتبة الاسكندرية الدولى للكتاب (الدورة 21) بتاريخ 13 يوليو 2026



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من هندسة السرد إلى تأويل الذاكرة: قراءة سوسيو-سيكولوجية في ق ...
- من ثقل الأختام إلى خفة الريشة: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة ...
- جدلية الرؤية والحصار: قراءة سوسيوسيكولوجية في قصة “معركة خاس ...
- المرآة بوصفها ذاكرة: تحولات الهوية والزمن في قصة “أنا آسف يا ...
- وشم الصورة: تحولات الجسد والهوية من منظور سوسيو-سيكولوجي في ...
- من السلطة الخارجية إلى الرقابة الداخلية: قراءة سوسيو–سيكولوج ...
- الأصداف وأفق البقاء .. قراءة سوسيوسيكولوجية في قصيدة “هي أصد ...
- جماليات التحول وإعادة تشكيل الفاجعة فى القصة القصيرة جدًا- ق ...
- التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكا ...
- من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو ...
- المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ ...
- «غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي ...
- الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة ...
- بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع ...
- الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن ...
- الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال ...
- من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ ...
- الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع ...
- اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة ...
- سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف


المزيد.....




- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة علام