|
|
مفارقات الوعي بين الواقع والتخييل: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “مفاجأة” لشروق مجدى
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 02:01
المحور:
الادب والفن
﷽المقدمة تتجاوز القصة القصيرة في تجاربها الحديثة كونها حكاية تُروى أو حدثًا يُستعاد، لتصبح مختبرًا فنيًا يختبر فيه الإنسان نفسه في لحظات التوتر القصوى، حيث تتشابك الرغبة بالذاكرة، ويتداخل الواقع بالتخييل، ويغدو السرد ذاته جزءًا من التجربة النفسية لأبطاله. وفي هذا السياق، تأتي قصة “مفاجأة” للكاتبة والباحثة شروق مجدي، الحاصلة على ليسانس الآداب قسم التاريخ (2017) وماجستير في التاريخ الإسلامي (2026). ت تعد شروق مجدي كاتبة وباحثة متخصصة في الأدب والنقد الأدبي، لها اهتمام واضح بأدب الطفل والدراسات النفسية والاجتماعية، كما يظهر في أعمالها السابقة التي تناولت مواضيع التنمر، العنف الأسري، الاندماج الاجتماعي، والصحة النفسية. وقد قدمت العديد من الدراسات النقدية لأعمال روائية وقصصية وإذاعية، مما يعكس حساسيتها تجاه الصراعات الداخلية للذات وعلاقتها بالمجتمع. وتندرج قصة “مفاجأة” ضمن هذا المسار الإبداعي الناضج، إذ تبدو في ظاهرها قصة حب لم يكتمل، لكنها سرعان ما تتجاوز هذا الإطار لتبني عالمًا سرديًا تتجاور فيه الذكرى والحلم والكابوس والواقع في نسيج واحد يجعل القارئ شريكًا في إعادة تركيب الحقيقة. تنبع أهمية هذا النص من قدرته على توظيف التشظي السردي والاقتصاد في البناء وتعدد المستويات الإدراكية، للكشف عن صراع داخلي يتجاوز حدود التجربة العاطفية الخاصة، ليطرح أسئلة تتصل بطبيعة الرغبة، وحدود الحرية، ومسؤولية الإنسان عن اختياراته، والعلاقة بين ما يعتمل في النفس من احتمالات وما يتحول منها إلى فعل في الواقع. وانطلاقًا من ذلك، تفترض هذه الدراسة[1] أن قصة “مفاجأة” تؤسس رؤيتها العميقة على جدلية الرغبة والاختيار، حيث لا تتحدد هوية الشخصية بما يعتمل في وعيها من صور وأهواء، بل بما تنتهي إليه من أفعال. ومن ثم يوظف النص تشظي السرد وتداخل الواقع والتخييل والصراع النفسي ومنظومة القيم الاجتماعية، لا لبناء مفاجأة حكائية فحسب، بل للكشف عن المسار الذي تتشكل عبره الذات الأخلاقية؛ فتغدو المفاجأة الحقيقية انتقال الإنسان من منطق الامتلاك إلى منطق العطاء، ومن أسر الانفعال إلى حرية الاختيار. تعتمد الدراسة المنهج السوسيو-سيكولوجي متعدد المداخل، بوصفه مقاربة تحليلية–تأويلية تنطلق من مركزية النص وتتعامل مع عناصره السردية والنفسية والاجتماعية بوصفها مستويات متكاملة لإنتاج الدلالة. تمهيد: في العتبات النصية للقصة يشكّل الوقوف عند العتبات النصية المدخل الأول لاستكشاف العالم السردي، إذ لا تُعد هذه العتبات عناصر شكلية خارجية فحسب، بل هي إشارات دلالية توجه أفق التلقي وتثير أسئلة القارئ قبل الدخول في تفاصيل الحكاية. وفي قصة “مفاجأة”، يهيئ النص قارئه منذ البداية لتجربة سردية قائمة على التوتر بين الواقع والتخييل، واليقين والالتباس. أولًا: العنوان... من الوعد السردي إلى إعادة إنتاج المعنى يبدو عنوان القصة “مفاجأة” للوهلة الأولى بسيطًا ومباشرًا، يقوم على كلمة واحدة تحمل دلالة الحدث المباغت. غير أن هذه البساطة تخفي وظيفة إيحائية عميقة؛ فالعنوان لا يعد بمفاجأة واحدة في الخاتمة، بل يفتح سؤالًا معلقًا منذ اللحظة الأولى: ما المفاجأة؟ ولمن؟ يؤجل النص الإجابة عمدًا عبر سلسلة من المشاهد المتقطعة التي تتناوب فيها الذكريات والهواجس والأحلام والكوابيس. وبهذا يتحول العنوان نفسه إلى جزء من اللعبة السردية، يرافق القارئ طوال القراءة بوصفه سؤالًا مفتوحًا يدفعه إلى إعادة بناء توقعاته في كل انتقال سردي، حتى تنقلب هذه التوقعات في النهاية. ثانيًا: القصة القصيرة بوصفها فن الاقتصاد والإيحاء تنتمي “مفاجأة” إلى جنس القصة القصيرة الحديثة الذي يراهن على الكثافة الدلالية أكثر من وفرة الحدث. لا تعتمد القصة الحبكة التقليدية الخطية، بل تبني عالمها عبر مشهدية سريعة وانتقالات متلاحقة، وتترك فراغات سردية واسعة يتولى القارئ ملأها. هذا الاقتصاد في الشرح والتفسير يجعل النص أقرب إلى فسيفساء من اللقطات النفسية المترابطة برباط تيار الوعي، لا بالتعاقب الزمني وحده. ومن هنا يصبح القارئ مشاركًا فعالًا في إنتاج المعنى، لا متلقيًا سلبيًا. ثالثًا: البنية الشكلية... انسياب الوعي وتشظي المستويات يلفت الانتباه منذ القراءة الأولى غياب العلامات الفاصلة بين مستويات السرد المختلفة. ينتقل النص بسلاسة من الواقع إلى الذكرى، ومن الذكرى إلى الحلم، ثم إلى الكابوس، ثم يعود إلى الواقع دون إشارات تفسيرية صريحة. يولّد هذا التشظي المتعمد شعورًا بالعدم الاستقرار يحاكي اضطراب الوعي الداخلي للشخصية. فالشكل هنا ليس زينة فنية، بل هو جزء من المعنى؛ إذ يجبر القارئ على أن يعيش حالة التردد بين التصديق والتأويل، تمامًا كما تعيش الشخصية الرئيسية. وبهذا يصبح الانتقال بين المستويات السردية نفسه أداة لإعادة تشكيل إدراك القارئ، ويمهد للقراءة الاستكشافية التي ستسيطر على تجربة تلقي النص بأكمله. السرد بوصفه مرآةً للوعي الملتبس لا يقدم النص بطله في صورة العاشق التقليدي الذي يبوح بمشاعره، بل يرسم وعيًا مأزومًا يتأرجح بين الرغبة في القرب والقدرة على الانسحاب. تتجلى هذه الثنائية منذ المشاهد الأولى، حين “يقابلها على محطة الأتوبيس... يخلع الجاكيت مبتسمًا: تفضلي”، ثم يقف “مترددا في الركوب” ويقول في نفسه: “سأودعها إلى الأبد، خرجت من حياتي حذفتها من صندوق ذكرياتي”. أولًا: الحب بوصفه اختبارًا للذات يتحول الحب بعد الفراق من علاقة واقعية إلى علاقة تعيش داخل الوعي. يتابع البطل الفتاة عبر “صفحة وهمية على فيسبوك”، يقلّب صورها، “يعلّق بإيموشن مرة، وأخرى بكلمات رقيقة”. وفي ليلة الزفاف “يضع وردة على شباكها وينصرف سريعًا”. هذه الأفعال الصامتة تكشف أن الحب في القصة لم يعد علاقة متبادلة بين شخصين، بل تجربة داخلية يعيشها البطل مع ذاته. فالفتاة تظل حاضرة كصورة ذهنية أكثر من كونها شخصية مستقلة. وهكذا يطرح النص سؤالًا جوهريًا: هل يظل الحب حبًا حين يفقد إمكان الامتلاك؟ ثانيًا: الأحلام والكوابيس... مسرح الصراع بين الرغبة والضمير عندما يعجز الوعي عن حسم صراعاته، يفتح النص فضاء اللاوعي. في الحلم يتحقق ما حُرم في الواقع: “آلو..أيوه يا حبيبتي ..سافر..حيقعد قد إيه؟ طب أجيلك؟ ولا تحبي نتقابل بره في مكان بعيد أحسن؟ لا عايزة ألمسك وآخدك في حضني...”. لكن الحلم سرعان ما ينقلب إلى تهديد: “يهددها أنه سيرسل لزوجها الصور والفيديوهات”. أما ذروة الصراع فتأتي في مشهد الكابوس العنيف: “يرى بجانبه سكينا وسيولا من دماء، يطعنها طعنات عدة في ظهرها وأخرى في بطنها، يقطع رأسها”. هذه المشاهد لا تُقدَّم لتحويل البطل إلى قاتل، بل لتكشف الحد الأقصى الذي يمكن أن تبلغه النفس في لحظات التوتر. يستخدم النص الأحلام والكوابيس كمرآة للتعدد الكامن داخل الذات: المحبة والغيرة، الرغبة والغضب، الحنين والرغبة في العقاب. ثم يعود البطل إلى اليقظة ليحسم موقفه في الواقع. ثالثًا: بين الرغبة والاختيار... تشكل الذات الأخلاقية يصل التحول إلى ذروته في النهاية. بعد كل الاحتمالات العنيفة داخل الخيال، يختار البطل طريق العطاء. يحجز تذكرتي شهر العسل لدبي، ويرسل لها: “مبروك..نحن مطار الشارقة، تم حجز تذكرتين...”. وعندما تسأل “مِن قِبل مَن؟” يجيب: “شخص ما لم يفصح عن اسمه... أخ وصديق”. وفي حفل الزفاف، بعد انقطاع الكهرباء وصوت موسيقى عمر خيرت، يظهر أمامها قائلًا: “مبروك..أنا صديق الطفولة..حبيتك..حاولت أصرّح لك، لكن لقيتك منشغلة بشخص آخر، كتمت في قلبي، لكن حبك لسة فيه، باتمنى لك السعادة”. هذا الاعتراف المتأخر ليس مطالبة، بل تحرير للذات. يتحول الحب من رغبة في الامتلاك إلى تمنٍّ صادق بالسعادة للمحبوب، حتى لو كانت بعيدًا عنه. هنا تتحقق الفرضية الأساسية للدراسة: الهوية لا تتحدد بما يعتمل في الوعي من رغبات، بل بما يختاره الإنسان في لحظة الفعل. رابعًا: الصمت بوصفه لغة الوعي المنكسر يظل الصمت أبرز سمات البطل طوال القصة. لا يعترف بحبه في الوقت المناسب، ولا ينافس الزوج، ولا يفرض حضوره. يكتفي بأفعال صامتة: إهداء الجاكيت، وضع الوردة، إرسال الهدية دون الكشف عن اسمه. الصمت هنا ليس ضعفًا، بل مقاومة داخلية وتعبير أصدق من الكلام. فالأفعال الصامتة تسمح له بأن يحمل ألمه دون أن يحوله إلى أذى للآخر. وحين يأتي الاعتراف أخيرًا، يكون اكتمالاً لرحلة الوعي، لا تغييرًا للواقع. بنية الوعي وتحولات الذات لا يقدم النص بطله في صورة العاشق التقليدي الذي يبوح بمشاعره، بل يرسم وعيًا مأزومًا يتأرجح بين الرغبة في القرب والقدرة على الانسحاب. تتجلى هذه الثنائية منذ المشاهد الأولى، حين “يقابلها على محطة الأتوبيس... يخلع الجاكيت مبتسمًا: تفضلي”، ثم يقف “مترددا في الركوب” ويقول في نفسه: “سأودعها إلى الأبد، خرجت من حياتي حذفتها من صندوق ذكرياتي”. أولًا: الحب بوصفه اختبارًا للذات يتحول الحب بعد الفراق إلى علاقة داخلية. يتابع البطل الفتاة عبر “صفحة وهمية على فيسبوك”، يقلّب صورها، “يعلّق بإيموشن مرة، وأخرى بكلمات رقيقة”. وفي ليلة الزفاف “يضع وردة على شباكها وينصرف سريعًا”. هذه الأفعال الصامتة تكشف أن الحب في القصة تجربة داخلية يعيشها البطل مع ذاته. فالفتاة تظل صورة ذهنية أكثر من كونها شخصية مستقلة. وهكذا يطرح النص سؤالًا جوهريًا: هل يظل الحب حبًا حين يفقد إمكان الامتلاك؟ ثانيًا: الأحلام والكوابيس... مسرح الصراع بين الرغبة والضمير عندما يعجز الوعي عن حسم صراعاته، يفتح النص فضاء اللاوعي. في الحلم: “آلو..أيوه يا حبيبتي ..سافر..حيقعد قد إيه؟... لا عايزة ألمسك وآخدك في حضني...”. ثم ينقلب إلى تهديد: “يهددها أنه سيرسل لزوجها الصور والفيديوهات”. ويبلغ الصراع ذروته في الكابوس: “يرى بجانبه سكينا وسيولا من دماء، يطعنها طعنات عدة في ظهرها وأخرى في بطنها، يقطع رأسها”. هذه المشاهد لا تحول البطل إلى قاتل، بل تكشف الحد الأقصى للنفس في لحظات التوتر. يستخدم النص الأحلام والكوابيس كمرآة للتعدد داخل الذات (المحبة، الغيرة، الرغبة، الغضب، الحنين، القدرة على الصفح). ثم يعود البطل إلى اليقظة ليحسم موقفه أخلاقيًا. ثالثًا: بين الرغبة والاختيار... تشكل الذات الأخلاقية يصل التحول إلى ذروته في النهاية. يحجز تذكرتي شهر العسل ويرسل: “مبروك..نحن مطار الشارقة...”، ويجيب: “أخ وصديق”. وفي الحفل يقول: “حبيتك.. حاولت أصرّح لك... كتمت في قلبي، لكن حبك لسة فيه، باتمنى لك السعادة”. هذا الاعتراف المتأخر ليس مطالبة، بل تحرير للذات. يتحول الحب من رغبة في الامتلاك إلى تمنٍ صادق بالسعادة. هنا تتحقق الفرضية: الهوية لا تتحدد بالرغبات الداخلية، بل بالاختيار الأخلاقي في الواقع. رابعًا: الصمت بوصفه لغة الوعي المنكسر يظل الصمت أبرز سمات البطل: إهداء الجاكيت، وضع الوردة، إرسال الهدية دون الكشف عن الاسم. الصمت هنا ليس ضعفًا، بل مقاومة داخلية وتعبير أصدق من الكلام. يسمح للبطل بحمل ألمه دون إيذاء الآخر. وحين يأتي الاعتراف أخيرًا، يكون اكتمال رحلة الوعي. القيم الاجتماعية وإعادة تشكيل الفعل الإنساني إذا كان المدخل النفسي قد كشف تحولات الوعي الداخلي، فإن هذه التحولات لا تنفصل عن المنظومة القيمية الاجتماعية التي تؤطر السلوك. فالشخصية تواجه صراعها داخل سياق يفرض حدودًا أخلاقية على الرغبة، ويجعل العلاقة بالآخر مسؤولية قبل أن تكون استجابة للعاطفة. أولًا: الحب في ميزان القيم... من حق الامتلاك إلى حق الاختيار يدرك البطل أن المرأة التي يحبها قد اختارت شريكًا آخر، فيقف أمام اختبار قيمي حاسم. بدلًا من محاولة تعطيل الزواج أو التشبث، يحترم اختيارها. يتجلى ذلك بوضوح في هدية شهر العسل، حين يرسل إليها: “مبروك.. نحن مطار الشارقة، تم حجز تذكرتين لمدة أسبوع رحلة إلى دبي”، ويجيب على سؤالها “مِن قِبل مَن؟” بقوله: “شخص ما لم يفصح عن اسمه... أخ وصديق”. هذا الفعل يتجاوز الصورة التقليدية للعاشق المقهور، ليقدم نموذجًا يرى في الحب مسؤولية تجاه سعادة الآخر، لا وسيلة لامتلاكه. فالحب هنا لا يخول صاحبه حقًا في انتهاك إرادة من يحب، بل يصبح اختبارًا لقدرة الإنسان على احترام حرية الآخر. ثانيًا: الهبة والستر... تجليات التضامن الإنساني لا يقتصر البطل على التمني بالسعادة، بل يشارك فعليًا في صنعها من وراء ستار. يحجز التذاكر، ويخفي اسمه، ويكتفي بأن يُعرف نفسه بـ”أخ وصديق”. كما يضع “وردة على شباكها” ليلة الزفاف ثم “ينصرف سريعًا”. الستر هنا ليس مجرد إخفاء للاسم، بل قيمة أخلاقية تحفظ للعروس فرحتها، وتصون علاقتها بزوجها من ظلال الماضي، وتحمي كرامة البطل نفسه. يتحول العطاء إلى فعل إيثار خالص، يقدمه البطل وهو في ذروة ألمه. وبهذا يصبح الفعل الفردي تجسيدًا لتضامن إنساني يقوم على الإيثار وحفظ الكرامة. ثالثًا: الفضاء الاجتماعي بوصفه شاهدًا على التحول لا يحضر المجتمع في القصة من خلال تعدد الشخصيات، بل عبر الفضاءات التي تتحرك فيها الشخصية وتكتسب دلالة رمزية. يبدأ البطل في فضاء العزلة “واقف في الشباك”، ثم محطة الأتوبيس، ثم أمام نافذة المنزل، ثم أمام البحر بعد الكابوس “خرج من البيت، جلس أمام البحر يستنشق هواءً جديدًا...”. يصل المسار إلى ذروته في قاعة الزفاف (الفضاء الجماعي بامتياز) حيث يظهر البطل علنًا، يعزف موسيقى عمر خيرت، ويعلن مشاعره أمام الجميع في إطار التهنئة والاحترام. هنا يصبح المجتمع شاهدًا على اكتمال الرحلة الداخلية: تحول البطل من مراقب من بعيد إلى مشارك إيجابي يحتفل بحياة من أحب. بهذا يرتفع النص من التجربة الفردية إلى رؤية اجتماعية أوسع، تؤكد أن احترام حرية الآخر وقدرته على الاختيار هما أساس أي علاقة إنسانية ناضجة الخاتمة النقدية تكشف القراءة السوسيو-سيكولوجية لقصة أن النص يتجاوز حدود الحكاية العاطفية الظاهرية، ليصبح تأملًا عميقًا في مفارقات الوعي وجدلية الرغبة والاختيار. فمن خلال تشظي السرد وتداخل الواقع بالتخييل، ينجح النص في محاكاة اضطراب الشخصية الداخلي، ويجعل القارئ يعيش حالة الالتباس ذاتها التي يعيشها البطل. تتحدد هوية الشخصية في النهاية ليس بما يعتمل في وعيها من رغبات وكوابيس (مثل مشهد القتل الوحشي “يطعنها طعنات عدة في ظهرها... يقطع رأسها”) بل بما تنتهي إليه من أفعال. فبعد كل الاحتمالات العنيفة داخل الخيال، يختار البطل طريق العطاء والاحترام: يرسل هدية شهر العسل دون الكشف عن اسمه، ويعلن في لحظة الذروة: “حبيتك.. حاولت أصرّح لك، لكن لقيتك منشغلة بشخص آخر، كتمت في قلبي، لكن حبك لسة فيه، باتمنى لك السعادة”. بهذا تتحقق فرضية الدراسة: المفاجأة الحقيقية ليست انقلابًا دراميًا في الأحداث، بل انقلاب في معيار النظر إلى الإنسان؛ إذ ينتقل مركز الثقل من سؤال “ماذا يشعر؟” إلى سؤال أعمق: “ماذا يفعل بما يشعر؟”. وهكذا تحولت قصة حب غير مكتملة إلى تأمل في الحرية والمسؤولية والقدرة على تهذيب الرغبات وتحويل الألم الشخصي إلى موقف أخلاقي يحفظ للآخر كرامته وحريته. ومع ذلك، يظل النص أمام تحدٍ فني يتعلق ببعض الانتقالات السريعة بين مستويات الواقع والتخييل، والتي قد تسبب التباسًا لدى القارئ أكثر مما تقتضيه الاستراتيجية السردية. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة النص الجمالية والدلالية، بل تشير إلى مساحة يمكن تهذيبها في أعمال قادمة. في المحصلة، تقدم شروق مجدي في “مفاجأة” تجربة سردية ناضجة تنجح في توظيف أدوات السرد الحديث لتقديم رؤية إنسانية مؤثرة: الإنسان لا يُختبر في لحظات امتلاك ما يريد، بل في الكيفية التي يواجه بها ما لا يستطيع امتلاكه. وهي رؤية تثري مشروعها الإبداعي الذي يهتم بالصراعات النفسية والقيم الاجتماعية. الهوامش (1) هذه الدراسة النقدية تم تقديمها فى ندوة القراءات القصصية التى تم تنظيمها فى اطار أنشطة معرض مكتبة الاسكندرية الدولى للكتاب (الدورة 21) بتاريخ 13 يوليو 2026
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة
...
-
من هندسة السرد إلى تأويل الذاكرة: قراءة سوسيو-سيكولوجية في ق
...
-
من ثقل الأختام إلى خفة الريشة: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة
...
-
جدلية الرؤية والحصار: قراءة سوسيوسيكولوجية في قصة “معركة خاس
...
-
المرآة بوصفها ذاكرة: تحولات الهوية والزمن في قصة “أنا آسف يا
...
-
وشم الصورة: تحولات الجسد والهوية من منظور سوسيو-سيكولوجي في
...
-
من السلطة الخارجية إلى الرقابة الداخلية: قراءة سوسيو–سيكولوج
...
-
الأصداف وأفق البقاء .. قراءة سوسيوسيكولوجية في قصيدة “هي أصد
...
-
جماليات التحول وإعادة تشكيل الفاجعة فى القصة القصيرة جدًا- ق
...
-
التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكا
...
-
من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو
...
-
المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ
...
-
«غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي
...
-
الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة
...
-
بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع
...
-
الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن
...
-
الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال
...
-
من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ
...
-
الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع
...
-
اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة
...
المزيد.....
-
مصر.. فيلم -محمود التاني- يصل إلى دور السينما في هذا الموعد
...
-
على خطى -مايكل-.. فرقة -غرين داي- تروي سيرتها الذاتية في فيل
...
-
هل ينقذك الماضي من الحاضر؟ فيلم -إذما- يبحث عن إجابة عمرها 1
...
-
رئيس لجنة الفنون الجميلة الأمريكية يصف زيارته لروسيا بـ-النا
...
-
صدور رواية طوالع يومية في العراق
-
حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو
...
-
-يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق
...
-
مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص
...
-
الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات
...
-
بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|