أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - استعادة المعنى في زمن الخوف .. دراسة سوسيوسيكولوجية في ضوء تحليل بنيوي وتأويلي لقصة “صورة سلفى” لعصام هدية















المزيد.....


استعادة المعنى في زمن الخوف .. دراسة سوسيوسيكولوجية في ضوء تحليل بنيوي وتأويلي لقصة “صورة سلفى” لعصام هدية


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 04:47
المحور: الادب والفن
    




المقدمة
تبدو بعض القصص القصيرة، منذ القراءة الأولى، وكأنها تنتمي إلى لحظة بعينها، غير أن التعمق في بنيتها يكشف أنها تتجاوز مناسبتها الزمنية لتلامس أسئلة إنسانية أكثر رسوخًا.
وقصة “صورة سلفى” لعصام هدية تنتمي إلى هذا النوع من النصوص؛ إذ تستثمر واقعة تبدو مألوفة في زمن هيمنت فيه أخبار الوباء والموت، لتبني منها رؤية تتجاوز الحدث العابر إلى مساءلة علاقة الإنسان بالخوف، وبالحياة، وبالآخر.
ويأتي هذا النص ضمن المحاولات السردية الأولى لكاتب عُرف في المقام الأول شاعرًا،
وهو ما يفتح سؤالًا نقديًا حول طبيعة العلاقة بين الحس الشعري والبناء القصصي، دون أن يكون ذلك مدخلًا لإصدار أحكام مسبقة، بل أفقًا من آفاق القراءة يظل مرهونًا بما يكشفه النص نفسه.
وتنطلق هذه الدراسة من قراءة نقدية تحليلية–تأويلية متعددة المداخل، تجعل النص مركزًا للتحليل، وتتعامل مع عناصره السردية والدلالية والنفسية والاجتماعية بوصفها بنية متكاملة، لا مداخل منفصلة.
ومن خلال هذا التفاعل تسعى الدراسة إلى استكشاف الكيفية التي يعيد بها النص بناء المعنى عبر عناصره الفنية، بعيدًا عن أي قراءة تنطلق من افتراضات خارجية أو أحكام مسبقة.
وتستند الدراسة[1] إلى فرضية مؤداها أن
القصة لا تجعل من الوباء موضوعها الرئيس، ولا من الحب غايتها النهائية، وإنما تكشف كيف يستعيد الإنسان معنى الحياة عندما يجد نفسه محاصرًا بثقافة الخوف؛ فتغدو الصورة فعلًا رمزيًا يتجاوز التوثيق، ويصبح الحب قوةً تعيد للوجود توازنه في مواجهة هشاشته.
عتبات النص
لكل نص عتباته التي تسبق الدخول إلى عالمه، وهي لا تمنح القارئ مفاتيح جاهزة للتأويل، بقدر ما تفتح أمامه أفقًا من الأسئلة والاحتمالات.
ومن بين هذه العتبات تبرز هوية المبدع الإبداعية بوصفها أول ما يستقبل المتلقي قبل الشروع في القراءة.
ينتمي الكاتب عصام هدية إلى عالم الشعر في المقام الأول، وقد صدرت له عدة دواوين في قصيدة النثر قبل أن يتجه إلى كتابة القصة القصيرة.
ومن ثم فإن قراءة “صورة سلفى” لا تنطلق من افتراض أن الشاعرية ستفرض هيمنتها على السرد، وإنما تضع أمامها سؤالًا نقديًا مشروعًا:
إلى أي مدى استطاع القاص أن يحرر أدواته السردية من سلطة الشاعر؟
وهل جاءت اللغة الشعرية عنصرًا يثري البناء القصصي ويكثف دلالاته، أم أنها نافست السرد على مركزه؟
إن هذا السؤال لا يهدف إلى إصدار حكم مسبق، بل إلى تحديد أفق القراءة، تاركًا للنص وحده أن يقدم إجابته عبر بنائه الفني ولغته ورؤيته.
وتأتي عتبة العنوان، “صورة سلفى”، لتضيف سؤالًا آخر لا يقل أهمية. فالعنوان يحيل إلى فعل يومي مألوف ارتبط بثقافة الصورة واللحظة العابرة، لكنه في الوقت نفسه يثير فضول القارئ: هل ستكون الصورة هنا مجرد حدث عابر، أم أنها ستغدو حاملًا لمعنى يتجاوز وظيفتها التسجيلية إلى أفق رمزي وإنساني أرحب؟
هكذا تضعنا العتبتان معًا أمام أفق انتظار مزدوج؛ فمن جهة نترقب العلاقة بين الشاعر والقاص داخل النص، ومن جهة أخرى نترقب التحول الذي قد يطرأ على دلالة "السيلفي" من مجرد صورة توثق لحظة إلى علامة سردية تنتج معناها داخل نسيج القصة نفسها.
وما بين هذين السؤالين يبدأ النص في الكشف عن عالمه، دون أن نفرض عليه إجابة قبل أن ينطق بها.
المعمار السردي... كيف شُيِّد عالم القصة؟
لا تعتمد قصة “صورة سلفى” على كثرة الأحداث أو تشعبها، بل تبني عالمها السردي على لحظة واحدة مكثفة، تتولد منها حركة النص كلها.
فالقصة لا تلاحق الوقائع بقدر ما ترصد تحولات الوعي والانفعال، ولذلك يبدو الحدث الخارجي محدودًا، بينما يتسع الحدث الداخلي تدريجيًا حتى يبلغ ذروته في المشهد الأخير.
أولًا: الراوي... عينٌ من داخل التجربة
اختار الكاتب راوياً بضمير المتكلم، وهو اختيار يضع القارئ في قلب التجربة منذ الجملة الأولى:
“نظرت إليَّ وهي لا تصدق ما أقول...”
فالراوي هنا ليس ناقلًا للأحداث من الخارج، بل طرفٌ أصيل فيها، يرى ويشعر ويعلّق، الأمر الذي يمنح السرد طابعًا ذاتيًا، ويجعل المتلقي يعيش الحدث من زاوية واحدة هي زاوية البطل.
غير أن هذا القرب من الشخصية لا يتحول إلى استغراق في الوصف النفسي، بل يبقى مرتبطًا بالفعل والحوار، وهو ما يحافظ على إيقاع القصة رغم محدودية الحدث.
ثانيًا: الشخصيات... ثنائية تكفي لبناء الصراع
يقيم النص بنيته على شخصيتين فقط، دون أسماء أو أوصاف شكلية، وكأن الكاتب يتعمد تجريد الشخصيتين من خصوصيتهما الفردية ليجعلهما قابلتين للتمثيل الإنساني الأوسع.
الشخصية الأولى هي الراوي، الذي يبدو في البداية ساخرًا من حالة الهلع التي تسيطر على محدثته، لكنه يكشف تدريجيًا عن دافع مختلف تمامًا؛ فالسخرية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لكسر طوق الخوف الذي يحاصرها.
أما الشخصية الثانية، فتبدأ من موقع النقيض؛ إذ تسيطر عليها مشاعر القلق، وتستند في موقفها إلى ما تراه من أخبار الإصابات والوفيات، فتجسد استجابة إنسانية طبيعية لواقع يهدد الحياة.
ومن خلال هذا التقابل لا يصنع الكاتب مواجهة بين شخصيتين بقدر ما يصنع مواجهة بين حالتين نفسيتين ورؤيتين مختلفتين للعالم.
ثالثًا: الحدث... من التوتر إلى الانفراج
يتحرك الحدث في خط سردي بسيط ومتصل، يمكن تقسيمه إلى أربع لحظات متتابعة:
صدمة المرأة من حديث الراوي.
تصاعد التوتر عبر الحوار والاختلاف في الموقف.
المفاجأة المتمثلة في طلب التقاط صورة "سيلفي"، ثم الاعتراف الضمني بالحب.
التحول النهائي بانهيار مقاومة المرأة واستجابتها العاطفية.
ورغم بساطة هذا البناء، فإنه يحقق تماسكًا واضحًا؛ إذ تنمو كل لحظة من سابقتها دون قفزات، حتى تبلغ النهاية التي تمثل نقطة التحول الرئيسة في القصة.
رابعًا: الزمن... لحظة قصيرة تتسع لدلالات أوسع
الزمن الخارجي لا يتجاوز دقائق معدودة، لكنه زمن مشحون بانفعالات متلاحقة. ولا يحتاج الكاتب إلى استرجاعات زمنية أو قفزات مستقبلية؛ إذ يكتفي بالإشارة إلى واقع عام يتمثل في انتشار الوباء وما صاحبه من أخبار الموت، وهو ما يمنح اللحظة الراهنة ثقلها النفسي.
وهكذا يصبح الزمن النفسي أطول أثرًا من الزمن الواقعي، لأن ما يتغير ليس مرور الدقائق، بل موقف الشخصيتين من الحياة.
خامسًا: المكان... فضاء محايد يفسح المجال للحدث
لا يحدد النص مكان اللقاء، فلا نعرف إن كان مقهى أو شارعًا أو منزلًا.
وهذا الإغفال ليس نقصًا في البناء، بل يبدو اختيارًا فنيًا؛ إذ يتراجع المكان إلى الخلف ليترك مركز المشهد للحوار والانفعال.
وبذلك يغدو المكان فضاءً مفتوحًا، صالحًا لأن يحتضن التجربة الإنسانية أينما وقعت، دون أن يقيدها بإحداثيات واقعية محددة.
سادسًا: اللغة والحوار... السرد في مواجهة الشاعرية
تعتمد القصة اعتمادًا كبيرًا على الحوار، حتى يكاد يكون هو المحرك الأساسي للحدث. والسرد يتدخل بقدر ما يصف الانفعالات والحركات، ثم ينسحب ليترك الشخصيتين تكشفان عن نفسيهما من خلال الكلام.
أما اللغة، فعلى الرغم من الخلفية الشعرية للكاتب، فإنها تميل في معظمها إلى الوضوح والاقتصاد، وتبتعد عن الزخرفة البلاغية الكثيفة. ومع ذلك، تبرز بين الحين والآخر عبارات ذات نفس شعري، مثل قوله:
“الآن أنا وأنت هنا... وسنبقى للأبد.”
فهذه العبارة لا تؤدي وظيفة إخبارية، بل تحمل شحنة رمزية وعاطفية تتجاوز معناها المباشر.
ومن ثم، لا يمكن في هذه المرحلة القول إن الشاعر قد غلب القاص، أو العكس؛ وإنما يمكن الاكتفاء بملاحظة أولية مفادها أن اللغة تحتفظ بأثر واضح للحس الشعري، دون أن يخل ذلك (حتى الآن) بتماسك البناء السردي. وسيظل هذا السؤال مفتوحًا إلى أن تكتمل القراءة في المداخل التالية.
حين تتكلم الأشياء... شبكة الرموز والدلالات
إذا كان المعمار السردي قد كشف كيف شُيِّد النص، فإن المستوى الدلالي يكشف كيف تتجاوز عناصره وظيفتها المباشرة لتصبح علامات منتجة للمعنى. ففي “صورة سلفى” لا يكتفي الكاتب بسرد واقعة عاطفية، بل يجعل من أشياء يومية مألوفة (الهاتف، الصورة، الابتسامة، الهمسة)أدوات لبناء رؤية تتجاوز ظاهر الحدث.
أولًا: العنوان... من الصورة إلى الرمز
يبدو عنوان “صورة سلفى” لأول وهلة عنوانًا بسيطًا يحيل إلى ممارسة يومية ارتبطت بعالم الهواتف الذكية. غير أن النص يعيد تعريف هذا الفعل المألوف، فلا تصبح الصورة مجرد توثيق للحظة، بل محاولة للاحتفاظ بها خارج سلطة الزمن.
وهكذا ينتقل العنوان من دلالته التقنية إلى دلالة إنسانية؛ فالصورة لا تُلتقط من أجل التذكر فقط، وإنما لمقاومة النسيان، وكأنها محاولة رمزية لتأجيل الفناء.
ثانيًا: الهاتف... وسيط بين عالمين
لا يؤدي الهاتف في القصة وظيفة وسيلة اتصال فحسب، بل يتحول إلى محور دلالي تتقاطع عنده رؤيتان متناقضتان.
فعند المرأة يصبح أداة لمتابعة الأخبار، والاطمئنان إلى ما تنقله الشبكات عن الوباء، لذلك تغضب حين لا تستجيب الشبكة، لأن انقطاعها يعني انقطاع صلتها بالعالم الذي تستمد منه يقينها وخوفها.
أما عند الراوي، فإن الهاتف يتحول إلى وسيلة لصنع ذكرى، لا لتلقي خبر. وبين الوظيفتين تتشكل المفارقة؛ فالأداة واحدة، لكن معناها يتغير بتغير نظرة مستخدمها.
ثالثًا: الفيروس... حضور يتجاوز المرض
لا يحضر الفيروس في النص بوصفه موضوعًا طبيًا، بل بوصفه رمزًا لحضور الموت في الوعي الجمعي.
فالكاتب لا يذكر أسماء مدن، ولا أرقام إصابات، ولا حتى اسم الوباء، وإنما يكتفي بإشارات مقتضبة:
“الشبكة أصابها الفيروس...”
“الحجر الصحي...”
“الإصابات وحالات الوفاة...”
وهذه الإشارات لا تصنع خلفية زمنية فحسب، بل تؤسس مناخًا نفسيًا يفسر حالة الذعر التي تعيشها الشخصية النسائية.
رابعًا: الابتسامة... فعل مقاومة
قد يبدو طلب الراوي: “ابتسمي...”
طلبًا عابرًا تقتضيه الصورة، لكنه يكتسب داخل السياق معنى آخر.
فالابتسامة هنا ليست تعبيرًا عن الفرح بقدر ما هي موقف في مواجهة الخوف. ولهذا يكرر الراوي طلبه بإصرار، وكأنه يدعو الشخصية إلى استعادة قدرتها على الحياة، ولو للحظة واحدة.
ومن ثم تغدو الابتسامة أول خطوة في التحول النفسي الذي سينتهي بقبول الحب.
خامسًا: الهمسة... دلالة المسكوت عنه
لا يخبرنا النص بما قاله الراوي في أذن المرأة، بل يكتفي ببيان أثر الهمسة:
“جعلتها تتخلى عن كل حيطتها وقلقها وتوترها...”
وهنا يختار الكاتب أن يحذف القول ويُبقي أثره، فينتقل مركز الاهتمام من الكلمات نفسها إلى قدرتها على إحداث التحول.
وهذا الحذف يفتح باب التأويل أمام القارئ، ويجعل الهمسة رمزًا لكل كلمة حب صادقة تستطيع أن تبدد الخوف.
سادسًا: النهاية... الصورة بوصفها انتصارًا رمزيًا
تبلغ الشبكة الدلالية ذروتها في قول الراوي: “الآن أنا وأنت هنا... وسنبقى للأبد.”
هذه العبارة لا يمكن قراءتها قراءة حرفية، لأن الشخصيتين لا تملكان الانتصار على الزمن أو الموت. لكنهما تملكان الانتصار على النسيان؛ فالصورة تحفظ لحظة من الوجود، وتجعلها قابلة للاستعادة كلما استُدعيت.
ومن هنا لا يصبح "الأبد" زمنًا واقعيًا، بل زمنًا رمزيًا تصنعه الذاكرة.
الإنسان بين عدوى الخوف وعدوى الحب... قراءة سوسيوسيكولوجية
تنطلق قصة “صورة سلفى” من موقف فردي يبدو في ظاهره حوارًا بين رجل وامرأة، غير أن هذا الحوار لا ينفصل عن سياقه الاجتماعي.
فالشخصيتان تتحركان داخل عالم اجتاحه وباء عالمي، غيّر أنماط التفكير والسلوك، وأعاد تشكيل علاقة الإنسان بالحياة وبالآخرين. ومن هنا لا يصبح الخوف حالة نفسية فردية فحسب، بل استجابة اجتماعية تشكلت تحت ضغط واقع استثنائي.
أولًا: الخوف بوصفه ظاهرة اجتماعية
لا يصف النص الوباء نفسه، بل يصف أثره في الوعي الإنساني.
فالمرأة لا تتحدث عن تجربة شخصية مع المرض، وإنما تستند إلى ما يحيط بها من أخبار وإحصاءات:
“ألم تقنعك كل هذه الأنباء عن الموت الذي يحيط بنا؟”
إنها لا ترى العالم بعينيها وحدهما، بل بعين الخطاب الإعلامي الذي جعل الموت حاضرًا في كل لحظة. وهكذا تتحول الأخبار من وسيلة معرفة إلى مصدر دائم لإنتاج القلق.
وفي هذا السياق يغدو الخوف تجربة جماعية؛ فالإنسان لا يخاف مما يراه فقط، بل مما يتكرر أمامه حتى يستقر في وعيه بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ثانيًا: السخرية... آلية نفسية لمقاومة الرعب
في المقابل، لا يواجه الراوي هذا الخوف بالإنكار المباشر، وإنما بالسخرية.
حين يقول: “ربما الشبكة أصابها الفيروس...”
فهو لا يقدم تفسيرًا منطقيًا، بل يستخدم المفارقة الساخرة ليخفف من وطأة التوتر.
ومن منظور سيكولوجي، تبدو السخرية هنا آلية دفاع نفسي، يلجأ إليها الإنسان حين يعجز عن تغيير الواقع، فيحاول أن يقلل من سلطته عليه بتحويله إلى مادة للمفارقة.
إذن فالسخرية ليست استهتارًا بالموت، وإنما طريقة مختلفة للتعامل مع حضوره الطاغي.
ثالثًا: الحب... استعادة للثقة بالوجود
يبلغ التحول النفسي ذروته عندما يكشف الراوي عن حبه.
والمثير أن الاعتراف لا يأتي في صورة تصريح مباشر، بل في سلسلة أفعال تبدأ بالإصرار على التقاط الصورة، ثم الهمسة، ثم الإمساك باليد، وصولًا إلى القبلة.
إن الحب هنا لا يقدم بوصفه نهاية رومانسية، بل بوصفه فعلًا يعيد للإنسان توازنه النفسي.
ولهذا لا تقول المرأة: “أحبك.” بل تقول: “سأبقى لأجلك على قيد الحياة طول العمر.”
وهذه العبارة تكشف أن الدافع إلى الحياة لم يعد نابعًا من الخوف من الموت، بل من وجود معنى يستحق أن تُعاش الحياة من أجله.
رابعًا: من الخوف الفردي إلى الأمل الإنساني
ينتهي النص بتحول واضح في موقف المرأة.
فالشخصية التي بدأت أسيرة القلق تنتهي أكثر قدرة على مواجهة المستقبل، لا لأن الواقع قد تغير، بل لأن رؤيتها إليه قد تغيرت.
وهنا يطرح النص فكرة ذات بعد سوسيوسيكولوجي مهم؛ فالأزمات الكبرى لا تهدد الجسد وحده، بل تهدد المعنى أيضًا. وعندما يفقد الإنسان معنى حياته، يصبح الخوف أكثر قدرة على السيطرة عليه.
أما حين يستعيد هذا المعنى، فإنه يصبح أقدر على مقاومة الخوف، حتى لو ظل الخطر قائمًا.
ومن ثم لا يقدم النص الحب علاجًا للمرض، وإنما يقدم المعنى علاجًا للهلع.
خامسًا: الإنسان في مواجهة ثقافة الخوف
يمكن قراءة القصة بوصفها مواجهة بين ثقافتين:
الأولى، ثقافة تكرس الإحساس الدائم بالخطر، حتى يصبح الإنسان أسيرًا لما يسمعه ويراه من أخبار.
والثانية، ثقافة تؤمن بأن الإنسان لا يستطيع أن يواجه الموت بالخوف وحده، وإنما يحتاج إلى روابط إنسانية تمنحه سببًا للاستمرار.
ومن هذا المنظور، لا ينحاز النص إلى الاستهانة بالخطر، كما لا ينحاز إلى الاستسلام له، بل يدعو إلى استعادة التوازن بين الوعي بالواقع والتمسك بالحياة.
ما لم يقله النص... الفراغات والمسكوت عنه
لا تقتصر دلالة النص على ما يصرح به، بل تمتد إلى ما يؤثر في حذفه، ويترك للقارئ مهمة استكماله. وهذه الفراغات ليست نقصًا في البناء، وإنما تقنية سردية تجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى.
وفي “صورة سلفى” تتوزع هذه الفراغات في أكثر من موضع، حتى يبدو الصمت نفسه أحد مكونات الخطاب السردي.
أولًا: بلا أسماء... حين يتراجع الفرد لصالح الإنسان
يمتنع الكاتب عن تسمية شخصيتيه، فلا نعرف اسم الراوي، ولا اسم المرأة.
وليس هذا الإغفال عرضيًا؛ إذ لا يؤثر غياب الأسماء في فهم الحدث، بل يحرره من خصوصيته، لتصبح الشخصيتان قابلتين لأن تمثلا أي رجل وأي امرأة يواجهان الظروف ذاتها.
وهكذا يتحول الحوار من واقعة شخصية إلى تجربة إنسانية عامة، تتجاوز حدود الأفراد إلى الإنسان في لحظة ضعفه وأمله.
ثانيًا: المكان الغائب... عالم يمكن أن يكون في أي مكان
كما يغيب الاسم، يغيب المكان أيضًا.
لا يخبرنا النص أين يجلسان، ولا في أي مدينة، ولا في أي فضاء تدور الأحداث.
وهذا الصمت المكاني يجعل القصة أقل ارتباطًا بجغرافيا بعينها، وأكثر التصاقًا بالحالة الإنسانية التي يمكن أن تتكرر في أي مكان عرف الخوف من الوباء، أو أي أزمة تهدد الإحساس بالأمان.
ثالثًا: الهمسة... فراغ يصنع المعنى
يبلغ الحذف ذروته في المشهد الذي يقول فيه السارد: “وهمست في أذنها كلمات جعلتها تتخلى عن كل حيطتها وقلقها وتوترها...”
إن الكاتب لا يحذف الكلمات عجزًا عن صياغتها، بل لأنه يدرك أن التصريح سيغلق باب التأويل، بينما الحذف يفتحه.
ولو أفصح عن تلك الكلمات لتحولت إلى جملة تخص الشخصية، أما حين أخفاها، فقد أصبحت كل كلمة حب صادقة يمكن أن يتخيلها القارئ.
إن النص هنا لا يمنحنا القول، بل يمنحنا أثره، ويترك لكل قارئ أن يملأ هذا الفراغ بما يراه أكثر قدرة على إحداث ذلك التحول النفسي.
رابعًا: الحب الذي لم يُقَل
يخبرنا الراوي: “فأنا حتى تلك اللحظة لم أكن صارحتها بحبي.”
لكن اللافت أن النص لا ينقل لحظة التصريح نفسها.
فالكاتب يتجاوز الاعتراف المباشر، ويجعل الحب يُقرأ من خلال الأفعال؛ من الإصرار، والنظرة، والهمسة، والإمساك باليد، والقبلة.
وكأن النص يقول إن بعض المشاعر تبلغ تمامها بالفعل أكثر مما تبلغه باللغة.
خامسًا: المستقبل... نهاية مفتوحة على الاحتمال
تنتهي القصة بقول المرأة: “سأبقى لأجلك على قيد الحياة طول العمر.”
لكن النص لا يخبرنا ماذا حدث بعد ذلك.
هل انتصرا على الوباء؟
هل استمرت علاقتهما؟
هل كانت الصورة بداية حياة مشتركة أم مجرد لحظة عابرة؟
كل هذه الأسئلة يتركها الكاتب معلقة، لأن غايته ليست كتابة ما سيحدث لاحقًا، بل تثبيت اللحظة التي تغير فيها معنى الحياة بالنسبة للشخصيتين.
ومن ثم فإن النهاية لا تغلق الحكاية، بل تفتحها على احتمالات متعددة.
سادسًا: ما الذي لا يقوله النص عن الموت؟
على الرغم من أن الموت حاضر في معظم الحوار، فإن الكاتب لا يصوره، ولا يجعل أحدًا يموت، ولا يقدم مشاهد مأساوية.
إنه يكتفي بجعل الموت حاضرًا بوصفه احتمالًا دائمًا، لا بوصفه حدثًا واقعًا.
وهذا الاختيار يحول الموت من واقعة إلى شعور، ومن حدث خارجي إلى حالة نفسية تهيمن على الشخصيات، وهو ما ينسجم مع الرؤية العامة للنص.
الخاتمة
تكشف القراءة السوسيوسيكولوجية، في ضوء التحليل البنيوي والتأويلي، أن قصة “صورة سلفى” تتجاوز ظاهرها بوصفها حكاية لقاء عاطفي جرى في زمن الوباء، لتطرح سؤالًا أعمق يتعلق بكيفية حفاظ الإنسان على معنى وجوده عندما يصبح الخوف هو اللغة السائدة.
فالنص لا ينشغل بتوثيق مرحلة تاريخية، ولا يقدم خطابًا عن المرض أو الحب في ذاتهما، وإنما يستثمرهما لبناء رؤية إنسانية تتأمل أثر الخوف في الوعي، وقدرة الإنسان على استعادة توازنه الداخلي من خلال ما يمنح حياته معنًى.
وقد أظهر التحليل أن البناء السردي اعتمد على حدث محدود في ظاهره، لكنه مكثف في دلالاته، وأن العناصر الفنية لم تؤدِّ وظائفها منفصلة، بل تضافرت في إنتاج رؤية واحدة؛ فالراوي، والحوار، والرموز، والفراغات النصية، جميعها عملت على نقل مركز الاهتمام من الواقعة نفسها إلى التحول النفسي الذي يصيب الشخصيتين.
ومن ثم لم تعد صورة "السيلفي" مجرد تسجيل للحظة، بل غدت علامة رمزية على محاولة الإنسان الاحتفاظ بما يواجه به هشاشة الزمن، بينما تجاوز الحب وظيفته العاطفية ليصبح استعادةً لمعنى الحياة في مواجهة هيمنة الخوف.
ومن هذا المنظور تتأكد الفرضية التي انتهت إليها الدراسة؛ إذ إن النص لا يواجه الخوف بإنكار الموت، ولا يقترح الحب بديلًا عن الواقع، وإنما يكشف أن الإنسان يستطيع مقاومة استبداد الخوف حين يجد في الآخر، وفي الذاكرة، وفي اللحظة الإنسانية الصادقة، ما يعيد إلى الحياة معناها.
وهنا تتبدى القيمة الفنية للقصة في قدرتها على تحويل فعل يومي عابر، هو التقاط صورة "سيلفي"، إلى رمز إنساني يتجاوز خصوصية الحدث، ويفتح أفقًا للتأمل في علاقة الإنسان بالحياة عندما تصبح مهددة بالفناء.
وعلى الرغم من أن هذه القصة تمثل واحدة من التجارب السردية المبكرة للكاتب، فإنها تكشف عن وعي واضح بالاقتصاد السردي، وبالقدرة على توظيف الرمز والحذف في خدمة الدلالة.
كما أن الخلفية الشعرية للمؤلف لم تفرض هيمنتها على السرد، بل حضرت في حدود منحت اللغة كثافة وإيحاءً دون أن تعطل حركة الحكي أو تخل بتماسك البناء.
وبهذا ينجح النص في تحقيق توازن لافت بين الحس الشعري ومقتضيات الفن القصصي، بما يجعل هذه التجربة جديرة بالالتفات، ومؤشرًا على قابلية هذا الصوت الإبداعي لمواصلة تطوير أدواته السردية.
الهوامش
(1) هذه الدراسة النقدية تم تقديمها فى ندوة القراءات القصصية التى تم تنظيمها فى اطار أنشطة معرض مكتبة الاسكندرية الدولى للكتاب (الدورة 21) بتاريخ 13 يوليو 2026



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الرؤية والتعاطف: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “وشاح أحمر ...
- جدلية النجاة والخلود: قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخل ف ...
- مفارقات الوعي بين الواقع والتخييل: قراءة سوسيو–سيكولوجية في ...
- بين ثلاثة أوطان... قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة “سفر” لأسامة ...
- من هندسة السرد إلى تأويل الذاكرة: قراءة سوسيو-سيكولوجية في ق ...
- من ثقل الأختام إلى خفة الريشة: قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة ...
- جدلية الرؤية والحصار: قراءة سوسيوسيكولوجية في قصة “معركة خاس ...
- المرآة بوصفها ذاكرة: تحولات الهوية والزمن في قصة “أنا آسف يا ...
- وشم الصورة: تحولات الجسد والهوية من منظور سوسيو-سيكولوجي في ...
- من السلطة الخارجية إلى الرقابة الداخلية: قراءة سوسيو–سيكولوج ...
- الأصداف وأفق البقاء .. قراءة سوسيوسيكولوجية في قصيدة “هي أصد ...
- جماليات التحول وإعادة تشكيل الفاجعة فى القصة القصيرة جدًا- ق ...
- التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكا ...
- من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو ...
- المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ ...
- «غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي ...
- الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة ...
- بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع ...
- الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن ...
- الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال ...


المزيد.....




- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - استعادة المعنى في زمن الخوف .. دراسة سوسيوسيكولوجية في ضوء تحليل بنيوي وتأويلي لقصة “صورة سلفى” لعصام هدية