عزيز باكوش
إعلامي من المغرب
(Bakouch Azziz)
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 18:47
المحور:
الصحافة والاعلام
إلى الزميل بوعبيد المكناسي باريس
في باحة التروكاديرو بباريس، حيث تتقاطع أعين السياح مع برج إيفل، استوقفتني لقطة صغيرة، لكنها بدت لي كأنها تختصر تحوّلا كبيرا في حياتنا.
كان مصور متجول يقف في مكانه يحمل كاميرته بكل ما توحي به من مهنية وانتظار. عيناه تبحثان عن زبون محتمل، وعن سائح يطلب منه أن يحفظ له لحظة باريسية لا تُنسى. لكن المفارقة أن لا أحد لم يشر إليه طوال فترة انشغالي بالمتابعة والفضول . الأصابع والعيون والخيال والفضول والشغف الجميع كان منشغلا بشيء آخر… زر الهاتف الذكي. ليظل المصور ينتظر… والهاتف الذي لا ينتظر أحدا. هل يعني ذلك أن المصورين المتجولين في طريقهم فعلا إلى الانقراض؟ ربما… وربما لا.
كل سائح هنا تقريبا يحمل الآن كاميرا وربما إثنين في جيبه، كاميرات الجيل الجديد لا تحتاج إلى حقيبة ولا إلى عدسات إضافية، ولا إلى مصور ينتظر أمام برج إيفل أو حديقة تويلتري ومحيط متحف اللوفر . صورة واحدة، ثم تعديل سريع، ثم نشر فوري، وقد تصبح باريس كلها شاهدة على اللحظة قبل أن يغادر صاحبها المكان. وقفت أتأمل المصور، وشعرت أنني لا أنظر فقط إلى رجل ينتظر زبونا، وإنما إلى مهنة تقف على حافة زمن جديد. كم من مهنة ظن أصحابها أنها خالدة، قبل أن تأتي تقنية صغيرة فتغيّر قواعد الاشتباك ؟
آلة التصوير ألغت شيئا من عمل الرسام، والتصوير الرقمي أربك عالم الأفلام التقليدية، والهاتف الذكي وضع بين أيدينا كاميرا واتصالا ومحررا ووسيلة نشر في جهاز واحد. فالتكنولوجيا التي تتقدم بجنون تستطيع أن تجعل الجميع مصورين، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تجعل الجميع مصوّرين جيدين. الهاتف يلتقط الصورة، أما العين فتختار اللحظة.
وهنا قد يكون مستقبل هذه المهنة . ليس في منافسة الهاتف، وإنما في تقديم ما لا يستطيع الهاتف أن يقدمه وحده الذوق والزاوية والإحساس واللحظة التي لا تتكرر. ومع ذلك بقي المشهد في ذهني: رجل يحمل كاميرا وينتظر زبونا… ومئات الهواتف تلتقط باريس دون أن تنتظر أحدًا. ربما لم يكن المصور ينتظر زبونا فقط كان ينتظر زمنا يعود… أو مهنة تعثر على شكل جديد للحياة.
#عزيز_باكوش (هاشتاغ)
Bakouch__Azziz#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟