أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - ساعاتنا من يصلحها؟














المزيد.....

ساعاتنا من يصلحها؟


عزيز باكوش
إعلامي من المغرب

(Bakouch Azziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


في زاوية متواضعة من أحد أكثر الأحياء شعبية وحركة بمنطقة ولاد وجيه ، يجلس مصلح الساعات القرفصاء كأنه مولود قادم من زمن غابر . كان أربعينيا هزيلا وقد انزلقت نظاراته الكأسية بفعل الحرارة لتستقر على حافة أنفه مثل رسم كاريكاتوري . كان كل رأسمال الرجل كرسي بأرجل متنافرة و صندوق خشبي مهترئ دون ظهر يحتضن بعض أدوات حرفته التي لا تتجاوز أصابع اليد يجرها أو تجره في الغدو والرواح. رجل دعكت ملامحه عبر الزمن الكدمات. يجلس على الهامش بلا لافتة ولا واجهة تجارية منمقة خارج الزمن و قوانين المدنية الظالمة . ومع كل ذلك يحمل بين أصابعه معرفة لا تقاس بالمظهر ولا بالمكان. كأنه يحمل عمره المهني كله بين يديه.
زبناؤه يعرفونه ويعرفهم جيدا. أغلبهم من أبناء المدينة، ونصفهم تجاوزوا الخمسين من العمر. يأتونه حاملين ساعات يدوية بأسماء محفورة في ذاكرة أنهكها الزمن، فيعيد إليها نبضها كما يعيد الطبيب الحياة إلى قلب متعب. عند هذا الكهل القادم من واد أمليل إقليم تازة لا وجود لعبارة “غير قابلة للإصلاح”. فكل ساعة بأشكالها وأحجامها يمكن أن تستعيد دقاتها، وكل عطب له حل، إما بقطعة بديلة أو بلمسة خبير يعرف أسرار المعدن والعقارب والتروس الدقيقة.
ناولته -الروليكس- بحذر كما لو كانت قطعة من الجسد وهي التي فقدت واحدا من أهم أدوات تشغيلها في ظروف غامضة . ساعة تحمل اسم ماركة عالمية لكنها مقلدة أهداني إياها العزيز إبراهيم إسماعيل في دبي بالإمارات ربيع السنة الجارية . وقد فقدت –الرومونطوار- الدفاش - ذلك الجزء الصغير المدور المسؤول عن ضبط الوقت وتحريك العقارب. فتحها الكهل بهدوء جراح متمرس، وغاص بين أجزائها الدقيقة باحثا عن الحل. وخلال دقائق قليلة، وبينما كان يشتغل على ساعتي، أصلح خمس “بريكولات” أخرى بقيمة تناهز 120 درهما معظمها يتعلق بتعديل الأساور وضبط العقارب ومعالجة اهتزازاتها. كما أجّل ثلاث إصلاحات أخرى إلى وقت لاحق.

طوال الوقت كان يضع نظارتين تتدليان على وجهه في مشهد يشبه مهندسا بارعا بدون دبلومات. لكن خلف تلك الصورة البسيطة تختبئ خبرة طويلة وثقة هادئة بالنفس. سألته عن أصله فقال ،إنه من واد أمليل بإقليم تازة. ابتسمت وقلت له إننا نتقاسم الهوية نفسها. اكتفى بابتسامة مقتضبة وعاد إلى عالمه الصغير عالم القطع والتركيب، وكأن الزمن نفسه ينتظر بين أصابعه.
بعد نحو عشر دقائق من العمل طلب أربعين درهما. 4 دولار . لم يكن المبلغ ثمنا للوقت، بل ثمنا لسنوات طويلة من التعلم والخبرة والصبر. فاوضته وأديت خمسة وعشرين درهما فقط، لكن الحقيقة، لو أصر عبد الكريم وهذا اسمه على المبلغ كاملا لأديته عن طيب خاطر، لأن الرجل لم يكن يبيع دقائق من العمل، بل كان يبيع خبرة عملية ومهنة استغرقته وتراكمت عبر عقود.

بعد بضع دقائق غادرت المكان وساعتي تدق من جديد، لكنني حملت معي درسا أثمن من إصلاحها. فقد رسخ هذا الساعاتي في ذاكرتي حقيقة بسيطة وعميقة الصنعة المتقنة رأس مال لا يصدأ، والخبرة الصادقة كنز لا تفقده تقلبات الزمن. وكما يقول المثل الصنعة إلى ما غنات تكسي، ومن أتقن حرفته امتلك مفاتيح كرامته ورزقه أينما حل وارتحل.



#عزيز_باكوش (هاشتاغ)       Bakouch__Azziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - نساء في دائرة الضوء - للمصور الصحفي بوعبيد المكناسي الصادر ...
- أيقونة الكوميديا في مصر والعالم العربي. الزعيم عادل إمام
- عادل إمام على عرش النجومية لأكثر من 40 عاما في المسرح أو الس ...
- لذة القراءة المتباعدة
- سيرة حياة درامية للفنان المصري الراحل سيد زيان
- النيل في رواية -موسم الهجرة إلى الشمال – للطيب صالح صراع داخ ...
- بفاس - المغرب - مجموعة من الشعراء بقراؤون قصائد مدح في حق زو ...
- الإلقاء أقوى آليات الجذب وتعزيز التلقي
- فعاليات المؤتمر الدولي بفاس المغرب المنظم من طرف مختبر الدرا ...
- حول تشيخوف لقاءات وانطباعات – ذكريات ميخائيل تشيخوف عن شقيقه ...
- النجم كلاوس كينسكي سمعته مرعبة لكن الكاميرا تحبه
- إعانة الطفل في المنظومة الكندية دعم أم استعباد ؟
- الجوائز بين التحفيز الرمزي والالتباس
- دوتسوفسكي المقامر المريض الذي يكتب الرواية لأداء ديونه المتل ...
- بتكريم عبد الحي الرايس الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة تكرس ...
- الكاريكاتور فن الدهشة في الابتكار ومحاكاة الواقع
- تقديم كتاب :-تجليات الحرف العربي في الفن المعاصر، حوار التجر ...
- رواية - ذات الكيمونو الأبيض – للأمريكية آنا جونز كشف رحيم له ...
- هو أصلع وكاريزما. عندما يقف مائلا بنظرة الواثق من نفسه يسهل ...
- برواية - راس لقليعة –الخربة رقم 4 - تكتمل ثلاثية الهشاشة في ...


المزيد.....




- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...
- السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث ...
- -حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه
- وزارة الثقافة الروسية تعلن نمو الإقبال السنوي على المكتبات ب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - ساعاتنا من يصلحها؟