أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - بوليسي ..














المزيد.....

بوليسي ..


عزيز باكوش
إعلامي من المغرب

(Bakouch Azziz)


الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 18:51
المحور: الادب والفن
    


صعد إلى الحافلة رجل وامرأة، وبينهما طفل في العاشرة من عمره، بدا كأنه يمسك بيديهما معا أكثر مما يمسكان به. كان الرجل خمسيني على وجه المعيار يرتدي عباءة سوداء واسعة، تسبقه إلى الحافلة هيبةٌ حاول أن يصنعها بملامحه، وبابتسامة جاهزة ألفها كلما صعد وسيلة نقل أو وقف أمام غريب.
وما إن بلغ عتبة باب الحافلة حتى ألقى ابتسامته المعتادة، وقال شيئا وهو يعرّف بنفسه. لكن المرأة المكلفة ببيع التذاكر لم تكلف نفسها حتى عناء النظر إليه. كانت ضخمة الجثة، واقفة وراء جهاز التذاكر وخانات الصرف. تحتل من المكان ما يكاد يحجب الباب الهيدروليكي للحافلة، ذلك الباب الذي كان يفتح ويغلق ببطء، مطلقا زفيرا معدنيا متقطعا يشبه أنين دبابة صدئة تستعيد أنفاسها بعد معركة طويلة.

توقف الرجل لحظة. كان ينتظر أن تحدث كلمته أثرا. لم يحدث شيء. نظر إلى المكلفة، ثم إلى السائق، ثم أعاد ابتسامته إلى وجهه، كأن شيئا لم يكن. اقترب قليلًا من السائق الملتحي، وانحنى نحوه هامسًا: — بوليسي!
قالها هذه المرة بنبرة أوضح، وكأنه كشف كلمة السر.
رفع السائق عينيه إليه. قرأ في ملامحه شيئا من الجدية، ثم فهم أن الرجل يريد أن يقول إن صفته - بوليسي - تخوله تجاوز ما يطلبه الآخرون. لكن السائق ظل متشبثا بمقود الحافلة، وكأن المقود في تلك اللحظة صار أكثر أهمية من صاحب العباءة. كان يعرف تعليمات الشركة جيدا. لا أحد يصعد بلا تذكرة.
وسرعان ما أومأ برأسه يمينا ويسارا، ثم ألقى نظرة قصيرة على المكلفة التي فهمت الإشارة. قطبت حاجبيها، وقالت للرجل صاحب العباءة ببرود لا يحتاج إلى شرح «التذاكر… لابد" عاد الرجل إلى ابتسامته.
كانت ابتسامة غريبة هذه المرة صفراء، ثابتة، كأنها لم تعد تعبيرا عن الرضا بقدر ما أصبحت وسيلة لإخفاء شيء آخر. قال مرة ثانية، وكأنه يمنحها فرصة أخيرة لفهم مقامه:
— قلت لك… بوليسي.
لكن المرأة لم تتحرك. — التذاكر! قالتها بحزم أكبر.
ساد صمت قصير، ذلك النوع من الصمت الذي يكشف فجأة أن الجميع متساوون أمام تفصيل صغير لا قيمة له في الظاهر، لكنه يصبح في لحظة ما قانونا لا يمكن القفز فوقه.
أدخل الرجل يده في جيب عباءته السوداء، وأخرج قطعة نقدية. ظل مبتسمًا. دفعها إلى المكلفة، فتناولتها دون أن يتغير شيء في وجهها، ثم ناولته تذكرتين. أمسك الرجل التذكرتين، وتأملهما لحظة قصيرة، قبل أن يضعهما في يده بحذر، كما لو أنه تسلم وثيقتين تثبتان شيئا أكبر من مجرد حقه في الجلوس داخل الحافلة. ثم تقدم في الممر الضيق. كانت ابتسامته لا تزال معلقة على وجهه. ابتسامة رجل دخل الحافلة بصفة، وصعدها بتعريف وانتهى به الأمر إلى مغادرتها… بتذكرة.
أما الطفل، فكان يمشي بين الرجل والمرأة صامتا، يلتفت مرة إلى أبيه، ومرة إلى السائق، ومرة إلى المرأة الضخمة التي لم تبدُ معنية بكل ذلك.
ولعل الطفل وحده لم يكن يعرف بعد أن العالم الذي سيكبر فيه قد يعلّمه، في وقت مبكر أن بعض الألقاب لا تفتح الأبواب، وأن بعض الأبواب لا تعترف إلا بالتذكرة.
عزيز باكوش القنيطرة 3 غشت 2026



#عزيز_باكوش (هاشتاغ)       Bakouch__Azziz#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لكل قبره - مسرحية بالألمانية ترقص وتغني بالعربية للكاتب الأ ...
- الدكتور إدريس الواغيش بين متعة الصوفية في السفر والتأمل في د ...
- تحت شعار بورتريهات المواهب : المغرب المنتخب الآخر ...
- ساعاتنا من يصلحها؟
- - نساء في دائرة الضوء - للمصور الصحفي بوعبيد المكناسي الصادر ...
- أيقونة الكوميديا في مصر والعالم العربي. الزعيم عادل إمام
- عادل إمام على عرش النجومية لأكثر من 40 عاما في المسرح أو الس ...
- لذة القراءة المتباعدة
- سيرة حياة درامية للفنان المصري الراحل سيد زيان
- النيل في رواية -موسم الهجرة إلى الشمال – للطيب صالح صراع داخ ...
- بفاس - المغرب - مجموعة من الشعراء بقراؤون قصائد مدح في حق زو ...
- الإلقاء أقوى آليات الجذب وتعزيز التلقي
- فعاليات المؤتمر الدولي بفاس المغرب المنظم من طرف مختبر الدرا ...
- حول تشيخوف لقاءات وانطباعات – ذكريات ميخائيل تشيخوف عن شقيقه ...
- النجم كلاوس كينسكي سمعته مرعبة لكن الكاميرا تحبه
- إعانة الطفل في المنظومة الكندية دعم أم استعباد ؟
- الجوائز بين التحفيز الرمزي والالتباس
- دوتسوفسكي المقامر المريض الذي يكتب الرواية لأداء ديونه المتل ...
- بتكريم عبد الحي الرايس الشبكة الوطنية للقراءة والثقافة تكرس ...
- الكاريكاتور فن الدهشة في الابتكار ومحاكاة الواقع


المزيد.....




- اكتمال ترميم منزل المهندس المعماري الطليعي قسطنطين ميلنيكوف ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- لبدة الكبرى تفتح طبقاتها من جديد.. ماذا يبحث علماء الآثار تح ...
- سوريا: إلغاء حفلات لفنانين مساندين لبشار الأسد بعد احتجاجات ...
- تضارب الروايات في واشنطن.. هل أكلت حرب إيران المخزون الصاروخ ...
- متاهة على الجسر بين الكتب والأفلام.. هكذا يتحول السيناريو إل ...
- -سويوزمولتفيلم- تعيد مسرحية -النورس- لتشيخوف إلى الشاشة بأسل ...
- مهرجان السينما في لوكارنو: التمسّك بالهوية وزمن تعصف به التح ...
- هدنة قصيرة من الحرب.. الموسيقى -تعيد الروح- لأطفال غزة
- عرض فيلم -الأوديسة- يرفع مبيعات قصيدة هوميروس في روسيا بنسبة ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عزيز باكوش - بوليسي ..