أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - حديقة محمود عبد الوهاب














المزيد.....

حديقة محمود عبد الوهاب


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


المسكوت عنه في قصة (الحديقة) لأستاذنا القاص محمود عبد الوهاب، يومض ويختفي مرة واحدة. ماذا جرى البارحة؟ من هم الندماء؟ أين كانت الليلة؟ السارد حذفهم كأنهم أشباح. مكتفيا بالقول التالي (استيقظ بعد ليلةٍ صاخبة). المستيقظ أيضا حذفهم من ذاكرتهِ!! المعتاد مِن يستيقظ أول ما يخطرُ على بالهِ، استعادة شيئا، مِن ليلة البارحة التي وصفها (ليلة صاخبة).
لكن السارد جعل وظيفتهُ كيفية تعامل الشخصية مع اليوم الجديد، لذا يبدأ توصيف غرفة المستيقظ (وكان جو الغرفة من حوله معتماً) يخبرنا السارد (سيبقى لحظات مضطجعا في فراشهِ بلا حركة) وقبل أن يسأل القارئ السارد، يبادر السارد مجيباً (يتخلص بذلك من الدوار ويحافظ على استقرار درجة ضغط الدم). هذه السطور الثلاثة من القصة بوظيفة عتبة من داخل القص وليس من خارجهِ
(*)
قراءتي ترى: أن هذه القصة القصيرة (الحديقة)التي تنزهتُ فيها كثيراً، ولعدة سنوات، لم أتمكن من الكتابة عنها إلا الآن والسبب أنني كنتُ مغويا بجمالية تقنيتها، واقتصادية أسلوبها، وهي تجربة قصصية تختلف ولا تتجاور مع التجارب القصصية لأستاذنا محمود عبد الوهاب (طيّب الله ثراه) وما أطلعت عند سواه من القصاصين على مثل هذه الهندسة السردية النسقية، وستقوم قراءتي بترقيم الوحدات السردية:
(1) سينهض: فعل مضارع مسبوق بحرف التنفيس يفيد أن النهوض سيكون في المستقبل القريب
(2) سيتناول: وكذا الحال مع النسق الثاني. الحركة مؤجلة
(3) نهضَ فعل ماضٍ مبني على الفتح
(4) استيقظَ فعل ما ضٍ مبني على الفتح. الفاعل: ضمير مستتر جوازاً تقديره هو.
السؤال: لماذا المستيقظ يقصد الحديقة، قبل الذهاب إلى الحمام أو لغسل وجهه؟
وخلال هذه الحركة النسقية الرباعية، لم يتسلل السادر لذاكرة الشخص المضطجع، أعني يتسلل لنعرف بماذا يفكّرُ الشخص
ولماذا جعلنا كقراء منشغلين بهمٍ واحدٍ؟ متى يستيقظ الرجل ويسقي الحديقة؟
(*)
هل كان يسقي الحديقة فقط؟ أليس فعل السقي منزلقَّا لخصوبة التأويل؟ أن جمالية تماسك النص وربط أجزائه هنا مرتهن بالإحالة التكرارية.
الإحالة الأولى
(1) سينهض من فراشه بعد قليل
(2) ويخرج من غرفتهِ
(3) يعبر المجاز
(4) ثم يفتح البيت
(5) يقف بالطارمة
هنا نقلة في الأمكنة داخل البيت ثم خارج البيت.
(1) تستقبله حديقته الصغيرة
(2) تبتسم له شجيرات الرمان والعنب والآس والورد الجهنمي
نكتشف أن الرجل أعزب ويعيش وحدهُ، ويريد أن يصبّح يومه الجديد مفعمّا بجماليات الخصوبة النباتية.
(*)
الإحالة الثانية
خطوة جديدة نحو سقي النباتات
(1) سيتناول أنبوب الماء المطاط
(2) ويفتح الحنفية فيندلق قوس الماء لا معاً في ضوء الفجر،
(3) وسيتناثر حباته في أرجاء الحديقة
(4) وتتساقط على وريقات الشجر المغبر فتغتسل،
(5) وستمتلئ الثيلة بالماء
(6) وسيجري سيله الفضي في السواقي الطينية الضيقة
(7) وسينعطف رقراقاً نحو كل بقعة من الحديقة
الإحالة الثانية تتكشف لي كقارئ أن الرجل لم يسق الحديقة منذ وقتٍ غير معلوم والبينة هذه الوحدة السردية (وتتساقط على وريقات الشجر المغبرة فتغتسل) (وستمتلئ الثيلة بالماء) وسيجري سيله في السواقي الطينية الضيقة)

الإحالة الثالثة
هنا الفعل تحرر من السين، التي تفيد للمستقبل القريب. تبدأ الإحالة (نهض) فعل ماضٍ مبني على الفتح. يقوم الرجل بكل ما قام به في الإحالة الأولى والثانية. لكن حين ندخل الإحالة الرابعة نعرف أن الإحالة الثالثة محض حلم خفيف

الإحالة الرابعة
تختلف من ناحية الصياغة بنسبة عالية
(استيقظ من اغفاته ووجد نفسه لا يزال في فراشه. ابتسم وتمطى تحت الغطاء) الوحدة التالية تسطع فيها جماليات السرد لدى الأستاذ محمود عبد الوهاب (وتراءت له حافات الأشياء في غرفته ناتئة وملتبسة) (نهض وأرتدى بجامته وخرج من غرفته، عبر المجاز وفتح باب البيت ووقف في الطارمة، تناول أنبوب الماء المطاط وازال الطين العالق بنهايته، ثم فتح الحنفية فالتمع قوس الماء، وبدأ يسقي حديقته)
القاص يستعمل في النص، العادي، ويحوّل هذا العادي إلى حجر كريم يكتنز جماليات لا تفنى.
النص يركز على فعل ويقوم بتفكيكهِ من خلال تنويعات التكرار. رجل يستيقظ ولا يفكرّ إلا بسقي
حديقة بيته.












(الحديقة)
محمود عبد الوهاب
استيقظ َبعد ليلة صاخبة، وكان جو الغرفة من حوله معتما . سيبقى لحظات مضطجعا في فراشه بلا حركة، يتخلص بذلك من الدوار ويحافظ على استقرار درجة ضغط الدم .
سينهض من فراشه بعد قليل ويخرج من غرفته , يعبر المجاز ثم يفتح البيت ويقف في الطارمة تستقبله حديقته الصغيرة وتبتسم له شجيرات الرمان والعنب والآس والورد الجهنمي .
سيتناول انبوب الماء المطاط ويفتح الحنفية فيندلق قوس الماء لامعا في ضوء الفجر , وستتناثر حباته في ارجاء الحديقة وتتساقط على وريقات الشجر المغبرة فتغتسل , وستمتلئ الثيلة بالماء , وسيجري سيله الفضي في السواقي الطينية الضيقة المتعرجة وسينعطف رقراقا نحو كل بقعة من الحديقة .
نهض من فراشه وخرج من غرفته , فتح باب البيت واستقبلته حديقته الصغيرة , تناول انبوب الماء المطاط وفتح الحنفية واندلق قوس الماء لامعا في ضوء الفجر , وتناثرت حباته في ارجاء الحديقة وجرى سيله الفضي في السواقي الطينية المتعرجة .
استيقظ من اغفاءته ووجد نفسه لايزال في فراشه . ابتسم وتمطى تحت الغطاء , وتراءت له حافات الاشياء في غرفته ناتئة وملتبسة .
نهض وارتدى بجامته وخرج من غرفته , عبر المجاز وفتح باب البيت ووقف في الطارمة , تناول انبوب الماء المطاط وازال الطين العالق بنهايته , ثم فتح الحنفية فالتمع قوس الماء , وبدأ يسقي حديقته ُ.
(الحديقة) أحدى قصص (رائحة الشتاء) للقاص محمود عبد الوهاب



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- (فندق شط العرب)
- غابة تبتلع المدينة / د. علاء العبادي
- سخرية شهر آب/ الكاتب والباحث نبيل الربيعي
- هجوم الأشجار على البيوت
- الشاعر واثق غازي/ في استذكار القاص : محمد عبد حسن
- رحيلك خسارتنا الباهظة / للشاعر صبيح عمر
- قصيدة في تأبين الأديب محمد عبد حسن
- الورقة الثانية المشاركة في التأبين الذي أقامه ملتقي جيكور ال ...
- ملتقى جيكور يؤبّن القاص والروائي المهندس محمد عبد حسن
- بتوقيت الأربعين
- قراءة وامضة/ للباحث والكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي
- رأيُ وامض/ د. علاء العبادي
- الكرة ُ في ملعب السوق
- منطقة نادرة في الكتابة / الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الرب ...
- نص استثنائي. د. علاء العبادي
- مرور
- حمراء رايات ُ القوارب
- قراءة في (بصيرة ثعبان) للكاتب والباحث نبيل عبد الأمير
- الكاتب والباحث نبيل عبد الأمير الربيعي: امتياز مقداد مسعود
- قصة (الحديقة) للقاص محمود عبد الوهاب


المزيد.....




- وفاة فنان مصري تثير جدلا واسعا
- حين زرنا رجلًا اختصر مؤسسة.. مشاهد من الزيارة الثقافية إلى ل ...
- من المطاعم إلى مراكز التسوق.. كيف تنظّم الإمارات استخدام الم ...
- في ذكرى تأسيسها الـ250.. كيريلوف تعرض كنوزا تاريخية تعود إلى ...
- معرض في بطرسبورغ يستعيد تاريخ دير يعود إلى القرن الثاني عشر ...
- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - حديقة محمود عبد الوهاب