أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم















المزيد.....

الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 12:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" تبدأ إنسانيتنا الحقيقية حين ندرك أن وجودنا إلى جانب الآخر مسؤولية، وأن بعض المواقف لا تحتاج منا كثيراً من الكلام، بل قدراً كافياً من الشجاعة كي نقف حيث ينبغي أن نقف " (الكاتب).

يقف الإنسان أحياناً أمام مشهد يعرف فيه بوضوح أن شيئاً غير عادل يحدث، ومع ذلك يختار أن يبقى خارج المشهد. يبرر موقفه بأنه لا يريد التدخل، أو أنه لا يعرف كل التفاصيل، أو أن الأمر لا يعنيه مباشرة. تبدو هذه الحجج في ظاهرها تعبيراً عن التعقل، لكنها تكشف في العمق عن مشكلة أكثر تعقيداً ماذا يحدث للإنسان حين يصبح الحفاظ على راحته أهم من الدفاع عن حق يدرك أنه ينتهك أمامه؟

تكمن المفارقة في أن الظلم قد يبدأ بفعل يمارسه شخص أو طرف، لكنه لا يستمر دائماً بالقوة نفسها التي بدأ بها، إذ قد يجد في صمت الآخرين ولا مبالاتهم مساحة تسمح له بالاستمرار. فوجود الظالم والمظلوم يصنع واقعة، أما موقف المحيطين بها فيمنحها امتدادها الاجتماعي. وحين يرى الظالم أن من حوله صامتون، ويرى المظلوم أن الآخرين يراقبون دون أن يتدخلوا، تتجاوز المسألة حدود الفعل الفردي لتصبح علاقة اجتماعية تحكمها موازين القوة والخوف والمصلحة. ولهذا لا يبدو الحياد في كل الحالات موقفاً وسطاً، فحين تكون الكفة مختلة أصلاً، فإن الوقوف في المنتصف قد يعني عملياً ترك الطرف الأضعف يواجه الطرف الأقوى وحده.

وتزداد أهمية هذا المعنى حين ندرك أن الظلم لا يستمر بالضرورة بالقوة نفسها التي بدأ بها. فالبيئة المحيطة قادرة على الحد منه أو منحه مساحة للاستمرار. على اعتبار أن كلمة اعتراض، أو شهادة صادقة، أو مجرد إعلان واضح بأن ما يحدث غير مقبول، يمكن أن يغير ميزان الموقف.
وفي المقابل، يمنح الصمت الفعل مساحة إضافية، لأن صاحبه لا يواجه مقاومة اجتماعية تضع له حداً. وتكشف هذه المسألة جانباً مهماً من طبيعة السلوك الجماعي، فوجود الآخرين في مواقف الطوارئ قد يؤدي إلى تشتت الإحساس بالمسؤولية، بحيث يصبح كل فرد أقل شعوراً بأن المبادرة تقع عليه شخصياً، كما يمكن لسلوك المحيطين أن يؤثر في تفسير الفرد للموقف وفي قراره بالتدخل.

وتكتسب هذه الآلية خطورتها حين تنتقل من المواقف الطارئة إلى الحياة اليومية. فهناك فرق بين أن يتردد الإنسان لأنه لم يفهم ما يحدث، وبين أن يرى الظلم بوضوح ثم يقرر أن صمته أكثر ملاءمة له. في الحالة الثانية يصبح الامتناع عن الفعل اختياراً له أثر، حتى لو لم يكن صاحبه قد أراد أن يؤذي أحداً. فالظلم لا يقاس فقط بما يفعله الظالم، وإنما أيضاً بمقدار المساحة التي يتركها له الآخرون كي يستمر.

بذلك يصبح السؤال أكثر تعقيداً من مجرد معرفة سبب الصمت، إذ يحمل الحياد أحياناً مظهراً عقلانياً يخفي وراءه خوفاً اجتماعياً عميقاً. فالإنسان لا يخشى دائماً الظلم نفسه، قد يخشى ما يترتب على مواجهته من خسارة علاقة، أو مكانة، أو فرصة، أو قبول جماعي. ولهذا يصبح الصمت وسيلة لحماية الذات من كلفة الموقف.

وتعمل الجماعة هنا بطريقة دقيقة، إذ يراقب الفرد ردود الآخرين قبل أن يحدد رد فعله. فإذا وجد الجميع صامتين، أصبح الصمت أكثر قابلية للتبرير، وإذا وجد أحداً يتقدم للاعتراض، أصبح الاعتراض أقل خطورة. وهكذا لا يتخذ الإنسان موقفه من الظلم بصورة مستقلة تماماً، بل يتأثر بما يعتقد أن الآخرين سيفعلونه أو يتوقعونه منه.

ومع تكرار هذه الاستجابة، يتحول ما بدأ بوصفه تردداً عابراً إلى نوع من التكيف الاجتماعي مع الخطأ. يبدأ الفرد بالتفكير لماذا أتدخل أنا؟، ثم تتحول الجملة إلى قاعدة غير معلنة ليتصرف شخص آخر. وبعد تكرارها، لا يعود السؤال متعلقاً بالقدرة على التدخل، بل بمدى استعداد الإنسان لتحمل تبعاته. وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية، فالإنسان الذي يخاف أن يخسر مكانته بين الآخرين قد يجد نفسه لاحقاً أمام سؤال أكثر قسوة ماذا فعلت عندما كنت أعرف أن شيئاً غير عادل يحدث؟ فالصمت الذي يحمي صورته أمام الآخرين قد يترك أثراً مختلفاً في علاقته بنفسه.

تكشف هذه المسافة بين المعرفة والفعل أن القضية أعمق من مجرد الشجاعة الشخصية، إنها تتعلق بقدرة الإنسان على أن يظل صاحب حكم مستقل حين تضغط الجماعة باتجاه الصمت. وعندما يتكرر هذا الصمت داخل الجماعة، لا يبقى أثره محصوراً في ضمير الفرد، بل يبدأ في تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى الفعل نفسه. فالمواقف الفردية تتحول إلى ظواهر اجتماعية عندما تتكرر بالطريقة نفسها، وإذا اعتاد الناس مشاهدة الإهانة دون اعتراض، واستغلال الضعيف دون دفاع، وإقصاء المختلف دون مساءلة، فإن معيار الجماعة لما هو مقبول ومرفوض يبدأ في التغير، فما كان مرفوضاً يصبح قابلاً للتبرير، وما كان يستدعي الغضب يصبح مجرد أمر يحدث.

في هذا السياق، يكمن الخطر الحقيقي تطبيع الظلم لا يبدأ عندما يقتنع الناس بأنه عدل، بل عندما يتوقفون عن رؤيته بوصفه مشكلة تستحق الاعتراض. فالمجتمع لا يعتاد الظلم لأن أفراده يؤمنون به بالضرورة، وإنما لأن تكراره يفقدهم تدريجياً حساسية الاستجابة تجاهه. وتصبح اللامبالاة عندئذ جزءاً من البنية التي تحافظ على الظلم. فالظالم لا يحتاج في كل مرة إلى إقناع الجميع بصواب فعله، يكفيه أحياناً أن يعرف أن الآخرين لن يدفعوا ثمن الاعتراض. والمظلوم، في المقابل، لا يعاني من الفعل وحده، بل من اكتشاف أن البيئة التي يعيش فيها لم تعد ترى معاناته سبباً كافياً للتحرك من أجل نصرته.

ومن هذه الزاوية يتجاوز الحياد صاحبه ليصبح موقفاً اجتماعياً له نتائج تتعدى اللحظة التي صدر فيها. فالإنسان قد يظن أنه يحمي نفسه حين يبتعد عن المشكلة، لكنه قد يشارك، من حيث لا يريد، في تثبيت قاعدة اجتماعية تجعل القوة أكثر قدرة على فرض نفسها. وتصبح المسؤولية، في هذه الحالة، مرتبطة بالفعل وبالامتناع عنه معاً، فهناك مواقف لا يكون فيها السؤال هل شاركت في الظلم؟ فقط، وإنما أيضاً هل تركت الظروف التي تسمح له بالاستمرار تعمل دون مقاومة؟ ويقترب هذا المعنى من سؤال فلسفي أعمق حول مسؤولية الإنسان عن الحكم والتفكير، خصوصاً في الظروف التي يصبح فيها الامتثال أو التخلي عن الحكم الشخصي وسيلة لتمرير أفعال غير إنسانية. فالمشكلة لا تبدأ دائماً من غياب القواعد، وإنما قد تبدأ من توقف الإنسان عن استخدام قدرته على الحكم.

ويحتاج المجتمع العادل، لذلك، إلى أكثر من قوانين تمنع الظلم، يحتاج إلى أفراد يملكون الاستعداد الأخلاقي والاجتماعي لرفضه حين يقع أمامهم. فالعدالة لا تعيش في النصوص وحدها، وإنما تظهر في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان قادراً على رؤية اختلال القوة ثم يقرر ألا يتعامل معه كأنه شأن لا يعنيه. ولا يعني رفض الحياد أن يتحول الإنسان إلى طرف في كل خلاف، ولا أن يصدر أحكامه قبل معرفة الوقائع، فالحكمة تقتضي التحقق، والإنصاف يقتضي الاستماع إلى الأطراف، لكن وضوح الظلم يضع الإنسان أمام مسؤولية مختلفة، هي أن يعرف أن الصمت لم يعد مجرد امتناع عن الكلام.

خلاصة القول، إن الإنسان لا يختبر فقط عندما يكون قادراً على حماية نفسه، وإنما عندما يستطيع أن يحمي إنساناً آخر دون أن تكون له مصلحة مباشرة في ذلك. وفي تلك اللحظة تحديداً يتجاوز الموقف حدود السلوك الشخصي ليصبح تعبيراً عن نوع المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه. لذلك فإن أخطر ما يفعله الحياد أمام الظلم أنه يمنح الظالم شعوراً بأن قوته بلا كلفة، ويمنح المظلوم شعوراً بأن ضعفه بلا سند. وبين هذين الشعورين يتشكل مجتمع يتعلم فيه الناس شيئاً أخطر من الخوف، وهو أن يتعايشوا مع الظلم حتى يفقدوا القدرة على استنكاره.

نصيحتي لك، لا تجعل خوفك من خسارة القبول أو المكانة يدفعك إلى مواقف لا تشبهك، ولا تجعل رغبتك في رضا الآخرين تتقدم على ما تراه صواباً. فقد تخسر بعض القبول حين تتمسك بموقفك، لكنك تكسب ما هو أعمق أن تبقى قادراً على احترام نفسك، وأن تعيش منسجماً مع مواقفك حين تحتاج إلى الشجاعة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟


المزيد.....




- باكستان: مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران ستكون -نموذجًا للسل ...
- لا مؤشرات على نهاية حرب إيران.. كيف تعمل سفارات أمريكا بالمن ...
- إعلام: هجوم حوثي جديد بصاروخين باليستيين يستهدف ميناء المخا ...
- مذكرة تأطير مشروع قانون المالية لسنة 2027: أي رهانات للحكامة ...
- نيجيرفان بارزاني يتحدث عن رسالة بعثتها إيران للعراق تتعلق بم ...
- سوريا.. هجوم على مقر لوزارة الدفاع في القامشلي يسفر عن مقتل ...
- اشتباكات بين مستوطنين والجيش الإسرائيلي بعد إخلاء بؤرة استيط ...
- الأمن الروسي: إحباط محاولة اغتيال ضابط بمكتب تجنيد عسكري في ...
- السيسي يطلق مبادرة جديدة للشباب في مصر
- ترامب يصعّد لهجته وإيران تتمسك بإغلاق مضيق هرمز


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - الحياد بوصفه شريكاً خفياً في الظلم