أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟














المزيد.....

كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 14:39
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" أقسى ما قد يفعله الإنسان بنفسه أن يتخلى عن الحياة التي يريدها، ثم يقضي ما تبقى منه في التكيف مع حياة لم يخترها " (الكاتب).

يمضي الإنسان في حياته وهو يظن أن الاختيار بين السعي والتراجع هو اختيار بين طريقين متعارضين، بينما تكشف التجربة الحياتية أن كلا الطريقين يحتاج إلى جهد، وأن كلفة القرار لا تختفي لمجرد الامتناع عن اتخاذه. فالواقع الذي لا نحاول تغييره لا يبقى ساكناً في انتظارنا، بل يبدأ تدريجياً في إعادة تشكيل عاداتنا وتوقعاتنا وطريقة نظرنا إلى ما يمكن أن يكون. ومع مرور الوقت، قد يتحول ما رفضناه في البداية إلى أمر مألوف، ثم إلى أمر محتمل، وربما إلى حقيقة ندافع عنها فقط لأننا اعتدنا العيش داخلها. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بقدرة الإنسان على الوصول إلى ما يريد بقدر ما يصبح متعلقاً بالثمن الذي يدفعه حين يتخلى عن محاولة الوصول إليه. فالإنسان يبذل طاقته في كل الأحوال، غير أن الفارق يكمن في أن بعض الجهد يفتح إمكاناً جديداً للحياة، بينما يذهب بعضه الآخر إلى جعل الحياة المحتملة مقبولة.

يبدأ التحول الحقيقي حين يدرك الإنسان أن التأقلم ليس دائماً علامة على النضج، كما أن المقاومة ليست دائماً دليلاً على الحكمة. فالتأقلم يصبح ضرورة حين يواجه الإنسان ظروفاً لا يملك تغييرها، لكنه يتحول إلى قيد حين يستخدمه لتبرير البقاء داخل وضع يستطيع إعادة النظر فيه. وفي هذه المسافة الدقيقة بين الضرورة والاختيار تتشكل علاقة الإنسان بواقعه. فقد يتنازل الفرد عن رغبة أو مشروع أو علاقة أو مكان لأنه يرى أن كلفة المواجهة أكبر من قدرته، ثم يعيد ترتيب قناعاته بما ينسجم مع هذا التنازل. ومع تكرار التنازلات تتغير صورة الممكن في وعيه، فيصبح ما كان يراه حقاً أو طموحاً مجرد حلم بعيد، ويغدو ما كان يرفضه جزءاً طبيعياً من حياته. المجتمع بدوره يساهم في تثبيت هذا التحول حين يمنح الاستقرار قيمة أعلى من التغيير، ويجعل المحافظة على المألوف تبدو أكثر عقلانية من محاولة تجاوزه. وهكذا لا يتشكل الرضا دائماً من تحقق ما نريد، فقد يتشكل أحياناً من انخفاض قدرتنا على تخيل حياة مختلفة.

وتزداد المسألة تعقيداً لأن الإنسان لا يتكيف مع الظروف الخارجية وحدها، بل يتكيف أيضاً مع الصورة التي تفرضها تلك الظروف على ذاته. فالعمل الذي لم يختره قد يصبح هويته، والمكان الذي اضطر إلى البقاء فيه قد يتحول إلى تعريف لحدود حياته، والخيارات التي أجلها طويلاً قد تفقد حضورها تدريجياً حتى يبدو استعادتها ضرباً من المجازفة. عند هذه النقطة يصبح الزمن طرفاً خفياً في تشكيل الاختيارات، فكلما طال البقاء داخل وضع معين، ازدادت كلفة الخروج منه، لا لأن الواقع أصبح أقوى بالضرورة، بل لأن الإنسان بنى حوله شبكة من الاعتياد والعلاقات والمبررات والتوقعات. لذلك فإن بعض ما نسميه استقراراً قد يكون نتيجة طبيعية لتراكم التنازلات، وبعض ما نسميه قناعة قد يكون تسوية طويلة بين الرغبة والقدرة. تكمن المفارقة هنا في أن الإنسان قد ينفق سنوات في حماية وضع لم يختره، بينما كان يمكن لجزء من ذلك الجهد أن يُستثمر في إعادة صياغة شروط حياته.

لهذا تبدو الرغبة في تغيير المسار أكثر من مجرد نزوع فردي إلى النجاح، إنها موقف من الحياة ومن حدود الممكن فيها. فالسعي إلى ما يتمناه الإنسان لا يعني امتلاك ضمانة للوصول، ولا يعني أن كل رغبة تستحق المطاردة، وإنما يعني الاحتفاظ بالقدرة على المشاركة في تشكيل المسار بدل الاكتفاء باستقبال نتائجه. وتظل قيمة المحاولة قائمة حتى حين لا تنتهي إلى النتيجة المتوقعة، لأنها تمنح الإنسان معرفة أكثر واقعية بقدراته وحدوده وبالعالم الذي يتحرك داخله. أما الاستسلام المبكر فيحرم الإنسان أحياناً حتى من معرفة ما كان يمكن أن يحدث لو أنه حاول. فالحياة، بهذا المعنى، لا تمنح الإنسان دائماً ما يريد، لكنها تمنحه مسؤولية تحديد مقدار الجهد الذي يريد أن يبذله في سبيل ما يراه جديراً به. وبين أن تناضل لتغيير بعض شروط حياتك، وأن تناضل لاحقاً لتقنع نفسك بأن تلك الشروط هي أفضل ما كان يمكن أن تحصل عليه، يظهر الفارق بين أن يعيش الإنسان اختياراته وأن يعيش في ظل اختيارات فرضها عليه الاعتياد.

نصيحتي لك، امنح حياتك قدراً من الهدوء الذي يسمح لك أن ترى الأشياء بحجمها الحقيقي، وأن تميز بين ما يستحق أن تمنحه قلبك ووقتك، وما يكفي أن تتركه يمضي دون أن تحمل أثره معك. تعلّم أن النضج لا يعني أن تجد إجابة لكل شيء، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن يشغلك، وما الذي ينبغي أن تتجاوزه، وأن تحافظ على قدرتك على النظر إلى الحياة بوعي يتسع لتحولاتها دون أن تفقد توازنك. فليست قيمة الإنسان في أن يحقق كل ما يسعى إليه ويتمناه، وإنما في أن يخرج من تجاربه أكثر صفاء، وأعمق فهماً لذاته، وأقل تعلقاً بما لا يضيف إلى حياته معنى، وأكثر قدرة على أن يمنح وجوده قيمة تتجاوز مجرد الانشغال بأعباء الحياة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوة والهيبة في العلاقات الإنسانية بين الخوف والاحترام
- لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحيا ...
- سوسيولوجيا التبرير: كيف يعيد المجتمع إنتاج أخطائه؟
- قيمة الإنسان بين يقين الذات وسلطة الأحكام الاجتماعية
- متى يتعلم العرب من أخطائهم؟ (قراءة في البنية السياسية والاجت ...
- بين الوهم والوعي... رحلة العقل نحو الحقيقة
- الخصوصية في سوق الترند... عندما تصبح الحياة الشخصية سلعة تبا ...
- وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي


المزيد.....




- 400 قطعة يوميًا وسعر القالب 360 دولارًا.. كيف تحوّلت كعكة ور ...
- -كل قوتي وحبي لوطني-.. شاكيرا تعبر عن تضامنها مع ضحايا زلزال ...
- ما علاقة شخصية في -هاري بوتر- بتغيير مسار كابل كهرباء بحري ق ...
- إيران تسارع الزمن لإصلاح منشآت غاز تضررت خلال الحرب
- -روسيا ستنتصر-.. سكان موسكو يحرجون مراسل بي بي سي خلال استطل ...
- ترامب غادر تركيا على متن طائرة سرية خوفاً من تهديد إيراني با ...
- روسيا تشن قصفًا ليليًا مكثفًا على أوكرانيا يوقع 9 قتلى
- تقرير إسرائيلي: تل أبيب تبلغ واشنطن استعدادها لوقف الاغتيالا ...
- وزير العدل المغربي لـ DW: نطالب إسبانيا بإعادة القُصّر
- كوريا الجنوبية تعتقل ضابطين صينيين سابقين بشبهة تجسس


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - كيف يعيد الواقع الاجتماعي تشكيل ما نطمح إليه؟