أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 08:12
المحور: الادب والفن
    


صديقتي حنان...
كم فرحت اليوم وأنا أتلقى منك ثلاث رسائل دفعة واحدة. كانت أمي تقرأ الفرح في عيني وأنا أتناول وجبة الغداء بعد عودتي من المدرسة، أحمل بين يدي رسائل انتظرتها أياماً طويلة.
لا أعرف ماذا أكلت على الغداء، وحتى كوب الشاي شربته على عجل. دخلت غرفتي... تلك التي أصبحت، منذ عرفتك، غرفتنا.
فتحت أولى الرسائل، وكانت تحمل صورة كبيرة. أغمضت عيني قبل أن أنظر إليها، ثم فتحتهما ببطء. كانت صورة للبحر.
يا إلهي... ما أجمله من بحر!
في الحقيقة، كنت أتوقع أن أرى صورتك. لا يحق لي أن أطلبها، وأحترم ذلك، لكنني أشعر أنني أعرف ملامحك. طوال سبعة عشر عاماً كنت أرسم في خيالي وجهاً يشبهك. لم يعد يهمني لون عينيك أو لون شعرك، المهم أنك أنت.
أما عن أسئلتك... فسأجيب عنها واحداً واحداً.
سؤالك الأول: هل رأيت البحر؟
لا... لم أرَ بحراً في حياتي. كل ما عرفته من الماء الواسع كان شط العرب، حين وصلت إليه عام 1983، وكان عمري تسعة عشر عاماً.
يومها غادرت مدينتي متجهاً إلى جبهة الحرب في البصرة، التي تبعد عن غرفتي هذه نحو خمسمائة كيلومتر.
كنت أحمل حقيبة صغيرة على كتفي، واتجهت إلى وحدة عسكرية كانت في خط مواجهة مباشر. هناك سمعت صوت القصف لأول مرة، وهناك تعرفت إلى الحرب... وتعرفت أيضاً إلى ستار الخياط، وكريم، وخميس، الذين أصبحوا رفاق تلك الأيام.
قبل سفري أعدّت لي أمي دجاجة مع خبز التنور، وجلسنا نأكل معاً. كان لدينا إبريق شاي لا يهدأ، ومنذ تلك الأيام تعلمت إعداد الشاي، ثم تعلمت الطبخ أيضاً.
سؤالك الثاني: هل تحب الحرب؟
لا أحد يحب الحرب... إلا تجار السلاح وحفّارو القبور.
سؤالك الثالث: بماذا تناديك أمك؟
تناديني: حسوني.
وما زلت، حتى اليوم، طفلاً في نظرها. الأبناء لا يكبرون في عيون آبائهم وأمهاتهم أبداً.
ماذا بعد؟
وصلتني صورتك للبحر، ووصلتك صورتي... وأنا سعيد بذلك.
أما مدينتي، فهي تبعد عن بغداد ستين كيلومتراً. لا أذهب إلى العاصمة كثيراً، فالمدن الكبيرة مزدحمة. وكانت آخر زيارة لي قبل عام، حين ذهبت لمشاهدة إحدى مباريات الدوري العراقي.
سأضع هذه الرسالة على طاولتي كما هي، وأعود إليها في المساء...
لا تقلقي. الساعة الآن الواحدة بعد الظهر..سأعود

حنان...
هل تأخرت؟ الساعة الآن التاسعة مساءً...تركت الرسالة مفتوحة .. لا احد يدخل غرفتي سوانا وامي ، امي لا تقرأ ولا تكتب لكنها تعرف ماذا تكتب أصابعي ولمن.
انتهينا قبل قليل من عشاء خفيف، وأكتب إليك على ضوء شمعة واحدة. ليس لأجل خلق أجواء رومانسية، بل لأن الكهرباء مقطوعة، وهذا أمر اعتدنا عليه. فهي تأتي ساعة واحدة، ثم تغيب ثلاث ساعات.
منذ أن ضُربت محطات الكهرباء في حرب عام 1991، وهي لا تزال تعمل بصورة شبه معطلة.
أوقدت شمعة واحدة، وهي تكفي تماماً لأكتب لك رسالة المساء التي وعدتك بها.
رسالتك الثانية لم تكن تحمل أسئلة كثيرة، بقدر ما كانت تحدثني عن حنان التي تقضي سنتها الأخيرة في البكالوريا. لذلك فكرت أن أخفف من رسائلي إليك حتى لا أشغلك. يجب أن تتفرغي للدراسة، فالبكالوريا امتحان صعب، ويحدد جانباً مهماً من المستقبل.
لكنني أعرف أنك مجتهدة، وتحضرين دروسك جيداً... لذلك سأغير رأيي.
سأظل أكتب إليك كل يوم، بشرط واحد: أن تكوني متميزة في امتحاناتك.
وعرفت أيضاً أن بعض دروسك تُدرَّس بالفرنسية أو الإنجليزية، وهذا شيء جميل. فامتلاك لغة ثانية يعني امتلاك نافذة أخرى على العالم وثقافة أخرى.
أما أنا، فما زلت ضعيفاً جداً في اللغة الإنجليزية. أعلى درجة حصلت عليها كانت ستةً وخمسين من مئة، ولذلك حرمت نفسي من متابعة الأفلام الأجنبية. فأنا لا أحب أن أقرأ الترجمة أثناء المشاهدة، ولهذا أفضل الأفلام العربية... عندما تأتي الكهرباء.
نسيت أن أخبرك بخبر جديد.
لقد أصبحت معاوناً لمدير المدرسة، أي الرجل الثاني فيها، وإن كان منصباً بلا صلاحيات حقيقية ما دام الرجل الأول موجوداً.
فرحت أمي كثيراً بهذا الخبر، وكعادتها بخّرت غرفتي، وصار تلاميذ محلتنا ينادونها مازحين: «أم المعاون».
ووعدتني بأنها ستشتري لي قميصاً جديداً عندما تتحسن الأحوال.
في المدرسة أكثر من خمسمائة تلميذ. أعرف أسماءهم جميعاً، وأعرف آباءهم وأمهاتهم أيضاً. بعضهم مشاكس، لكنه لا يحتاج إلى العقاب بقدر ما يحتاج إلى معاملة خاصة.
أحب العمل الإداري، كما أن خطي جميل، وربما لهذا أشعر براحة وأنا أكتب كل هذه الرسائل.
اكتشفت أن الكتابة على ضوء الشموع طقس جميل. وحتى لو عادت الكهرباء الآن، أظن أنني سأظل أكتب رسائلي إليك على ضوء شمعة.
دمتِ لي...



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (3)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (2)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (1)
- هل تتغير جغرافية الصراع ؟
- مابعد المظلة الأمريكية
- حين توقفت الحرب .. ٨ اب ١٩٨٨
- المواطن الصالح .. عقد بين الدولة والإنسان
- الحرب الباردة الجديدة تقاطع مصالح لا تحالف حتمي
- الاستثمار الصناعي في العراق: فرص واعدة وتحديات مستمرة
- الخروج من عباءة النفط
- هل تتخلى أمريكا عن -الترامبية- بعد ترمب؟
- الذكاء الاصطناعي وسوق العمل بين الفرص والتهديد
- ابن خلدون... حين التقت الحكمة القديمة بعلم النفس الحديث كيف ...
- امن الشرق الأوسط بين تشظي الداخل ورهان الخارج
- طهران - واشنطن هدنة أم اتفاق ؟
- الامريكان في بيتي وصراع الحضارات
- الاردن بين التحالف والاستهداف
- ٢ اب ١٩٩٠ .. قرار غير وجه المن ...
- من يكتب ذاكرة الدولة العراقية ؟
- أزمة صحافة أم أزمة انتباه ؟


المزيد.....




- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...
- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (4)