أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل














المزيد.....

قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 01:48
المحور: الادب والفن
    


لم يكن من أبناء الماء، ولم تحفظ له السباحةُ وثيقةَ عبورٍ إلى الضفة البعيدة من دجلة، لكن السباحةَ في ركاب الجماعة تمنح الجسدَ وَهْماً بالخلود، وزخماً لا تدركه العينُ لكن تلمسه العضلةُ وهي تنازع التيار. لذا فهو قد عبرَ النهرَ، لا كمن يفتحُ باباً، بل كمن يقرأُ آخرَ سطرٍ في كتابٍ لم يُكتب بعدُ. وعندما لامست قدماه الضفةَ الأخرى، شعَرَ بالسعادة الغامرة لكنه أيضا بدأ يشعر بالوهنِ يتسللُ إلى مفاصله كذنبٍ قديم، فتمدّد على الرمالِ الرطبةِ التي كانت تئنُّ تحت ظهره كأرضٍ تُخاضُ للمرةِ الألف. وضعَ كفَّه على عينيه، ليس ليقيَهما وهجَ تموزَ فقط، بل ليرسمَ بقبضةِ جفنيه سقفاً جديداً لخياله، فيرتحلَ بعيداً عن هذا المكان، إلى حيث لا تصلُ خرائطُ الألمِ ولا مساطرُ الانتظار.
بينما كان يرتحل مع خياله وبصمتِ الرملِ، إذا بكفّينِ غريبتينِ تجرّانه من ساقيه، وتدوّرانِ به على سطحِ الأرضِ كأنه محورُ عجلةٍ لا تدورُ إلا للوراء. في البداية، ارتاحَ لهذا الدورانِ، حسبَه رقصةَ نجاةٍ، أو مسحةَ دفءٍ من يدٍ لا تعرفُ الخيانةَ، لكنه سرعانَ ما أحس بأن ظهرَه يخدشُ بهذه الأرضَ القديمةَ، وأن الألمَ أخذ يتصاعدُ من تحتِ جلدِه ككتابة تنبضُ تحتَ رمادِ مخطوطةٍ. عندها، صرخَ في ذلك الجاذبِ:
- أتركني... وإلا نهضتُ، وعلَّمتُكَ أن للرمالِ حدوداً، وأن للظهرِ كرامةً لا تُسحبُ بسهولة.
فقهقهَ الرجلُ، ولم يتوقّفْ، بل زادَ جرَّه، تاركاً خلفَه على الرملِ خطوطاً عريضةً، كأنها شقوقٌ في جدارِ زمنٍ منهك، أو كأنها حدودٌ جديدةٌ تُرسمُ على جسدِ أمةٍ تتعثّرُ في نهضتها. ثم التفتَ إليه، بابتسامةِ من يعرفُ أن الريحَ لا تُمسكُ، وقال:
- انهض... إن استطعتَ. فالرملُ لا يحملُ إلا من يعرفُ أن السقوطَ بدايةُ دربٍ، لا نهايةَ مشهدٍ.
وهنا، بدلاً من أن ينهضَ أو يستسلمَ، أدارَ رأسهُ ببطءٍ نحوَ تلك الخطوطِ التي خلفَه، وتتبّعَها بعينيه حتى حيث تلتقي عندَ حافةِ الماء. عندئذٍ، رفعَ إصبعَه السبابةَ، ورسمَ في الهواءِ خطّاً واحداً عمودياً فوقَ تلك الخطوطِ الأفقيةِ، ثم همسَ بصوتٍ لم يسمعهُ إلا الرملُ:
- هكذا تُصنعُ القبورُ...
ثم أغمضَ عينيه، تاركاً للضفةِ أن تقرأَ ما كُتبَ على جسدِها، وللنهرِ أن يقرّرَ أي الخطوطِ سيبقى، وأيها سيأخذُه التيارُ إلى مصب لا تعرفه الخرائطُ.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: راكبُ الموج
- قصة قصيرة: الحُلم
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى


المزيد.....




- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: خطوطٌ على جسدِ الرمل