|
|
من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العالمي الجديد» على أنقاض الحرب الباردة؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 23:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
11 آب أغسطس 2026
في دراسة مطوّلة نشرها كلٌّ من إيفان سافرانتشوك وأندريه سوشينتسوف في مجلة "روسيا في السياسة العالمية" تحت عنوان «التدخل الذي بدأ معه النظام العالمي الجديد»، يقدّم الباحثان قراءة روسية معمّقة للحظة المفصلية التي أعادت تشكيل العالم بعد الحرب الباردة: حرب الخليج الأولى عام 1990–1991. لا يتعامل النص مع غزو العراق للكويت بإعتباره أزمة إقليمية فحسب، بل بإعتباره الحدث الذي دشّن عملياً النظام الأميركي الأحادي، وأظهر للمرة الأولى كيف ستستخدم الولايات المتحدة تفوقها السياسي والعسكري بعد إنهيار الثنائية القطبية. الدراسة لا تنطلق من تبرير سياسات بغداد، لكنها ترى أن واشنطن إستثمرت الأزمة العراقية لتأسيس «شرعية دولية» جديدة تُطابق بين المصالح الأميركية ومفهوم «الإرادة الدولية». منذ الأسطر الأولى، يضع الكاتبان القارئ أمام خلاصة فكرية ثقيلة الدلالة: «المرحلة السياسية التي تنتهي اليوم أو ربما إنتهت بالفعل إستمرت نحو ثلاثة عقود»، في إشارة إلى الحقبة الممتدة من إنهيار الإتحاد السوفياتي وحتى عودة الصراع الدولي الحاد في العقد الحالي.
من «التفكير السياسي الجديد» إلى الهيمنة الأميركية
ترى الدراسة أن سوء الفهم بين موسكو وواشنطن بدأ منذ اللحظة الأولى لنهاية الحرب الباردة. فبينما كان ميخائيل غورباتشوف يتحدث عن «تفكير سياسي جديد» قائم على الشراكة وبناء نظام عالمي جماعي، كانت إدارة جورج بوش الأب ترى أن نهاية الحرب الباردة تعني ببساطة تثبيت القيادة الأميركية للعالم. وهنا تصبح أزمة الكويت لحظة إختبار حقيقية. فالعراق الخارج من حرب طويلة مع إيران كان مثقلاً بالديون ويطالب دول الخليج بتعويضات مقابل دوره في «إحتواء الثورة الإسلامية الإيرانية». لكن الخلافات مع الكويت، إقتصادياً وحدودياً، دفعت صدام حسين إلى إتخاذ القرار الذي سيغيّر تاريخ المنطقة والعالم: غزو الكويت في 2 أغسطس/آب 1990. يصف الباحثان عملية «عاصفة الصحراء» بأنها: «أول تجلٍ عملي للنظام العالمي الجديد». وهنا تحديداً تبدأ الفكرة المحورية للمقال: الولايات المتحدة لم تكتفِ بإدارة أزمة دولية، بل إستخدمت الأزمة لتأسيس قواعد النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة.
موسكو وواشنطن: شراكة قصيرة العمر
واحدة من أكثر النقاط إثارة في الدراسة هي وصفها للتقارب السوفياتي–الأميركي أثناء الأزمة. فحين وقع الغزو العراقي، كان وزير الخارجية السوفياتي إدوارد شيفرنادزه مجتمعاً مع نظيره الأميركي جيمس بيكر في مدينة إيركوتسك السيبيرية. في البداية، بدا أن الطرفين يتعاملان مع الأزمة كملف يمكن إحتواؤه دبلوماسياً. لكن خلال ساعات فقط، بدأت واشنطن تدفع بإتجاه مسار أكثر صدامية، مطالبةً موسكو بوقف تسليح العراق، ثم العمل المشترك لعزل بغداد دولياً. وتشير الدراسة إلى أن اللحظة الرمزية الأهم كانت البيان السوفياتي–الأميركي المشترك في 3 أغسطس/آب 1990، الذي إعتبره الباحثان حدثاً إستثنائياً بكل المقاييس. ففي ذروة الحرب الباردة كان من شبه المستحيل تخيل بيان مشترك كهذا بين القوتين العظميين بشأن أزمة إستراتيجية. لكن النص يلفت إلى أن اللغة الأميركية هي التي غلبت على البيان النهائي، خصوصاً مع إدراج مفردات مثل «العدوان» والدعوة إلى وقف عالمي لتسليح العراق. وتقتبس الدراسة هنا عبارة مفصلية: «الحكومات التي تلجأ إلى العدوان السافر يجب أن تعرف أن المجتمع الدولي لا يمكنه ولن يقبل العدوان». غير أن السؤال الذي يطرحه الباحثان لاحقاً هو: من كان يحدد فعلاً ما يريده «المجتمع الدولي»؟
الحرب كانت مقررة مبكراً
من أبرز إستنتاجات الدراسة أن واشنطن إتخذت قرارها الفعلي بالحسم العسكري منذ الأيام الأولى للأزمة، حتى بينما كانت تؤكد علناً أنها ما تزال تمنح الدبلوماسية فرصة. ففي الوقت الذي كان فيه شيفرنادزه يصرّح بأن الولايات المتحدة لا تخطط لعملية عسكرية، كان بوش الأب يبلغ الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران بأنه لا يثق بالدبلوماسية، وأن المواجهة العسكرية تبدو حتمية. وتشير الدراسة إلى مفارقة مهمة: موسكو كانت تعتقد أنها تبني «توافقاً دولياً»، بينما كانت واشنطن تبني «تحالفاً حربياً». وتكشف الوثائق التي يستند إليها المقال أن الإدارة الأميركية رفضت منذ البداية أي إحتمال لبقاء الكويت تحت النفوذ العراقي، حتى لو توقفت العمليات العسكرية العراقية. كان المطلوب، بحسب القراءة الروسية، ليس فقط تحرير الكويت، بل فرض نموذج جديد للعلاقات الدولية.
«النظام العالمي الجديد» كفكرة أميركية
في أحد أكثر مقاطع الدراسة كثافةً، يربط الباحثان بين حرب الخليج وصعود الفكرة الأميركية عن «نهاية التاريخ» التي طرحها فرانسيس فوكوياما عام 1989. فالولايات المتحدة، بحسب النص، بدأت ترى نفسها ليس كقوة عظمى بين قوى أخرى، بل بإعتبارها التعبير السياسي والأخلاقي الوحيد عن «النظام العالمي». ومن هنا جاءت الفكرة التي تتكرر في المقال مراراً: «الولايات المتحدة إدّعت أنها تتصرف بإسم المجتمع الدولي ومن أجله، وبدأت تطابق بين مصالحها الخاصة ومصالح العالم». هذا التحول هو جوهر الدراسة كلها. فالحرب على العراق لم تكن مجرد رد على غزو الكويت، بل إعلاناً بأن عصر التوازنات الدولية إنتهى، وأن واشنطن باتت صاحبة الحق في تعريف الشرعية الدولية.
غورباتشوف: شريك مرتبك لا يريد القطيعة
تُظهر الدراسة ميخائيل غورباتشوف كشخصية تراهن حتى اللحظة الأخيرة على إمكانية بناء شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة. كان يخشى أن تؤدي الحرب إلى تدمير «التوافق الدولي» الذي إعتبره أعظم إنجاز لنهاية الحرب الباردة. لذلك حاول بإستمرار الدفع نحو حلول وسط، تسمح للعراق بالإنسحاب التدريجي مقابل تسويات أوسع تشمل القضية الفلسطينية والوجود العسكري الأميركي في الخليج. في هذا السياق، تبرز مهمة يفغيني بريماكوف إلى بغداد بإعتبارها آخر محاولة سوفياتية لإنقاذ المسار السياسي. وقد توصّل بريماكوف بالفعل إلى صيغ تفاوضية تضمنت إنسحابًا عراقياً مقابل تفاهمات إقليمية أوسع. لكن واشنطن، وفق الدراسة، لم تعد مهتمة فعلاً بالتسوية السياسية. وتنقل الدراسة عن رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر موقفاً متشدداً يرفض أي تسوية لا تنتهي بتحطيم القوة العراقية بالكامل.
اللحظة التي أدركت فيها موسكو الحقيقة
مع إنطلاق القصف الأميركي في يناير/كانون الثاني 1991، بدأ يتبلور داخل القيادة السوفياتية شعور بأن الولايات المتحدة إستخدمت الأزمة لإعادة صياغة النظام الدولي بالقوة. ورغم ذلك، لم تكن موسكو مستعدة للمواجهة مع واشنطن. فالقيادة السوفياتية كانت ترى أن القطيعة مع أميركا ستعني العودة إلى العزلة والإنهيار. ولهذا ينتهي المقال بإقتباس بالغ الرمزية من يوميات مساعد غورباتشوف، أناتولي تشيرنيايف: «نحن محكومون بالصداقة مع أميركا، مهما فعلت، وإلا فستعود العزلة وينهار كل شيء». هذه العبارة، في نظر الكاتبين، تختصر المأزق السوفياتي بأكمله: إدراك متزايد لطبيعة الهيمنة الأميركية الجديدة، مقابل عجز فعلي عن مقاومتها.
قراءة روسية للحظة تأسيس العالم الأحادي
تكمن أهمية دراسة سافرانتشوك وسوشينتسوف في أنها لا تقرأ حرب الخليج الأولى كحدث تاريخي منتهٍ، بل بإعتبارها لحظة التأسيس الفعلية للعالم الذي عاش تحت الهيمنة الأميركية طوال العقود الثلاثة التالية.
فالكاتبَان يقدّمان الحرب بإعتبارها: ▪️أول تدخل عسكري واسع النطاق تحت مظلة «الإجماع الدولي» بعد الحرب الباردة. ▪️أول إستخدام مكثف لمجلس الأمن كأداة تمنح الشرعية لتحالف تقوده واشنطن. ▪️أول إختبار لفكرة أن الولايات المتحدة تستطيع تعريف «القانون الدولي» عملياً وفق مصالحها. ▪️وأول تجربة كبرى لدمج القوة العسكرية بالتفوق الإعلامي والسياسي لإنتاج نظام عالمي أحادي القطبية.
وفي خلفية النص كله يظهر سؤال روسي معاصر بامتياز: هل كان ممكناً تجنب العالم الأحادي لو أن موسكو إتخذت موقفاً أكثر صلابة عام 1990؟ أم أن إنهيار الإتحاد السوفياتي كان قد جعل تلك النتيجة حتمية؟ الدراسة لا تجيب بشكل مباشر، لكنها تلمّح بوضوح إلى أن ما جرى في الخليج لم يكن مجرد حرب لتحرير الكويت، بل بداية عصر كامل — عصر تعتبره موسكو اليوم في طور الإنهيار.
*****
▪️إيفان سافرانتشوك باحث وأستاذ روسي في العلاقات الدولية، متخصص في قضايا الأمن الدولي والنظام العالمي والسياسة الخارجية الروسية.
▪️أندريه سوشينتسوف أكاديمي ومحلل سياسي روسي، يشغل منصب عميد كلية العلاقات الدولية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية (MGIMO)، ويُعرف بأبحاثه في الإستراتيجية الدولية والعلاقات الروسية–الغربية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
-
بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك
...
-
من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب
...
-
حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك
...
-
حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك
...
-
العودة إلى السوفيات؟
-
الأخطاء العسكرية التي كشفتها الحرب على إيران
-
روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الح
...
-
ناجي العلي... الرصاص الذي لم يقتل حنظلة
-
من فندق الملك داود إلى الليكود: كيف صعد قادة التنظيمات الإره
...
-
لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟
-
ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا و
...
-
من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند
...
-
«النصر على الذات قبل العدو»
-
حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
-
من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم
...
-
أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
-
حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
-
ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو
...
-
مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف
...
المزيد.....
-
خامنئي يعيد تشكيل القيادة العسكرية الإيرانية.. تعيينات في 6
...
-
أكثر من 100 قتيل في زلزال عنيف يضرب كولومبيا بقوة 7.4 درجة
-
ترامب يقول إنه سيطالب إيران بتعويضات لضحايا المظاهرات و-كول-
...
-
زاخاروفا: النازيون الجدد في كييف تعمدوا مهاجمة المدنيين الأج
...
-
-أجرى أول مناورة-.. تل أبيب تعلن رصد تسارع في إعادة تأهيل سل
...
-
رد روسي على إعلان ستوكهولم إيقاف -عملية تجسس روسية- تهدف إلى
...
-
سقوط مقاتلة ميغ-29 أوكرانية في ثاني حادث خلال أسبوعين خلال م
...
-
مصري يعترف للشرطة الكويتية بمفاجأة صادمة بعد قتله رجلين
-
سلام يبحث الترتيبات المرتقبة المتعلقة بمرور النفط العراقي عب
...
-
قوات الحكومة اليمنية تقصف مواقع للحوثيين
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|