أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق الفكر الجيوسياسي المعاصر















المزيد.....


دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق الفكر الجيوسياسي المعاصر


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 20:28
المحور: الادب والفن
    


قراءة في ثلاث رؤى للعالم: ميرشايمر، خانا، ورؤية تفكيك الاحتكار المالي
……

تمهيد: عالم يتنازعه ثلاث رؤى

في خضم التحولات المضطربة التي يعيشها النظام العالمي، تتصارع ثلاث رؤى كبرى لفهم مسار العالم ومستقبله. الأولى، التي يمثلها جون ميرشايمر، ترى العالم من خلال عدسة "الواقعية الهجومية"، حيث تبقى القوى العظمى أسيرة لمنطق التنافس الدائم على السلطة، وحيث تكون الحرب بين الولايات المتحدة والصين شبه حتمية . والثانية، التي يمثلها باراج خانا، ترى عالماً يعبر الحدود الوطنية عبر شبكات البنية التحتية وسلاسل التوريد، حيث يصبح التواصل هو المصير، وحيث يمكن للتكامل الاقتصادي أن يتجاوز الصراعات التقليدية . والثالثة، التي يمثلها هذا الكتاب، ترى عالماً تتصارع فيه قوى الاحتكار المالي مع قدرة الدول على السيادة، وحيث يكمن مفتاح التغيير في تفكيك البنية المالية المهيمنة وإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة.

هذه الدراسة المقارنة تسعى إلى وضع رؤية هذا الكتاب في سياقها الفكري، ومقارنتها مع الرؤيتين السائدتين في الفكر الجيوسياسي المعاصر، وكشف نقاط الالتقاء والافتراق، ونقاط القوة والضعف في كل منها. كما تسعى إلى تقديم قراءة نقدية لمدى قدرة كل رؤية على تفسير التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي، وعلى تقديم بدائل واقعية لمستقبل أكثر عدلاً واستدامة.

…..

أولاً: ميرشايمر والواقعية الهجومية: أسطورة الصراع الأبدي

1.1 جوهر النظرية: الفوضى والهيمنة

يقوم مشروع ميرشايمر الفكري، كما يوضح في كتابه مأساة سياسة القوى العظمى، على فرضية بسيطة لكنها قاسية: النظام الدولي هو نظام فوضوي، بمعنى أنه لا توجد سلطة مركزية عليا يمكن للدول أن تلجأ إليها لحماية أمنها . في هذا النظام، تضطر الدول إلى الاعتماد على نفسها، وهذا يعني أنها تسعى باستمرار لتعظيم قوتها النسبية، لأن القوة هي الضمان الوحيد للبقاء .

لكن ميرشايمر يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يرى أن الدول ليست مجرد ساعية إلى البقاء، بل هي ساعية إلى الهيمنة. ففي نظره، "الهدف النهائي للقوى العظمى هو أن تكون المهيمن على النظام" . وليس هناك ما يوقف هذه السعي، لأن الدول لا يمكنها أبداً التأكد من نوايا الآخرين، ولأن الأسلحة الهجومية لا يمكن تمييزها عن الدفاعية، ولأن الغش في الاتفاقات ممكن دائماً .

1.2 التطبيق على العلاقات الأميركية-الصينية

ميرشايمر لا يترك قراءته النظرية في التجريد، بل يطبقها على الحالة الأكثر إلحاحاً في العلاقات الدولية المعاصرة: العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. وهو يخلص إلى أن الصعود الصيني لا يمكن أن يكون سلمياً، لأن "الصين الصاعدة سوف تسعى للهيمنة على آسيا، بينما الولايات المتحدة، العازمة على البقاء المهيمن الإقليمي الوحيد في العالم، ستبذل قصارى جهدها لمنع ذلك" . وهذا يعني، في تحليله، أن الصراع بين القوتين شبه حتمي، وأن سياسات "الإشراك" التي تنتهجها واشنطن تجاه بكين هي مجرد وهم .

1.3 نقاط القوة في الرؤية الميرشايمرية

تتمتع رؤية ميرشايمر بقوة تفسيرية لا يمكن تجاهلها. فهي تقدم تفسيراً متماسكاً لسلوك القوى العظمى عبر التاريخ، من بريطانيا في القرن التاسع عشر إلى ألمانيا واليابان في القرن العشرين . وهي تلتقط جانباً مهماً من الواقع الدولي: أن التنافس على السلطة والنفوذ لم يختفِ مع نهاية الحرب الباردة، بل استمر بأشكال جديدة. كما أنها تقدم تحذيراً قيماً من التفاؤل المفرط الذي ساد في التسعينيات، والذي رأى في نهاية التاريخ بداية عصر سلام دائم .

1.4 نقاط الضعف في الرؤية الميرشايمرية

لكن رؤية ميرشايمر تعاني من نقاط ضعف جوهرية تجعلها غير كافية لفهم تحولات العصر الراهن:

أولاً: إهمال البنية الاقتصادية الداخلية. ميرشايمر يعامل الدول كما لو كانت "كرات بلياردو" متطابقة، تتصرف وفق نفس المنطق بغض النظر عن بنيتها الداخلية . لكن هذا يتجاهل حقيقة أن بعض الدول تخضع لسيطرة احتكارات مالية، بينما دول أخرى تطور صناعاتها الوطنية، ودول ثالثة تحاول بناء اقتصاد مستقل. هذا الاختلاف في البنية الاقتصادية له تأثير عميق على السلوك الدولي، وهو ما لا يمكن تفسيره بإطار ميرشايمر.

ثانياً: تجاهل دور رأس المال العابر للحدود. ميرشايمر يركز على الدول كفاعلين وحدويين، متجاهلاً أن الكثير من القوة اليوم لا تكمن في الدول بقدر ما تكمن في الشركات العابرة للحدود، والاحتكارات المالية، والشبكات العالمية . هذه الفاعلين لا تخضع لمنطق "الواقعية الهجومية" الذي وضعه ميرشايمر، لأنها لا تسعى للهيمنة الإقليمية بنفس الطريقة، بل تسعى لتعظيم أرباحها عبر شبكات عالمية.

ثالثاً: الفشل في تفسير التحولات المالية. ميرشايمر لا يتعامل مع النظام المالي العالمي كمتغير مؤثر في العلاقات الدولية. لكن أزمة 2008، وأزمة الديون الأوروبية، وارتفاع أسعار الذهب، وتراجع مكانة الدولار، كلها ظواهر تعكس تحولات في بنية القوة العالمية لا يمكن فهمها دون تحليل النظام المالي . هذا الكتاب يقدم هذا التحليل، ويظهر كيف أن انهيار المحميات الخليجية أو وول ستريت قد يكون أكثر تأثيراً على النظام العالمي من أي صراع عسكري بين القوى العظمى.

رابعاً: التشاؤم المطلق. ميرشايمر يرى أن الصراع الأبدي هو مصير البشرية، وأنه لا مفر من التنافس الدموي بين القوى العظمى . لكن هذا التشاؤم قد يكون مجرد إسقاط لعقلية الحرب الباردة على واقع مختلف. ففي عالم تعبر فيه رؤوس الأموال الحدود بسرعة الضوء، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية بشكل معقد، قد لا يكون الصراع العسكري التقليدي هو السيناريو الأكثر ترجيحاً.

…..

ثانياً: باراج خانا ورؤية "كونيكتوغرافي": الإمبراطورية التي تربطها شبكات التواصل

2.1 جوهر الرؤية: التواصل مصير

يقوم مشروع باراج خانا، كما يوضح في كتابه كونيكتوغرافي، على فكرة أن العالم يتحول من نظام تقوم عليه الدول القومية إلى نظام تقوم عليه شبكات التواصل . فالإنسانية، كما يرى خانا، تعيد هندسة الكوكب من خلال الاستثمار الضخم في البنية التحتية للنقل والطاقة والاتصالات، التي تربط المدن العملاقة ببعضها البعض . هذه الشبكات، في نظره، هي التي ستعيد رسم خريطة العالم، وليس الحدود السياسية التقليدية.

خانا يذهب إلى أن التنافس في القرن الحادي والعشرين لم يعد تنافساً على الأراضي، بل تنافساً على خطوط الأنابيب، والسكك الحديدية، وممرات الشحن، وكابلات الإنترنت . وهو يرى أن الصين هي الرابح الأكبر في هذا السباق، من خلال مبادرة الحزام والطريق التي تعيد تشكيل أوراسيا . وفي المقابل، يرى أن الولايات المتحدة يمكنها استعادة موقعها من خلال الاندماج مع جيرانها في اتحاد أميركي شمالي عملاق .

2.2 التفاؤل الكونيكتوجرافي: نهاية حروب الموارد

من أبرز سمات رؤية خانا هو تفاؤلها الكبير. فهو يرى أن اكتشافات الطاقة الجديدة والتقنيات الحديثة قد ألغت الحاجة إلى حروب الموارد . كما يرى أن ممرات النقل وشبكات الطاقة يمكنها أن تفكك الحدود الاستعمارية الموروثة في أفريقيا، وأن العالم العربي نفسه يتجه نحو خريطة أكثر سلمية . وحتى الصراعات، في نظره، ليست سوى "شد الحبل" على البنية التحتية، ويمكن حلها من خلال التكامل الاقتصادي .

2.3 نقاط القوة في الرؤية الكونيكتوجرافية

تمتلك رؤية خانا قوة تفسيرية في التقاط جانب مهم من التحولات العالمية: أن البنية التحتية وسلاسل التوريد أصبحت تشكل نسيج العالم بطرق تتجاوز الحدود السياسية . فهي تقدم تفسيراً مقنعاً لصعود الصين، ولأهمية الممرات الاقتصادية، ولدور المدن العالمية في النظام الجديد. كما أنها تقدم رؤية متفائلة تخفف من حدة التشاؤم الميرشايمري، وتذكرنا بأن التعاون الاقتصادي لا يزال قوة دافعة في العلاقات الدولية .

2.4 نقاط الضعف في الرؤية الكونيكتوجرافية

لكن رؤية خانا تعاني، مثل رؤية ميرشايمر، من نقاط ضعف جوهرية تجعلها غير كافية لفهم التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي:

أولاً: تجاهل قوة الاحتكار. خانا يرى العالم من خلال عدسة التدفقات والبنية التحتية، لكنه يتجاهل أن هذه التدفقات يسيطر عليها عدد محدود من الاحتكارات المالية . شبكات النقل والطاقة والاتصالات ليست حرة ومفتوحة، بل هي أدوات للسيطرة في يد شركات عملاقة وبنوك استثمارية. خانا لا يتعامل مع مسألة من يملك هذه الشبكات، ومن يتحكم فيها، ومن يستفيد منها.

ثانياً: إهمال الصراع الطبقي والمالي. رؤية خانا تركز على الجغرافيا والبنية التحتية، لكنها تتجاهل الصراعات الطبقية والمالية التي تشكل العالم. فليس كل الناس في عالم خانا متساوين في الوصول إلى الشبكات، وليس كل الدول قادرة على الاستثمار في البنية التحتية. الاحتكارات المالية، التي تملك مفاتيح التمويل، هي التي تقرر أين تذهب الاستثمارات، وهذا لا يتوقف على رؤية خانا المتفائلة .

ثالثاً: التفاؤل المفرط. خانا يرى أن التكامل الاقتصادي وحده كافٍ لتجاوز الصراعات التقليدية . لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالتكامل الاقتصادي لم يمنع الحرب في أوكرانيا، ولم يمنع التوتر في بحر الصين الجنوبي، ولم يمنع سباق التسلح العالمي الذي وصل إلى أعلى مستوياته منذ الحرب الباردة. رؤية خانا قد تكون أصابت في بعض جوانبها، لكنها تبالغ في تبسيط تعقيدات العلاقات الدولية.

رابعاً: إهمال دور الدولة. خانا يرى أن الدولة القومية أصبحت متجاوزة، وأن المستقبل للشبكات والمدن . لكن الدولة لا تزال الفاعل الأقوى في النظام الدولي، ولا تزال تملك أدوات القوة التي لا تملكها الشبكات. الدولة هي التي تفرض الضرائب، وتدير الجيوش، وتوقع الاتفاقات، وتقرر الحرب والسلم. إهمال دور الدولة هو نقطة ضعف كبيرة في رؤية خانا.

……

ثالثاً: رؤية هذا الكتاب: تفكيك الاحتكار المالي كشرط للتحول

3.1 جوهر الرؤية: الأزمة بنيوية وليست مالية

تختلف رؤية هذا الكتاب اختلافاً جوهرياً عن الرؤيتين السابقتين. فبينما يرى ميرشايمر أن الأزمة في النظام الدولي تعود إلى الفوضى وسعي الدول للقوة، ويرى خانا أن الأزمة في عدم كفاية شبكات التواصل، يرى هذا الكتاب أن الأزمة الحقيقية هي أزمة بنيوية في النظام الرأسمالي نفسه، وأن مفتاح فهم التحولات العالمية هو فهم تحول البنوك والاحتكارات المالية إلى مراكز سلطة تتجاوز الدولة.

انطلاقاً من مفهوم "الاحتكار المالي المعمم" الذي طوره سمير أمين، يرى هذا الكتاب أن البنوك الأميركية لم تعد مؤسسات ائتمانية، بل أصبحت مؤسسات سلطة تتحكم في السياسة، والإعلام، والمجمع الصناعي العسكري، والانتخابات، وصناعة الديون . وهذا التحول، في نظره، هو الذي يجعل أي إصلاح داخل النموذج الرأسمالي مجرد دوران في حلقة مفرغة.

3.2 التأميم كضرورة بنيوية

على عكس رؤية ميرشايمر التي ترى أن الحل هو في توازن القوى، ورؤية خانا التي ترى أن الحل هو في توسيع شبكات التواصل، يرى هذا الكتاب أن الحل الحقيقي يكمن في كسر منطق الاحتكار المالي من خلال تأميم البنوك والشركات الاستراتيجية. التأميم، في هذه الرؤية، ليس شعاراً أيديولوجياً، بل أداة عقلانية لإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة.

هذا الموقف يمثل قطيعة مع كل من الواقعية الميرشايمرية والتفاؤل الكونيكتوجرافي. فالميرشايمريون يرون أن الدولة يجب أن تقوي قدراتها العسكرية لمواجهة التحديات الخارجية، لكنهم لا يتعاملون مع التحدي الداخلي المتمثل في سيطرة الاحتكارات على الدولة نفسها. والخانائيون يرون أن التكامل الاقتصادي كافٍ لحل المشكلات، لكنهم يتجاهلون أن هذا التكامل يخضع لسيطرة الاحتكارات نفسها التي تسبب المشكلات.

3.3 انهيار وول ستريت والمحميات الخليجية كحلقات في سلسلة التحول

هذا الكتاب يقدم تحليلاً متكاملاً لثلاث ظواهر مترابطة: تأميم البنوك، انهيار وول ستريت، وانهيار المحميات الخليجية. ويرى أن هذه الظواهر ليست منفصلة، بل تشكل سلسلة تحولات تعكس أزمة النموذج الرأسمالي نفسه. فانهيار المحميات الخليجية قد يؤدي إلى اهتزاز وول ستريت، وهذا الاهتزاز قد يفتح الباب أمام تأميم البنوك، والتأميم قد يصبح ضرورة لإعادة بناء الاقتصاد الأميركي على أسس جديدة.

هذا التحليل يتجاوز كل من ميرشايمر وخانا في عمقه البنيوي. فهو لا يكتفي بتحليل تنافس القوى أو شبكات التواصل، بل يحلل البنية المالية التي تشكل هذه القوى وهذه الشبكات. وهو يقدم رؤية لكيفية تغيير هذه البنية من جذورها، وليس فقط التعامل مع آثارها.

……

رابعاً: مقارنة نقدية: ثلاث رؤى في ميزان التحليل

4.1 قراءة نقدية للرؤية الميرشايمرية من منظور هذا الكتاب

من منظور هذا الكتاب، تعاني الرؤية الميرشايمرية من قصور خطير في فهم طبيعة السلطة في العالم المعاصر. فميرشايمر يركز على القوة العسكرية والقدرة على الإسقاط الإقليمي، متجاهلاً أن القوة المالية أصبحت أكثر تأثيراً من القوة العسكرية في كثير من المجالات. الاحتكارات المالية، التي لا تظهر في تحليل ميرشايمر، هي التي تمول الحروب وتقرر أين تذهب الاستثمارات وتؤثر على السياسات الخارجية للدول .

كما أن رؤية ميرشايمر تتجاهل أن الصراع الحقيقي في العالم ليس بين الدول فقط، بل بين الاحتكارات والدول، وبين رأس المال والمجتمع. فالدولة الأميركية، التي يراها ميرشايمر فاعلاً وحدوياً يسعى للهيمنة، هي في الواقع دولة تخضع لسيطرة الاحتكارات المالية، وهذا يغير تماماً طبيعة سلوكها. فالهيمنة الأميركية ليست مجرد هيمنة دولة، بل هي هيمنة رأس المال المالي الذي يستخدم الدولة كأداة.

4.2 قراءة نقدية للرؤية الكونيكتوجرافية من منظور هذا الكتاب

من منظور هذا الكتاب، تعاني الرؤية الكونيكتوجرافية من تفاؤل مفرط يتجاهل أن شبكات التواصل ليست حرة ومفتوحة، بل هي أدوات للسيطرة في يد الاحتكارات. فخانا يتحدث عن البنية التحتية وسلاسل التوريد كأنها محايدة، لكنها في الواقع تخضع لسيطرة شركات عملاقة وبنوك استثمارية تسعى لتعظيم أرباحها على حساب المجتمع والبيئة .

كما أن رؤية خانا تتجاهل أن التكامل الاقتصادي، بدلاً من أن يؤدي إلى السلام، قد يؤدي إلى تعميق التفاوت وزيادة التوترات. فالربط بين الاقتصادات لا يعني بالضرورة توزيعاً عادلاً للثروات، بل قد يعني أن تفاوتاً أكبر في الدخل والثروة على المستوى العالمي، وهذا يخلق توترات وصراعات جديدة.

4.3 نقاط قوة رؤية هذا الكتاب في السياق المقارن

تتميز رؤية هذا الكتاب بعدة نقاط قوة تجعلها أكثر قدرة على تفسير التحولات العالمية المعاصرة:

أولاً: العمق البنيوي. رؤية هذا الكتاب لا تكتفي بتحليل الظواهر السطحية، بل تحلل البنى العميقة التي تشكلها، وخاصة البنية المالية والاحتكارية. وهذا يسمح لها بتفسير ظواهر لا تستطيع الرؤيتان الأخريان تفسيرها: أزمة الديون، تضخم الأسواق المالية، تراجع مكانة الدولار، صعود الذهب، وغيرها.

ثانياً: الربط بين المستويات المختلفة. هذا الكتاب يربط بين المستوى المالي والمستوى السياسي والمستوى العسكري في تحليل واحد، ويظهر كيف أن هذه المستويات متشابكة وتؤثر في بعضها. وهذا يتيح فهماً أكثر شمولاً للتحولات العالمية.

ثالثاً: تقديم بديل. رؤية هذا الكتاب لا تكتفي بالتحليل، بل تقدم بديلاً واضحاً: التأميم وإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة. وهذا البديل، مهما بدا صعباً، يقدم أفقاً للتغيير لا تقدمه الرؤيتان الأخريان.

رابعاً: الاستمرارية مع تقاليد نقدية عريقة. رؤية هذا الكتاب تستند إلى تقاليد نقدية عريقة في تحليل الرأسمالية، من ماركس إلى سمير أمين، وهذا يمنحها عمقاً تاريخياً ونظرياً لا تمتلكه الرؤيتان الأخريان .

……..

خامساً: الخلاصة: نحو رؤية تركيبية للعالم المعاصر

بعد هذه المقارنة، يمكن القول إن الرؤى الثلاث - الميرشايمرية، والكونيكتوجرافية، ورؤية هذا الكتاب - تقدم كل منها جزءاً من الحقيقة، لكن لا واحدة منها كافية وحدها لفهم التحولات العالمية المعاصرة.

فالميرشايمريون يصيبون في التأكيد على استمرار التنافس بين القوى العظمى، لكنهم يخطئون في تجاهل أن هذا التنافس يتشكل بواسطة بنية مالية عالمية لا تخضع لمنطقهم. والخانائيون يصيبون في التأكيد على أهمية شبكات التواصل والبنية التحتية، لكنهم يخطئون في تجاهل أن هذه الشبكات تخضع لسيطرة احتكارات تسعى لتعظيم أرباحها على حساب المجتمع.

أما رؤية هذا الكتاب، فتصيب في تحليل البنية المالية العميقة التي تشكل التحولات العالمية، وفي تقديم بديل حقيقي لتجاوز أزمة النموذج الرأسمالي. لكنها قد تخطئ في التخفيف من شأن استمرار تنافس القوى العظمى، وفي تجاهل أن التحول في البنية المالية يحتاج إلى تحول في توازن القوى السياسي والعسكري أيضاً.

لذلك، يبدو أن رؤية تركيبية تجمع بين عناصر الرؤى الثلاث هي الأكثر قدرة على فهم العالم المعاصر. رؤية تعترف باستمرار التنافس بين القوى العظمى (ميرشايمر)، وتعترف بأهمية شبكات التواصل والبنية التحتية (خانا)، لكنها ترى أن كلا هذين البعدين يتشكل بواسطة بنية مالية عالمية تخضع لسيطرة الاحتكارات، وأن مفتاح التغيير الحقيقي يكمن في تفكيك هذه البنية وإعادة بناء الاقتصاد على أسس الإنتاج والعدالة (رؤية هذا الكتاب).

هذه الرؤية التركيبية يمكن أن تكون الأساس لفهم التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي، ولتطوير استراتيجيات فعالة للتغيير في عالم يتصارع فيه رأس المال مع الدولة، والشبكات مع الحدود، والاحتكارات مع المجتمعات.

…….

المراجع

1. سمير أمين، حوار مع روبن رامبوير، ترجمة سعيد بوخليط، منشورات حكمة، 2024.
2. John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics, W. W. Norton & Company, 2001 .
3. Parag Khanna, Connectography: Mapping the Future of Global Civilization, Random House, 2016 .
4. Benedetto Vecchi, "Parag Khanna: La buona realpolitik che nega il medioevo dell ordine mondiale", recensione di Come si governa il mondo, Fazi Editore .
5. "Why the great powers must make war", Chicago Tribune, December 16, 2001 .
6. Richard Little, "John J. Mearsheimer s The Tragedy of Great Power Politics", The Balance of Power in International Relations, Cambridge University Press, 2007 .
7. Susan Carruthers, "Losers locked in an endless game", Times Higher Education, June 21, 2002 .

…..

يمكن قراءة الكتاب بالعربية مجانا على الرابط التالي :

https://open.substack.com/pub/saloum1/p/ede?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw

بالفرنسية
https://open.substack.com/pub/saloum1/p/lempire-au-bord-du-precipice-lecture?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw

والإنكليزية

https://open.substack.com/pub/saloum1/p/the-empire-on-the-brink-of-the-abyss?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي ال ...
- لماذا يخشى الغرب الاستعماري الاعتراف بصعود عالم جديد؟
- تمهيد رواية : اعترافات راوٍ ساخر في زمن النيوليبرالية
- -الغاز الأخير، أو كوميديا الأنابيب المتفجرة-.. تراجيكوميديا ...
- دراسة مقارنة: روايتي «ذاكرة الفوتون الأخير» في سياق الخيال ا ...
- من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد ا ...
- تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ: إعادة تشكيل ميزان القوى الع ...
- حين تتحدث الحقائق الاقتصادية: قراءة في سردية الانهيار الإيرا ...
- الفروق البنيوية بين اليمين الحاكم و المتطرف، واليسار في فرنس ...
- المغناطيس الصيني والطاقة الأبدية: كيف غيّرت الصين قواعد الحض ...
- مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصو ...
- قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم ...
- مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
- مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد
- الاختطاف العسكري للرئيس الفنزويلي والاستيلاء على عائدات النف ...
- تحليل قانوني لعزل ترامب وملاحقته الجنائية في ولايته الثانية
- تمهيد لروايتي : اطلس الضحكة الأخيرة
- تطبيق مفهوم الحصار كجريمة حرب على اليمن وكوبا – تحليل قانوني ...
- الحظر اليمني على مرور السفن السعودية في باب المندب: قراءة بن ...
- مسرحية -شهادة ميلاد ألمانية-..كوميديا سوداء في فصلين عن عقدة ...


المزيد.....




- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...
- الفنان توفيق عبد الحميد يحسم اعتزاله بلا رجعة.. وهذه أسبابه ...
- بوتمن: مشروع أول جامعة متخصصة في موسيقى الجاز في روسيا جاهز ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق الفكر الجيوسياسي المعاصر