أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - الجوهري في مفهوم احتكار الدولة السيادة في مسألة الحرب والسلم















المزيد.....

الجوهري في مفهوم احتكار الدولة السيادة في مسألة الحرب والسلم


عصام الياسري

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 15:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أن انتقل الإنسان من حياة الجماعات المتفرقة إلى بناء المجتمعات المنظمة، برز سؤال جوهري: من يمتلك حق استخدام القوة؟ ولم يكن الجواب مجرد مسألة أمنية، بل كان الأساس الذي قامت عليه الدولة الحديثة. فالدولة لم تنشأ لتحتكر القوة من أجل الهيمنة على المجتمع، وإنما لتمنع احتكارها من قبل جماعات متنافسة، ولتجعل القانون، لا السلاح، المرجعية العليا في تنظيم حياة المواطنين.

لهذا أصبح احتكار الدولة لاستخدام القوة أحد أهم أركان السيادة. فالحرب والسلم، وحماية الحدود، وإنفاذ القانون، ليست وظائف يمكن أن تتوزع بين مراكز متعددة، لأن تعدد القرار العسكري يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تعدد مراكز السيادة، وهو ما يتعارض مع فكرة الدولة نفسها.

غير أن التاريخ يميز بوضوح بين مفهومين كثيرا ما يختلطان في الخطاب السياسي: المقاومة الوطنية والميليشيا المسلحة.

فالمقاومة الوطنية تنشأ عادة عندما تتعرض البلاد لاحتلال أجنبي أو عدوان خارجي، أو عندما تنهار مؤسسات الدولة بحيث تعجز عن الدفاع عن الوطن، فينهض المواطنون للدفاع عن وطنهم. ولذلك ارتبطت المقاومة في الوعي الإنساني بفكرة التحرر الوطني، لا بمنافسة الدولة أو الحلول محلها. بل أصبح الدفاع عن الأرض والسيادة تعبيرا عن حق أقرته المواثيق الدولية في سياق حركات التحرر الوطني. ولعل خير مثال ـ الدافع الوجودي ـ الذي جعل المرجع الديني السيد علي السيستاني إصدار فتوى „الجهاد الكفائي" في يونيو 2014 لمقاومة اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمحافظة الموصل ومناطق واسعة من العراق لتعبر عن نداء وطني وشرعي لحماية البلاد من الانهيار.

أما الميليشيا المسلحة فهي تنظيم يحتفظ باستقلالية في القيادة أو القرار أو استخدام القوة خارج التسلسل المؤسسي للدولة. وقد تنشأ بعض الميليشيات في ظروف استثنائية أو استجابة لأخطار حقيقية، لكن استمرار أي تشكيل مسلح خارج الإطار الدستوري يطرح سؤالا يتعلق بكيفية صون وحدة القرار السيادي، بغض النظر عن دوافع نشأته.

اذن، الفارق الجوهري بين المفهومين، يكمن في الهدف والشرعية، والارتباط بالدولة أو الأمة: فالميليشيا المسلحة هي تنظيم يمتلك السلاح خارج البنية العسكرية الرسمية، ويحتفظ باستقلالية في القرار والقيادة والتمويل، وقد يفرض إرادته على الدولة أو ينازعها اختصاصاتها. أما المقاومة الوطنية فهي فعل دفاعي يرتبط بهدف محدد هو مواجهة الاحتلال أو العدوان، وينتهي مبررها الطبيعي بزوال ذلك الاحتلال أو بعودة الدولة إلى ممارسة سيادتها الكاملة.

وهنا ينبغي التأكيد على حقيقة كثيرا ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن القضية ليست السلاح في حد ذاته، بل الجهة التي تمتلك قرار استخدامه. فقد توجد تشكيلات أمنية أو عسكرية تنظمها القوانين والدساتير، وتحدد صلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات الاتحادية أو المحلية، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح قرار الحرب أو السلم، أو استخدام القوة، خارج المنظومة الدستورية التي تمثل الدولة.

وفي هذا السياق يثار سؤال يتردد كثيرا في العراق: لماذا يطالب بعضهم بحصر السلاح بيد الدولة، بينما تُثار تساؤلات حول أوضاع تشكيلات أخرى، مثل قوات البيشمركة؟
والإجابة، إذا أردنا أن نبني دولة لا أن ندير سجالا سياسيا، يجب أن تنطلق من المبدأ لا من الأسماء. فالدولة الحديثة لا تقوم على الانتقائية، وإنما على عمومية القاعدة القانونية. وإذا كان الهدف هو ترسيخ سيادة الدولة، فإن المبدأ ينبغي أن يطبق على الجميع دون استثناء، مع مراعاة ما ينص عليه الدستور من ترتيبات وصلاحيات، وما يقتضيه الحوار الوطني من حلول توافقية في القضايا الانتقالية. فالمعيار ليس هوية التشكيل أو خلفيته، وإنما خضوع جميع أدوات القوة لمنظومة قانونية واحدة، بحيث يكون القرار السيادي النهائي صادرا عن المؤسسات الدستورية المختصة.

إن الخطأ الذي تقع فيه المجتمعات المنقسمة هو أنها تناقش الاستثناءات قبل أن تتفق على القاعدة. فإذا تحول كل نقاش إلى مقارنة بين هذه القوة وتلك، ضاعت الفكرة الأساسية، وهي أن الدولة لا تستقيم إلا عندما تكون المرجعية القانونية واحدة، وعندما يشعر جميع المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع بالقدر نفسه.

وليس هذا الطرح جديدا في التاريخ. فبعد الحرب العالمية الثانية، حُلَّت أو دُمجت معظم تشكيلات المقاومة الأوروبية في المؤسسات العسكرية أو المدنية للدول التي تحررت من الاحتلال، لأن وظيفة المقاومة كانت مرتبطة بمرحلة استثنائية، بينما كانت وظيفة الدولة هي إدارة مرحلة السلم. وفي دول عديدة خرجت من حروب التحرير في آسيا وأفريقيا، ارتبط نجاح بناء الدولة بقدرتها على الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدستور، ومن تعدد القوى المسلحة إلى مؤسسة وطنية واحدة تتولى الدفاع عن البلاد وفق القانون.

أما التجربة العربية والعراق على وجه التحديد، فقد واجهت تحديات أكثر تعقيدا. فالاحتلالات، والحروب، والإرهاب، والانقسامات الداخلية، كلها أوجدت ظروفا دفعت إلى ظهور تشكيلات مسلحة في أكثر من بلد. لكن الدرس الذي تكشفه التجارب المقارنة هو أن استمرار هذه الأوضاع بوصفها حالة دائمة يضعف مؤسسات الدولة، ويجعل عملية بناء المواطنة أكثر صعوبة، لأن المواطن يبدأ بالبحث عن الحماية في الجماعة قبل أن يبحث عنها في القانون.

ومن هنا، فإن بناء الدولة لا يعني إلغاء تضحيات من حملوا السلاح دفاعا عن الوطن، ولا تجاهل الظروف التي أفرزت تلك التشكيلات، بل يعني إيجاد إطار دستوري وقانوني يضمن أن تكون جميع أدوات القوة جزءًا من الدولة، وأن يكون ولاؤها للدستور، وأن يصدر قرار استخدامها من المؤسسات الشرعية وحدها.

إن المجتمعات لا تنتقل من الصراع إلى الاستقرار عبر انتصار طرف على آخر، وإنما عبر اتفاق الجميع على أن القانون هو الحكم، وأن الدولة هي المظلة التي تحمي الجميع بلا تمييز.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه العراق، كما يواجه عددا من الدول العربية، لا يكمن في امتلاك السلاح، بل في بناء الثقة بالدولة. فعندما يطمئن المواطن إلى أن حقوقه مصانة، وأن القضاء مستقل، وأن القانون يطبق على الجميع، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالقوة خارج المؤسسات، ويصبح الانتماء للوطن أقوى من أي انتماء آخر.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفكر العربي والعراقي على وجه الخصوص اليوم ليس: من يملك السلاح؟ بل: كيف نبني دولة تجعل جميع المواطنين يثقون بأن السلاح لن يُستخدم إلا باسم القانون، ولحماية الوطن والمجتمع، وفق قرار سيادي واحد؟ لا إن يستعمل لإرهاب المواطنين لأسباب عقائدية أو سياسية أو مصالح شعبوية. ذلك هو الطريق الذي يبدأ منه مشروع الدولة، وتترسخ فيه المواطنة، ويصبح التنوير ممارسة سياسية وثقافية، لا مجرد شعار يُرفع في أوقات الأزمات.



#عصام_الياسري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد أمريكا : زيارة الزيدي.. هل ستحدد القيمة السياسية الحق ...
- عندما تطرق الدولة أبواب الفساد: تتداخل حسابات الأحزاب بالضد ...
- الزيدي. . . الدولة أولا، والإطار التنسيقيِّ.. احتواء الحكومة ...
- العرَاق الحديث: معاييرُ ومتناقضاتُ مفهومِ ديمقراطيةِ الإعلام ...
- المشهد السياسي في العراق نموذجًا معقدًا لنظام سياسي قائمًا ع ...
- العراق عند تقاطع أزمتين متداخلتين تتمثل في: انقسام النظام ال ...
- معايير تمويل الأحزاب: بين النَّموذج الأوروبِّيِّ والواقع الع ...
- أحد أخطر التحولات التي تواجه العراق، نموذج “الدولة المزدوجة” ...
- مهرجان برليناله السينمائي 2026 سينما ترى في الفن فعل مقاومة ...
- شباط 63 اليوم ليس استعادة للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم جذور ...
- المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع
- العراق... أما أن يبق تحت وطأة المحاصصة والفساد.. أو أن ينهض ...
- مهرجانات عالمية... صناع السينما يسلطون الضوء على جرائم الإبا ...
- القضاء المستقل..أداة الدولة لترسيخ سيادتها وتحقيق العدل والح ...
- مهرجان البندقية السينمائي.. يطلق صرخة: فلسطين ..العبء ثقيلٌ ...
- ثماني حكومات طائفية وست دورات انتخابية برلمانية لم تمض واحدة ...
- ثورة 14 تموز 1958 إحدى أهم المحطات الفارقة في التاريخ الحديث ...
- الحق القانوني للعراق في الدفاع عن وحدة أراضيه وسلامة أجوائه ...
- وداعا زياد رحباني... سلاما عليك في الموسيقى وفي القصيدة وفي ...
- ما بين المجاملات السياسية والمصالح الشخصية... العراق يواجه م ...


المزيد.....




- شاهد.. أكثر من 90 ألف بطة مطاطية تغطي نهر شيكاغو وتكسيه بالل ...
- ألمانيا.. انخفاض منسوب نهر الراين يهدد الملاحة ويقسم المجرى ...
- ماذا ستفعل السعودية وتركيا إذا اندلعت حرب باكستانية هندية؟ - ...
- مئات يشاركون في موكب قوارب الكاياك في كوبنهاغن دعما لجرينلان ...
- تراجع مخزونات السلاح الأمريكي.. هل تستغل روسيا والصين الفرصة ...
- -تعويضات المتضررين من الحرب جُمّدت-.. تقرير: حزب الله يواجه ...
- رجال الإطفاء يواجهون حريق غابات في شرق مقاطعة كاستيون الإسبا ...
- الزواج كـ-غطاء واقٍ- للرجل.. عالمة اجتماع تشرح المفارقة
- رفع أعلام تركيا والسعودية وباكستان في إسلام آباد بعد توقيع - ...
- متظاهرون يواجهون سياحا إسرائيليين في أثينا خلال مظاهرات واسع ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - الجوهري في مفهوم احتكار الدولة السيادة في مسألة الحرب والسلم