أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع














المزيد.....

المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع


عصام الياسري

الحوار المتمدن-العدد: 8529 - 2025 / 11 / 17 - 21:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قال رجل حكيم ذات مرة أن الهدف ليس إعادة تفسير العالم باستمرار، بل تغييره!.

تُعدّ الأخلاق في الممارسة السياسية من القضايا الجوهرية التي تحدد مسار تطور المجتمعات واستقرارها. فالسياسة من دون بعدٍ أخلاقي تفقد معناها الإنساني وتتحول إلى صراعٍ على النفوذ والمصالح. وفي السياق العراقي، تبرز أهمية هذا الموضوع على نحو خاص بعد عام 2003، حيث واجهت البلاد أزمة أخلاقية عميقة في الممارسة السياسية، انعكست على مؤسسات الدولة وثقة المواطن في النظام الديمقراطي المزعوم.

إن الأخلاق في العمل السياسي ليست ترفا فكريا، بل شرط أساسي لنجاح الدولة واستقرارها. فالممارسة السياسية التي تنفصل عن الأخلاق تُنتج الاستبداد والفساد، بينما تلك التي تستند إلى القيم تنتج العدالة والتنمية والكرامة. وعليه، فإن المشاركة الحزبية النزيهة والإدارة الأخلاقية لمؤسسات الدولة هما الركيزتان الأساسيتان لبناء ثقة المواطن وتحقيق المصلحة العامة.

فالأحزاب السياسية، بصفتها مؤسسات تمثّل المواطنين وتسعى للوصول إلى السلطة، يجب أن تمارس نشاطها وفق ضوابط أخلاقية مثل: الصدق والشفافية في الخطاب السياسي، تجنّب التضليل أو الوعود الكاذبة لجذب الناخبين. احترام المنافسة السياسية أي عدم اللجوء إلى التشهير أو العنف أو شراء الأصوات. الالتزام بالديمقراطية الداخلية بحيث تكون القيادة داخل الحزب قائمة على الكفاءة والاختيار الحر لا الولاءات الشخصية. خدمة المصلحة الوطنية لا يجوز أن تكون المصلحة الحزبية فوق مصلحة الدولة أو المجتمع.

منذ العصور القديمة، شغل مفهوم الأخلاق السياسية حيّزًا واسعا في الفكر الفلسفي. فقد رأى أرسطو أن الغاية من السياسة هي تحقيق الحياة الفاضلة، بينما اعتبر المفكر الاجتماعي العراقي علي الوردي أن الأخلاق يمكن أن تكون أداة مرنة تُخضع لمصلحة الدولة. وفي الفكر الإسلامي، نجد أن الفارابي وابن خلدون ربطا السياسة بالأخلاق ارتباطا وثيقا، إذ تُعدّ العدالة أساس العمران والاستقرار. ومع تطور الفكر الحديث، أصبح الحديث عن الأخلاق السياسية مرتبطا بمبادئ الحكم الرشيد، الشفافية، والمساءلة.

تختلف الممارسة الأخلاقية في السياسة باختلاف البنية الثقافية والحضارية لكل مجتمع. ففي الغرب، تطورت فكرة الأخلاق السياسية ضمن منظومة فكرية علمانية تركز على العقد الاجتماعي والمواطنة. أما في الحضارة الإسلامية، فالأخلاق السياسية ترتكز على مفهوم الأمانة والمسؤولية أمام الله والمجتمع. وفي العراق، الذي يجمع بين إرث حضاري عريق وتنوع ثقافي واسع، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأخلاق والسياسة بما ينسجم مع قيم العدالة والكرامة والهوية الوطنية.

منذ التغيير السياسي عام 2003، واجه العراق تحديات سياسية عميقة تمثلت في ضعف الثقة بين المواطن والدولة، وانتشار ظواهر المحاصصة والفساد، وتسييس مؤسسات الدولة. هذه الأزمات ليست فقط نتاج خلل مؤسساتي، بل تعكس انهيارا في المنظومة الأخلاقية التي يفترض أن تؤطر العمل السياسي. فغياب النزاهة والشفافية، وتغليب الولاءات الفرعية على المصلحة العامة، أدّيا إلى إضعاف الدولة وتعطيل التنمية. إن الأزمة الأخلاقية هنا ليست عرضا جانبيا في العراق، بل هي جوهر الأزمة السياسية ذاتها.

إن تجاوز الأزمة الأخلاقية يتطلب مشروعا وطنيا متكاملا يقوم على التربية المدنية، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتفعيل مؤسسات الرقابة والمساءلة، وإعادة الاعتبار للقيم في الخطاب السياسي. كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بإعادة بناء ثقة الجمهور من خلال الشفافية والديمقراطية الداخلية، بينما تتحمل مؤسسات الدولة مسؤولية وضع معايير أخلاقية واضحة في التعيينات والقرارات الإدارية.

الخاتمة: إن الأخلاق ليست ترفًا فكريًا في السياسة، بل هي أساس شرعية الحكم واستمرارية الدولة. وتُظهر التجربة العراقية أن أي عملية سياسية تُدار خارج إطار القيم ستؤدي حتما إلى أزمات بنيوية متكررة. وعليه، فإن استعادة البعد الأخلاقي في العمل السياسي تمثل الخطوة الأولى نحو بناء دولة عادلة وقادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها.



#عصام_الياسري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق... أما أن يبق تحت وطأة المحاصصة والفساد.. أو أن ينهض ...
- مهرجانات عالمية... صناع السينما يسلطون الضوء على جرائم الإبا ...
- القضاء المستقل..أداة الدولة لترسيخ سيادتها وتحقيق العدل والح ...
- مهرجان البندقية السينمائي.. يطلق صرخة: فلسطين ..العبء ثقيلٌ ...
- ثماني حكومات طائفية وست دورات انتخابية برلمانية لم تمض واحدة ...
- ثورة 14 تموز 1958 إحدى أهم المحطات الفارقة في التاريخ الحديث ...
- الحق القانوني للعراق في الدفاع عن وحدة أراضيه وسلامة أجوائه ...
- وداعا زياد رحباني... سلاما عليك في الموسيقى وفي القصيدة وفي ...
- ما بين المجاملات السياسية والمصالح الشخصية... العراق يواجه م ...
- مهرجان -جينت- السينمائي الدولي 2025 ... يحتفي بجوائز الموسيق ...
- أرض الرافدين.. بين نقص المياه واتساع رقعة الجفاف وفعل غياب ا ...
- الإنتخابات وسيلة فعالة لإحداث التغيير السياسي وتحقيق الاصلاح ...
- متى ستحسم الأحزاب وقوى المعارضة المختلفة موقفها من السلطة ال ...
- الترحيل الجماعي إلى العراق تعبير عن نقاش وحشي حول اللجوء في ...
- متى يغتنم العراق الفرصة لإعادة النظر في كيفية التموضع على رق ...
- متى تستطيع الدولة أداء الوظائف الأساسية التي تعتبر جوهرية لو ...
- التفاوض: عملية أساسية للتفاهم السياسي،، فهل بإمكان الأطراف ا ...
- محاذير من مخاطر عدم الأمان وفقدان الثقة بالنظام في العراق من ...
- هل سيعي الساسة العراقيون خطورة تغيّر توازن القوى في الشرق ال ...
- حلقات مفقودة تعرقل إيجاد مخرج لضبط إيقاع السياسة والمشهد الم ...


المزيد.....




- -اتبعنا قواعد الاشتباك-.. قطر ترد على مزاعم احتجازها لطيارين ...
- إسرائيل تقول إن ضرباتها ضد حزب الله تهدف لجعل المفاوضات مع ل ...
- العثور على سبائك ذهب بملايين اليورو في مجرى الصرف الصحي ببلج ...
- الرئيس الألماني: من حق أعضاء مجتمع الميم التعبير عن أنفسهم ب ...
- الدوحة تنفي احتجاز طيارين إيرانيين وتؤكد التعامل وفق القانون ...
- القوات الحكومية اليمنية: الحوثيون يقصفون مأرب بـ3 صواريخ بال ...
- ترامب يتوقع ما إذا كانت ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز ستترشح للرئ ...
- بلوغر ديني.. مفاجأة بشأن هوية مرتكب مجزرة شقة مايو
- صحيفة ألمانية: زيلينسكي يائس بسبب نقص صواريخ -باتريوت- قبيل ...
- حاكم إنديانا يطلب من ترامب إعلان حالة الطوارئ الفدرالية في و ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع