أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - أحد أخطر التحولات التي تواجه العراق، نموذج “الدولة المزدوجة” حيث تتقاطع سلطة المؤسسات مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية!














المزيد.....

أحد أخطر التحولات التي تواجه العراق، نموذج “الدولة المزدوجة” حيث تتقاطع سلطة المؤسسات مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية!


عصام الياسري

الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 14:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ظل رفض الرئيس الأمريكي ترامب ترشيح الإطار التنسيقي نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق، وإصرار المالكي على تعيينه للدورة الثالثة وانتهاء المدة القانونية لانتخاب رئيس الجمهورية من الأحزاب الكردية. هناك رئيا مبنيا على الوقائع الحالية والتوازنات الإقليمية، وليس على الانطباعات فقط. من أن المشهد العراقي اليوم ليس مجرد صراع شخصي حول نوري المالكي بل هو صراع على شكل الدولة العراقية وتوازنها بين واشنطن وطهران والقوى المحلية. بين كل هذه "المجسات" يقف العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتوازنات الإقليمية المعقدة، لتضع الدولة أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل نظامها السياسي وقدرتها على الاستمرار كدولة مستقرة.

فبعد أكثر من عقدين على التحولات الكبرى، ما يزال العراق يبحث عن صيغة حكم قادرة على تحقيق التوازن بين الداخل المنقسم والخارج المتنافس، وبين تطلعات المواطنين وواقع النخب السياسية. المشهد الحالي لا يمكن فهمه من خلال الخلافات السياسية التقليدية أو الصراع على المناصب فحسب، بل باعتباره انعكاسا لبنية نظام قائم على التسويات المؤقتة أكثر من اعتماده على مؤسسات قوية. هذا النظام بالإضافة إلى عدم نجاحه في منع الانهيار الكامل للدولة والحد من الأزمات المسببة، فشل في إنتاج استقرار طويل الأمد أو تنمية اقتصادية مستدامة، ما جعل الدولة تعيش في دائرة متكررة من الأزمات المؤجلة والحلول الجزئية.

أحد أبرز ملامح الواقع العراقي هو ازدواجية السلطة، حيث تتقاطع المؤسسات الرسمية مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية واقتصادية. هذا التداخل لا يعني غياب الدولة، لكنه يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، ويجعل أي إصلاح حقيقي مرهون بتوافقات معقدة بين قوى متنافسة داخل النظام نفسه. وقد انعكس هذا الواقع على شكل الحكومات التي غالبا ما تولد ضعيفة نتيجة تسويات تهدف إلى منع الصراع أكثر مما تهدف إلى بناء مشروع وطني واضح.

في الجانب الاقتصادي، يواجه العراق مفارقة واضحة؛ فالعائدات النفطية المرتفعة لم تتحول إلــى قاعدة إنتاجية متينة، بل عززت نموذج الاقتصاد الريعي القائم على الإنفاق الحكومي والتوظيف الواسع. يوفر هذا النموذج استقرارا ظاهريا، لكنه يخفي هشاشة بنيوية قد تظهر بسرعة عند أي صدمة مالية أو انخفاض في أسعار النفط. كما أن تضخم القطاع العام وضعف الصناعة المحلية والاعتماد الكبير على الاستيراد، كلها عوامل تجعل الاقتصاد عرضة للأزمات المتكررة. ولا يمكن فصل الوضع الاقتصادي عن المشهد السياسي، إذ إن الأزمات المالية غالبا ما تتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية. فالتأخير في الرواتب أو تراجع الخدمات يمكن أن يؤدي إلى احتجاجات واسعة وانقسامات سياسية، وربما توترات أمنية، ما يعمق حالة عدم الاستقرار ويضعف ثقة المواطنين بالدولة.

أحد أخطر التحولات التي يشهدها العراق هو بروز نموذج “الدولة المزدوجة”، حيث تتقاطع سلطة المؤسسات الرسمية مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية واقتصادية. هذا الواقع لا يعني انهيار الدولة بالكامل فحسب، إنما يضعف قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية حاسمة، ويجعل أي إصلاح مرهون بتوافقات معقدة بين قوى متنافسة داخل النظام نفسه.

يبقى السؤال الآني والمهم: متى يبدأ الشعب لعب دوره كمصدر للسلطات كما ورد في الدستور لمعالجة الأوضاع السياسية برمتها. حيث أثبتت التجارب السابقة أن الضغط الشعبي قادر على إحداث تأثير ملموس وفرض تعديلات سياسية محدودة، لكنه كشف أيضا حدود هذا الدور في ظل عدم تكافؤ ميزان القوة بين المجتمع والنخب السياسية الماسكة أحزابها بالسلطة بقوة المال والسلاح. كما أن مخاوف المواطنين من الفوضى أو فقدان مصادر رزقهم المرتبطة بالدولة تجعل كثيرا يترددون في دعم تغييرات جذرية في العملية السياسية قد تحمل مخاطر غير محسوبة.

فلسفة التاريخ تؤكد أن التغيير الحقيقي لا يعتمد على موجة احتجاج واحدة، بل على تراكم طويل من الوعي السياسي والتنظيم المدني والمشاركة المستمرة في الحياة العامة. كما يتطلب وجود بدائل سياسية قادرة على تحويل مطالب الشارع إلى برامج حكم واقعية، وهو ما لا يزال يمثل تحديا كبيرا أمام القوى المدنية الجديدة التي أصبحت خارج المعادلة بسبب تراكم الأخطاء والفوضى الأيديولوجية التي تنخر صفوفها. مما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحا للعراق من ناحية المستقبل غير المنظور، ليس انهيارا مفاجئا، ولا تحولا جذريا سريعا، بل مسار طويل من التغيير التدريجي. قد يتخلل هذا المسار توترا سياسيا وأزمات اقتصادية واحتجاجات متقطعة، لكنه قد يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل بطيئة للنظام السياسي وظهور قيادات أكثر براغماتية وقدرة على إدارة التوازنات.

ومع ذلك، يبقى خطر الانفجار المفاجئ قائما إذا تزامنت أزمة اقتصادية حادة مع انقسام سياسي عميق وصراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة. مثل هذا السيناريو قد يهدد الاستقرار الاجتماعي ويزيد من هشاشة الدولة، ما يجعل الإصلاح التدريجي خيارا أقل كلفة وأكثر واقعية على المدى الطويل.

في النهاية، العراق ليس دولة منهارة، لكنه أيضا ليس دولة مستقرة بالكامل. إنه بلد يقف بين احتمالين: الاستمرار في إدارة الأزمات حتى التآكل التدريجي، أو الدخول في مسار إصلاح طويل يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع ويمنح المؤسسات قدرتها على العمل بفعالية. إن إنقاذ العراق لا يمكن أن يكون مسؤولية الشعب وحده ولا مهمة النخب السياسية وحدها، بل مشروعا وطنيا مشتركا يتطلب وعيا شعبيا وإرادة سياسية وتوازنا خارجيا يسمح للدولة باستعادة دورها الطبيعي.



#عصام_الياسري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهرجان برليناله السينمائي 2026 سينما ترى في الفن فعل مقاومة ...
- شباط 63 اليوم ليس استعادة للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم جذور ...
- المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع
- العراق... أما أن يبق تحت وطأة المحاصصة والفساد.. أو أن ينهض ...
- مهرجانات عالمية... صناع السينما يسلطون الضوء على جرائم الإبا ...
- القضاء المستقل..أداة الدولة لترسيخ سيادتها وتحقيق العدل والح ...
- مهرجان البندقية السينمائي.. يطلق صرخة: فلسطين ..العبء ثقيلٌ ...
- ثماني حكومات طائفية وست دورات انتخابية برلمانية لم تمض واحدة ...
- ثورة 14 تموز 1958 إحدى أهم المحطات الفارقة في التاريخ الحديث ...
- الحق القانوني للعراق في الدفاع عن وحدة أراضيه وسلامة أجوائه ...
- وداعا زياد رحباني... سلاما عليك في الموسيقى وفي القصيدة وفي ...
- ما بين المجاملات السياسية والمصالح الشخصية... العراق يواجه م ...
- مهرجان -جينت- السينمائي الدولي 2025 ... يحتفي بجوائز الموسيق ...
- أرض الرافدين.. بين نقص المياه واتساع رقعة الجفاف وفعل غياب ا ...
- الإنتخابات وسيلة فعالة لإحداث التغيير السياسي وتحقيق الاصلاح ...
- متى ستحسم الأحزاب وقوى المعارضة المختلفة موقفها من السلطة ال ...
- الترحيل الجماعي إلى العراق تعبير عن نقاش وحشي حول اللجوء في ...
- متى يغتنم العراق الفرصة لإعادة النظر في كيفية التموضع على رق ...
- متى تستطيع الدولة أداء الوظائف الأساسية التي تعتبر جوهرية لو ...
- التفاوض: عملية أساسية للتفاهم السياسي،، فهل بإمكان الأطراف ا ...


المزيد.....




- شاهد.. تحليق مروحيات عسكرية مكسيكية بعد مقتل زعيم كارتل المخ ...
- استطلاع: شعبية ترامب في أدنى مستوى لها قبل خطاب حالة الاتحاد ...
- الثلوج تكسو نيويورك.. وزوار يتجوّلون قبل إغلاق الطرق
- انسحاب كامل خلال أسابيع: واشنطن تطوي وجودها العسكري في سوريا ...
- أخبار اليوم: القوات الأميركية ستنسحب من سوريا في غضون شهر
- رقابة الاستخبارات ـ شُبهات التطرف تلاحق حزب البديل الألماني ...
- تصريح صادر عن الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية بشأن التصريحات ...
- أربع سنوات بعد الغزو..- الشيء الوحيد الذي يتمناه الجميع هو ا ...
- نيو يورك تشهد أعنف العواصف الثلجية هذا الموسم
- المكسيك: ما مصير كارتل المخدرات خاليسكو بعد مقتل زعيمه إل مي ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - أحد أخطر التحولات التي تواجه العراق، نموذج “الدولة المزدوجة” حيث تتقاطع سلطة المؤسسات مع شبكات نفوذ سياسية وأمنية!