أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - عندما تطرق الدولة أبواب الفساد: تتداخل حسابات الأحزاب بالضد من الإصلاح السياسي!















المزيد.....

عندما تطرق الدولة أبواب الفساد: تتداخل حسابات الأحزاب بالضد من الإصلاح السياسي!


عصام الياسري

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 10:45
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن وصول علي فالح الزيدي إلى رئاسة الوزراء في العراق حدثا سياسيا عابرا، بل جاء في لحظة دقيقة من تاريخ الدولة العراقية، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التحديات الأمنية، وتتداخل حسابات الأحزاب مع مطالب الشارع الساعي إلى إصلاح حقيقي طال انتظاره.

فبعد إنتهاء الجدل السياسي وتأثير شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة لاختيار رئيس للوزراء، وجد العراق نفسه أمام تجربة حكومية جديدة رفعت كسابقاتها شعار الإصلاح ومكافحة الفساد واستعادة هيبة الدولة. إلا أن الطريق الذي اختاره رئيس الوزراء الجديد يبدو أكثر وعورة مما قد يظهر في الخطابات الرسمية، لأن معركته لا تقتصر على إدارة الدولة، بل تمتد إلى مواجهة منظومة نفوذ متجذرة تشكلت خلال أكثر من عقدين.

جاء تشكيل حكومة الزيدي نتيجة سلسلة طويلة من المشاورات والتفاهمات والتوافقات الصعبة بين القوى السياسية النافذة، وفي مقدمتها قوى الإطار التنسيقي التي نجحت في الوصول إلى صيغة توافقية بعد أشهر من التجاذبات والخلافات حول هوية رئيس الحكومة المقبل. واعتبر كثيرا من المراقبين أن اختيار الزيدي جاء باعتباره شخصية أقل ارتباطا بالصراعات الحزبية التقليدية وأكثر قربا من الملفات الاقتصادية والإدارية، وهو ما منح حكومته في بدايتها مساحة من القبول الشعبي والسياسي إلى جانب التأييد الدولي والإقليمي.

غير أن هذا التوافق الذي أفرز الحكومة حمل في داخله بذور التناقضات ذاتها التي يواجهها الزيدي اليوم، إذ إن القوى التي أسهمت في وصوله إلى السلطة ليست بالضرورة متفقة مع جميع توجهاته الإصلاحية ـ خصوصا ـ تلك التي تمس مراكز النفوذ السياسية والاقتصادية القائمة.

فمنذ توليه المنصب، جعل الزيدي من مكافحة الفساد عنوانا رئيسيا لمشروعه الحكومي، معتبرا أن أي إصلاح اقتصادي أو إداري لن يكون ممكنا ما لم تُواجه شبكات الفساد التي استنزفت موارد الدولة العراقية لعقود. غير أن خصوصية الحالة العراقية تجعل من هذا الملف أكثر تعقيدا من مجرد إجراءات رقابية أو حملات قضائية، فالفساد في العراق لم يعد ظاهرة إدارية منفصلة، بل أصبح جزءا من بنية النظام السياسي والاقتصادي نفسه.

فخلال السنوات الماضية نشأت منظومات متشابكة من المصالح تربط بين مسؤولين ودوائر حكومية وأحزاب سياسية ومجموعات اقتصادية نافذة، الأمر الذي جعل الكثير من المؤسسات تعمل وفق منطق النفوذ أكثر من منطق الدولة. ولهذا فإن أي محاولة جادة لفتح ملفات الفساد الكبرى تعني بالضرورة الاقتراب من مراكز قوة تمتلك نفوذا سياسيا وبرلمانيا وإداريا واسعا، وهو ما يفسر حجم الحذر والترقب الذي يرافق خطوات الحكومة الحالية.

فإن كانت معركة الفساد تمثل المواجهة الاقتصادية والسياسية الكبرى، فملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل الاختبار الأمني الأكثر حساسية أمام حكومة الزيدي. فالعراق يعيش منذ سنوات ضمن معادلة أمنية معقدة تشارك فيها المؤسسات الرسمية إلى جانب قوى وفصائل مسلحة تمتلك حضورا سياسيا واجتماعيا وعسكريا مؤثرا. ورئيس الوزراء من جانبه ـ يرى ـ أن بناء دولة قوية وقادرة على فرض القانون يتطلب احتكار المؤسسات الرسمية لاستخدام القوة المسلحة، باعتبار أن تعدد مراكز القوة الأمنية يضعف سلطة الدولة، ويقوض مشروعها الإصلاحي. لكن هذه الرؤية تصطدم بحسابات سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث تنظر بعض القوى إلى هذا الملف باعتباره مرتبطًا بالتوازنات التي نشأت بعد عام 2003، وهو ما يجعل أي تحرك حكومي في هذا الاتجاه موضع متابعة دقيقة من مختلف الأطراف.

ولهذا لا يستبعد مراقبون أن يتحول ملف السلاح إلى نقطة الاحتكاك الرئيسة بين الحكومة وكتل الإطار التنسيقي وبعض القوى المتنفذة خلال المرحلة المقبلة. وعلى الرغم من أن حكومة الزيدي تشكلت بدعم قوى الإطار التنسيقي، فإن المشهد السياسي في بغداد يشير إلى وجود تباينات متزايدة بشأن مسار الحكومة ومستقبلها بين الدعم والتحفظ!. ففي الوقت الذي تؤكد فيه قيادات الإطار دعمها للاستقرار السياسي، وإنجاح الحكومة، تتحدث أوساط سياسية عن مخاوف متنامية لدى بعض الأطراف من أن تؤدي السياسات الإصلاحية الجديدة إلى المساس بمناطق النفوذ التي تشكلت خلال السنوات الماضية. وتكمن حساسية هذه المخاوف في أن ملفات الفساد والسلاح والإدارة الحكومية لا ترتبط فقط بقرارات تنفيذية، بل تمس توازنات سياسية واقتصادية دقيقة أسهمت في تشكيل النظام القائم.

ولهذا يرى محللون أن بعض القوى قد تلجأ إلى سياسة الاحتواء السياسي بديلا عن المواجهة المباشرة، عبر ممارسة ضغوط داخل البرلمان أو المؤسسات الحكومية أو تأخير بعض القرارات والتشريعات التي تمنح الحكومة مساحة أوسع للحركة. وبحسب هذه القراءة، فإن الصراع الحالي لا يتعلق بإسقاط الحكومة أو تغييرها، بل يدور حول حدود المشروع الإصلاحي الذي يمكن الزيدي السماح بالمضي قدما داخل منظومة الحكم.

يواجه رئيس الوزراء اليوم ما يمكن وصفه "الدولة العميقة ومعركة البقاء"، وهي شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية التي تراكمت عبر سنوات طويلة، أصبحت جزءا من آليات إدارة الدولة. وتتميز هذه الشبكة بقدرتها على التأثير في القرارات الحكومية حتى دون الظهور المباشر في المشهد السياسي، من خلال النفوذ الإداري والمالي والعلاقات المتشعبة داخل المؤسسات الرسمية. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الزيدي لا يكمن في إصدار القرارات، بل في ضمان تنفيذها على أرض الواقع، وهو أمر يتطلب دعما سياسيا وشعبيا ومؤسساتيا واسعا.

وبعيدا عن كل هذه الصراعات السياسية، ودخول حكومة علي الزيدي أشهرها الأولى وسط معادلة سياسية معقدة تجمع بين الدعم والحذر، وبين الرغبة في الإصلاح والاحتواء. مقاومة التغيير ومستقبل الحكومة ونجاحها ـ يبقى ـ المواطن العراقي معنيا بالنتائج الملموسة أكثر من الشعارات. فمعدلات البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الخدمات الأساسية تمثل القضايا الأكثر إلحاحا بالنسبة للرأي العام، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار يومي يتعلق بقدرتها على ترجمة مشاريع الإصلاح إلى تحسينات حقيقية في حياة المواطنين. من جانبه ـ فالزيدي ـ يعول على خبرته الاقتصادية في إطلاق إصلاحات مالية وإدارية تهدف إلى جذب الاستثمارات وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الحوكمة الرقمية، وتحسين بيئة الأعمال، إلا أن نجاح هذه الخطط سيبقى مرتبطا بمدى قدرة الدولة على الحد من الفساد واستعادة كفاءة مؤسساتها.

فالرجل الذي وصل إلى السلطة على قاعدة التوافق يجد نفسه اليوم أمام اختبار مختلف تماما، يتمثل في قدرته على تحويل شعارات مكافحة الفساد وحصر السلاح إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وكلما اقتربت الحكومة من الملفات الأكثر حساسية، ازدادت احتمالات تعرضها لضغوط سياسية من أطراف ترى في مشروع الإصلاح تهديدا مباشرا لمصالحها ونفوذها.

وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة ليس فقط لمستقبل حكومة الزيدي، بل لمستقبل الدولة العراقية نفسها. فإما أن تنجح بغداد في فتح صفحة جديدة عنوانها دولة المؤسسات وسيادة القانون، وإما أن تستمر دوامة التوازنات التقليدية التي عطلت مشاريع الإصلاح لعقود.. وبين هذين المسارين، يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر لحظاته السياسية حساسية منذ سنوات، حيث لم تعد المعركة تدور حول من يحكم، بل حول طبيعة الدولة التي يريد العراقيون بناءها في المستقبل.



#عصام_الياسري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزيدي. . . الدولة أولا، والإطار التنسيقيِّ.. احتواء الحكومة ...
- العرَاق الحديث: معاييرُ ومتناقضاتُ مفهومِ ديمقراطيةِ الإعلام ...
- المشهد السياسي في العراق نموذجًا معقدًا لنظام سياسي قائمًا ع ...
- العراق عند تقاطع أزمتين متداخلتين تتمثل في: انقسام النظام ال ...
- معايير تمويل الأحزاب: بين النَّموذج الأوروبِّيِّ والواقع الع ...
- أحد أخطر التحولات التي تواجه العراق، نموذج “الدولة المزدوجة” ...
- مهرجان برليناله السينمائي 2026 سينما ترى في الفن فعل مقاومة ...
- شباط 63 اليوم ليس استعادة للماضي بقدر ما هو محاولة لفهم جذور ...
- المشروع الوطني بين معايير السياسي وتضليل المجتمع
- العراق... أما أن يبق تحت وطأة المحاصصة والفساد.. أو أن ينهض ...
- مهرجانات عالمية... صناع السينما يسلطون الضوء على جرائم الإبا ...
- القضاء المستقل..أداة الدولة لترسيخ سيادتها وتحقيق العدل والح ...
- مهرجان البندقية السينمائي.. يطلق صرخة: فلسطين ..العبء ثقيلٌ ...
- ثماني حكومات طائفية وست دورات انتخابية برلمانية لم تمض واحدة ...
- ثورة 14 تموز 1958 إحدى أهم المحطات الفارقة في التاريخ الحديث ...
- الحق القانوني للعراق في الدفاع عن وحدة أراضيه وسلامة أجوائه ...
- وداعا زياد رحباني... سلاما عليك في الموسيقى وفي القصيدة وفي ...
- ما بين المجاملات السياسية والمصالح الشخصية... العراق يواجه م ...
- مهرجان -جينت- السينمائي الدولي 2025 ... يحتفي بجوائز الموسيق ...
- أرض الرافدين.. بين نقص المياه واتساع رقعة الجفاف وفعل غياب ا ...


المزيد.....




- فريق CNN ينام في موطن النمور لتتبع حركة شبل يعيد كتابة التار ...
- محمد رمضان يلفت الأنظار بتطريزات فرعونية في أسبوع الموضة الر ...
- -انتهاك صارخ للسيادة-.. سوريا تدين بأشد العبارات التوغلات ال ...
- مسؤول إيراني: عقد الاجتماع الأول للجنة المشتركة مع عمان بشأن ...
- NBC News: مقتل أربعة أشخاص على الأقل جراء فيضانات عارمة في و ...
- ميدفيدتشوك يكشف تفاصيل خطيرة عن برنامج المختبرات البيولوجية ...
- دعوات للتظاهر في القطاع.. إسرائيل تغيّر اسم خطة -الهجرة الطو ...
- حفرية منسية تكشف أول عظمة ديناصور عُثر عليها في القطب الجنوب ...
- كندا تحجز أوّل مقاعد ثمن النهائي على حساب جنوب إفريقيا
- واشنطن وطهران توقفان -في الوقت الراهن- الهجمات المتبادَلة


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الياسري - عندما تطرق الدولة أبواب الفساد: تتداخل حسابات الأحزاب بالضد من الإصلاح السياسي!