عبد الإله بسكمار
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 23:57
المحور:
السياحة والرحلات
أعلن مؤخرا عن فتح مغارة فريواطو ( وتسمى أيضا حفرة كاستيري ) أمام السياح والزوار والمهتمين بشؤون الاستغوار وعموم الجمهور، بعد أزيد من عشر سنوات استغرقها إصلاح وتهيئة المغارة، وفق ما هو معمول به عالميا وخاصة، في أفق ضمان أمن وسلامة الذين يلجونها ومن ثمة، التمتع بمشاهدها ورطوبتها الباردة ومياهها الجوفية وصواعدها ونوازلها وقاعاتها المبهجة، وطبعا تتيح هذه العودة للزوار والباحثين وخاصة لناشطي السياحة بأنواعها: الجبلية والاستغوارية والإيكولوجية، نافذة هامة حول موقع يقع على بعد 28 كيلومترا جنوب تازة ويعد مكونا متميزا وأساسيا من المنتزه الوطني لتازكة، بغاباته وأصناف نباتاته وكائناته الحيوانية ومواقعه الجذابة وهو ما يعتبره الباحثون الرئة الحقيقية التي تتنفس من خلالها مدن ومراكز المنطقة كتازة ووادي امليل وبوشفاعة وباب مرزوقة وتاهـــــلة وصولا إلى أحواز فاس .
كما تتيح المرحلة الجديدة لمختلف المستثمرين الفرص الجيدة قصد إنعاش المنطقة واستقطاب مزيد من السياح عبر مراكز الإيواء Les gites والمركبات السياحية، التي تحترم شروط البيئة والمجال الطبيعي وتنضبط للقوانين المعمول بها وأيضا محطات الاستراحة حول وقرب المغارة، كما تجدر الإشارة إلى أن فرع الجمعية المغربية للاستغوار والسياحة الجبلية بتازة راكم العديد من التجارب المهمة في هذا الإطار، ويتوفر حاليا على تصور شامل لتهيئة لا مغارة فريواطو فحسب ولكن أيضا لكثير من المواقع والتجويفات والمغارات ذات الطابع السياحي بالمنطقة كمغارات شيكر والشعرة وإزاورا والسفرجل ومغارات كهف الغار والتهامي وحبس الكلاب ومنبع واد البارد وتيخوبايت وأزوكاغ وإيفجاجن وباب مفرج والواد الكذاب والضربان وغيرها، فضلا عن أدوات ووسائل الغوص والإنارة والتعمق في تلك المغارات، مع تحديد خصائص مياهها الجوفية وتربتها وصخورها وبعض كائناتها المتميزة .
كلمة إفريوطو في اللهجة المحلية للمنطقة مركبة من " إفري " تعني الكهف ويطو تعني الريح وفي قراءة أخرى تعني كهف يطو وهو إسم العلم الأنثوي/ البربري، ويذهب البعض الآخر إلى أنها تعني في اللهجة المحلية " فضاء الساحرات الصغير " Petit lieu de sorcières ودون شك فالمغارة الناشئة عن تدفق المياه القوي وعناصر التعرية في الطبقات الكلسية وتقلبات الطبيعة عبر العصور السحيقة، كانت معروفة في المنطقة على الأقل من خلال فوهتها الرهيبة وبدليل التسمية والموروث الشعبي، الذي ارتبط بقصة إيملشيل ويطو وقد سبق للمرحوم امحمد العلوي الباهي أن ألف سيناريوها أخذ مادته من هذه القصة بالذات وهي الحكاية الشعبية التي تسرد لقاء عشق بين الراعي ايميلشيل والفتاة الساحرة يطو وكانت كريمة شيخ القبيلة .
حدث أن أصيبت الفتاة بمرض غامض عجز أمامه كل الأطباء ليتم شفاؤها بعد ذلك على يد الراعي في خبطة أشبه بالسحر العجيب عبر" الشهد المهجور " الذي استطاع الراعي الحصول عليه من جوف المغارة بعد أن انحدر مع فوهتها .
لم يرض سيد القبيلة أن تتوله إبنته براع فقير بسيط، فقرر أن يبطش به عبر رميه في تلك الهوة بالذات، ولكن الأقدار أنجت الراعي، ببساطة لأنه ألقي فوق شهد من عسل النحل، فوقاه شر الارتطام بأرضية المغارة، لم تحتمل الفتاة إطو ما جرى لحبيبها فألقت نفسها إثره، ولقيت نفس مصير الراعي، التقى الحبيبان من جديد، لكن الظلام يخيم على المكان، بكل رهبته ووحشته، فوجدا نفسيهما أمام المصير المجهول، ولإطفاء غائلة الجوع، كانا يقضمان ما تيسر من الشهد المهجور، ويرتويان من المياه الجارية، أما الظلام، فظلا يتغلبان عليه بواسطة إيقاد أجزاء مقتطعة من ثوب الفتاة، وعلى هذا النحو ركبا التحدي مع السراديب والأنفاق والمنعرجات والبرودة القاسية والظلمة الحالكة والمياه المتدفقة.
تلاشى الزمن بالنسبة لهما وبعد مسافة طويلة، انطفأت آخر قطعة قماش من جراء ريح شديدة، فاقتربت النهاية المحتومة وهنا بالضبط، حين بدآ يفقدان الأمل في النجاة والحياة، لاحت لهما كوة ضوء بعيدة، أيقنا أنهما وصلا أخيرا إلى سطح الأرض وانتصرت إرادة الحب والحياة، وكانت تلك الكوة هي بالضبط عين راس الماء على بعد 15 كلم جنوب تازة وتعد بالفعل امتدادا للمياه الجوفية، التي تشمل ضاية شيكر ومعها مغارات المنطقة وبينها فريواطو وشيكر .
اكتشفت مغارة فريواطو رسميا سنة 1933 / 1934 أي في عز فترة الحماية الفرنسية من طرف المغامر الاستغواري والكاتب الفرنسي نوربير كاستيري Norbert Casteret ( 1897 – 1987 ) وضمن سياق اكتشافاته المتعددة خاصة بجبال البرانس وفي فرنسا بمساعدة زوجته، ويبدو أن أول ما اكتشفه الرجل الفتحة الجانبية الأفقية للمغارة ( بخلاف الفوهة العمودية التي كانت معروفة من قبل ويبلغ علوها 70 م وعرضها 45 م ) والفتحة إياها تبلغ 100 م طولا وهي التي تشكل حاليا مدخل هذا الفضاء الواقع بدوار شيكر على منحدر تيسيدلت ( جبل بومسعود ) غرب ضاية شيكر وبارتفاع يناهز 1719 م وعلى الأغلب، فالمقطع الطولي للمغارة والبالغ 146 م من مجموع ما ينيف عن 03 كيلومترات كان من اكتشاف كاستيري، تضاف إليه عشرات الأمتار الأخرى التي رسم اتجاهها نفس المستغور الفرنسي واكتشف معها النهر الداخلي للمغارة وهو أول من أطلق على مدينة تازة " عاصمة المغارات " وإثر هذا الاكتشاف، وضعت سلطات الحماية عدة سلالم لولوج عمق المغارة، بلغت أدراجها 250 فيما أنجزت تهيئة جديدة في عهد الاستقلال، حيث تدعمت تلك السلالم وأضيفت أخرى .
يعد جوف المغارة الموالي لبهوها الخارجي أجمل حيز بالموقع، حيث الصواعد والنوازل الساحرة والقاعات المختلفة الأشكال والأحجام، ثم الجسور والممرات الطبيعية والمساحات المائية عبر الآبار التي يتراوح عمقها بين 30 إلى 70 م وتتصل فريواطو بالمغارة الأخرى ( شيكر ) عبر المياه الجوفية لضاية شيكر، مما يعد شبكة هيدرولوجية مهمة، تروي عبر العيون والمجاري كل المنطقة سقيا ومياه شرب وغيرها، علاوة على التشكيلات الكلسية والطبقات الصخرية ويفيد مصدر لفرع الجمعية المغربية للاستغوار بتازة أن العديد من الحشرات المستكهفة تعيش في المغارة، فضلا عن وجود بقايا عظمية لحيوانات منقرضة .
ظلت المغارة تستقطب عددا من السياح يصل سنويا من 10 إلى 20 ألف سائح / ت، كما كانت قبلة ووجهة للاستغواريين المحليين والوطنيين، ضمن البحث المستمر في صخورها ومياهها وحشراتها المتميزة، وأبعادها المختلفة، دون أن نخفي الدور الهام في مجال الحفاظ على التوازن الإيكولوجي للمنطقة، وتبلغ درجة حرارة المغارة في المتوسط من 12 إلى 14°، وكان فريق علمي استغواري من جامعة إيكسيتير قد وصل إلى عمق 272 م داخل المغارة، ونقصد جزءها الداخلي لا البهو الخارجي وذلك سنة 1969 مع اكتشاف عدد من الأروقة والقاعات التي لم تكن معروفة من قبل، كقاعة الموسيقى وقاعة يطو ومع كل هذا بقي حدها النهائي غير معروف لمدة طويلة، حتى تمكنت عناصر من فرع الجمعية المغربية للاستغوار والسياحة الجبلية بتازة من الوصول إليه، إثرتجاوز النهر المائي وإفراغه مؤقتا سنة 2008 أي بطول 3500 م تقريبا .
بعد التهيئة الجديدة التي استغرقت 10 سنوات بالتمام والكمال، ساهم فيها مختصون ومهندسون في مجالات الإصلاح والترميم، يأمل الغيورون من مهتمين وناشطي الاستغوار والسياحة الجبلية وممثلي المجتمع المدني أن تضمن شروط السلامة عبر منعرجات ومنحدرات المغارة، وتعزز الجاذبية السياحية لذات الموقع خصوصا ومنتزه تازكة على وجه العموم، وكان لتوسعة الطريق الجهوية رقم 420 أثرا إيجابيا في هذا المجال، مع أن البنية السياجية بتازة لا زالت تحتاج إلى محلات استقبال ملائمة من فنادق مصنفة وإقامات سياحية، كما أن دور المرشدين السياحيين المختصين في مجالي الاستغوار والسياحة الجبلية يعد أساسيا.
إن إقليم تازة يزخر بالمؤهلات الثقافية والسياحية، فإضافة إلى مغارات المنطقة، هناك الغابات الممتدة من البلوط والعرعار والأرز والبلوط الفليني عبر كل مساحة المنتزه الوطني لتازكة والبالغة حوالي 580 هكتارا وكذا محميات الأيل المغربي، فضلا عن عناصر جذب أخرى كدوار سيدي مجبر المصنف تراثا وطنيا ومنتجع راس الماء وعين خباب وآدمام كنماذج فقط، ثم لاننس ضرورة إحياء رالي بابودير للسيارات الذي توقف منذ سنة 1976 وكان له مستوى وصيت رفيعين، وعبره ظلت تتم زيارات مكثفة للمغارة، وهو يضاف إلى أهمية الرفع من وتيرة مهرجان بابودير لخدمة القضايا التنموية والثقافية الحقيقية بالمنطقة .
كل هذا لن يتأتى إلا بإعادة فتح المندوبية الإقليمية للسياحة بتازة وترسيخ أبعاد الاستثمار في هذا المجال محليا ووطنيا بالتعاون مع المندوبية الجهوية للسياحة بفاس، في إطار التكامل بين مدن وأقاليم الجهة، قصد النهوض الشمولي بهذا القطاع على صعيد المنطقة ومن ثمة التنمية المندمجة لمختلف مواقعها ومراكزها وهي تهم جماعات تازة ووادي امليل وباب مرزوقة وبابودير وكلدامان وبوشفاعة والصميعة وتاهلة وفي أفق سد الخصاص في المجالات الحيوية والنهوض بالتنمية البشرية .
#عبد_الإله_بسكمار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟