أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة















المزيد.....

سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 15:33
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


تتكشف دراسة سوسيولوجيا العمل والظاهرة النقابية في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، عن عجز صريح للأدوات الكلاسيكية لعلم الاجتماع الصناعي ونظريات الإدارة التقليدية؛ فهذه الأدبيات تؤسس أطروحاتها سلفاً على فرضية وجود بيئة إنتاجية مستقرة، وسوق عمل منتظم، وعلاقة تعاقدية متوازنة ومعالم واضحة بين أطراف الإنتاج الثلاثة؛ غير أن الواقع الفلسطيني الميداني والمعقد، وما يفرضه الاحتلال من تهديدات وجودية ومخاطر مرتفعة تعصف بالأمن والحياة، يضع الطبقة العاملة بمختلف قطاعاتها أمام هشاشة غير مسبوقة تضاعفها حالة غياب الحماية الاجتماعية الشاملة وانعدام شبكات الأمان الوظيفي والمجتمعي، وإن هذا الواقع القاسي يفرض انزياحاً مفاهيمياً واجتراح مقولات نظرية جديدة تقع في منطقة التماس المباشر بين "سوسيولوجيا الصمود" و"اقتصاد البقاء"؛ حيث تخرج الأزمة من كونها مجرد حدث طارئ ينتهي بالعودة إلى التوازن، لتتحول إلى بنية هيكلية مستمرة يعيش في ظلها الفرد، وتُدير الحركة النقابية من خلالها صراعاً محتدماً من أجل البقاء والتشبث بالأرض.
ومن هنا، فإن التدمير الممنهج للبنى التحتية والمصانع والورش والمنشآت الاقتصادية لم يكن مجرد أثر جانبي للعدوان والحرب، بل يمثل أداة مركبة لتفكيك المتعمد لبيئة العيش، ليشكل ركناً أساسياً في سياسات "الاقتلاع المهني والسوسيولوجي" التي تتقاطع مباشرة مع مخططات التهجير القسري والناعم لأهالي قطاع غزة، فمن خلال تجريد الفرد من سبل عيشه وتفكيك مقومات الإنتاج المحلي، يجري خلق بيئة طاردة تهدف إلى ضرب مقومات البقاء اليومي لدفعه نحو الخروج والبحث عن ملاذات خارجية، ففي الحالات الطبيعية، يستمد الفرد قيمته ومكانته الاجتماعية والعائلية من دوره الإنتاجي ومن "قوة عمله" المبذولة في أرضه ومجتمعه، غير أن شلل أدوات الإنتاج أحدث تحويلاً قسرياً لبنية المجتمع العمالي عبر مستويين؛ الأول يكمن في تآكل الهوية المهنية وتشظي الذات، حيث تحول آلاف العمال والموظفين المنتجين، إلى جانب أجيال الخريجين الجدد الذين انسدت أمامهم منافذ الدخول إلى سوق العمل، إلى فئات تعتمد اضطرارياً على المساعدات الإغاثية، وهو تحول يورث حالة حادة من الاغتراب الاجتماعي والمهني، ويدفع الفرد نحو شعور حاسم بـالتشيؤ، وفقدان السيطرة على مصيره؛ أما المستوى الثاني فيتمثل في معادلة سراب العمل وتكاليف البقاء، إذ بات الحصول على فرصة عمل مستقرة أمراً شبه مستحيل، في وقت قفزت فيه تكاليف المعيشة الأساسية إلى مستويات قياسية لا تتناسب مع انعدام الدخل، مما أحدث فجوة سيكو-اجتماعية ضاغطة على الجبهة الداخلية للأسرة الفلسطينية، وخاصة أسر العمال والكادحين.
وأمام خطر تحويل المجتمع العمالي والشبابي إلى مجتمع اتكالي يقتات على المساعدات العينية، وما يترتب على ذلك من إضعاف الجبهة الداخلية وتسهيل تفريغ الأرض، تبرز الحاجة الماسة إلى مأسسة الصمود ومواجهة مخططات التهجير عبر برامج تنموية وتدخلات منظمة تشمل العمال والكادحين والخريجين، مثل نموذج "العمل مقابل الإغاثة"، و"العمل مقابل النقد"، و"العمل مقابل الغذاء"؛ وهي برامج مطلوبة في هذه المرحلة الانتقالية، وإن هذه النماذج لا تمثل خياراً إدارياً فحسب، بل تؤدي وظيفتين سوسيولوجيتين جوهريتين؛ الأولى هي استعادة الكرامة المهنية ومقاومة التلقي السلبي، إذ إن ربط العائد المالي بجهد بشري يخرج العامل والخريج من خانة المتلقي إلى خانة الصانع والمساهم في إعادة بناء مجتمعه، وهي خطوة ضرورية لكسر الإحباط الجماعي وإعادة تفعيل الوعي الإنتاجي الكفاحي، والوظيفة الثانية تتجسد في حماية رأس المال الاجتماعي وإنعاش القطاع الخاص، إذ إن التعافي لواقع العمال ومؤسساتهم النقابية يتطلب تشجيع أصحاب العمل على إعادة تشغيل منشآتهم عبر توجيه التمويل الدولي والإغاثي لدعم أجور العمال والخريجين داخل هذه المؤسسات بدلاً من حصر التمويل في قنوات توزيع استهلاكية تتسبب في تآكل شبكات الثقة بين أطراف الإنتاج.
ولا تتوقف حدود هذه الأزمة السوسيولوجية عند العمالة غير النظامية أو القطاعات الهشة، بل امتدت آثارها لتضرب الطبقة الوسطى والموظفين الثابتين؛ حيث تفاقمت ظاهرة سلوكية ومؤسسية خطيرة تتمثل في "متلازمة الموظف المهدد"، فقد عمدت مؤسسات مشغلة شملت قطاعات مصرفية وشركات كبرى وبعض المنظمات غير الحكومية، إلى اتخاذ إجراءات تعسفية تمس بالاستقرار الوظيفي مستغلة ظروف الطوارئ لتمرير قرارات الفصل وتقليص الرواتب، وإن قراءة هذه الظاهرة تفكك أمرين بالغَي الأهمية؛ أولهما أن الوظيفة في المجتمع الفلسطيني ليست مجرد عائد مالي فردي، بل هي شبكة أمان عائلية ممتدة تعيل أسراً مركبة وركيزة أساسية لثبات المواطن على أرضه، وبالتالي فإن تهديد الأمن الوظيفي يساهم بشكل مباشر في تفكيك التماسك المجتمعي، وثانيهما يتجسد في اغتراب "الإدارة عن بُعد"، حيث برزت فجوة حادة بين مراكز اتخاذ القرار الإداري والنقابي التي تدير المشهد من بيئات مستقرة، وبين الكوادر البشرية التي تدفع ثمن البقاء في الميدان، مما يعمق الشعور بغياب العدالة التوزيعية والإنصاف الأخلاقي.
تأسيساً على ذلك، يتضح أن سوسيولوجيا العمل في ظل الأزمات الممتدة تتجاوز النزاع الكلاسيكي حول الأجور، لتصبح معركة صمود وطني وتصدٍّ مباشر لمخططات الإفراغ والتهجير، تمس صلب البناء القيمي والاجتماعي للمجتمع، ولم يعد مقبولاً أن تكتفي النقابات بأدوار تقليدية تقتصر على إصدار البيانات أو التحركات النمطية، بل إن الإدارة النقابية في زمن الأزمات الممتدة تتطلب تفكيك الأطر البيروقراطية والتأسيس لعمل نقابي تخصصي يتوزع عبر نقابات قطاعية قادرة على معالجة الخصوصيات المهنية لكل قطاع (ك الصناعة والزراعة، والصيد، والخدمات، والمهن الحرة، والعمل عن بعد، واقتصاد المنصات) وحمايته ميدانياً.
أخيراً، إن المخرج العملي والميداني لمواجهة مخططات التهجير يستدعي بشكل عاجل الاستفادة من تراكم التجارب الوطنية والإقليمية في إدارة أزمات الشغيلة، والعمل الجاد على تحويل المنظومة النقابية نحو تفكير مرن يقع "خارج الصندوق"، ويتطلب هذا التحول ابتكار أساليب ووسائل حماية وتنمية غير تقليدية تصون كرامة العمال والكادحين، وتستوعب طاقات الخريجين في مشروعات إنتاجية ومجتمعية منظمة تعزز مقومات صمودهم، مع ضمان استدامة توازن علاقات العمل والإنتاج؛ كما بات من الضروري تفعيل الأدوار التخصصية للنقابات القطاعية لتكون حائط صد أمام محاولات المساس بحقوق العمال والموظفين، ويتوجب على وزارة العمل والنقابات العمالية والمهنية الشريكة فرض رقابة استثنائية صارمة تجرم التغول على حقوق العمال تحت مظلة الطوارئ، مع إلزام الجهات الدولية والإغاثية بتبني استراتيجيات تنموية تمكينية تدعم صمود المنشآت الوطنية وتوجه الموازنات لتمويل فرص العمل والتشغيل المباشر، ضماناً لبناء بنية اقتصادية واجتماعية متماسكة وقادرة على إفشال التهجير وتثبيت المواطن الفلسطيني على أرضه.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصام سالم.. - أبا وسام- قامةٌ من نور، ورسالةٌ لا تموت
- بين حداثة المشاريع وجمود النظم التقليدية في المؤسسات
- نساء غزة بين ثقل الواقع وضرورة التعافي
- سواعد غزة حجر الأساس لأي تعافٍ حقيقي
- مجدي سعادة بصمات نقابية وتضحيات وطنية في ذاكرة النضال الفلسط ...
- القائد الأديب والنقابي الثائر عبد الجواد زيادة -أبو الأديب-
- الرفق بالأطفال استثمار في مستقبل المجتمع واستدامته
- جمال خليفة.. سيرة قائد نقابي بقلب إنسان ونبض ثائر
- حين تكون الابتسامة أسلوب مقاومة وصمود
- أيتام غزة المنسيون مقيدون بشروط لإغاثة طفل!
- مهارة الذكاء العاطفي في الأزمات
- عندما يُغلق المتنفذون هواتفهم في وجه ميدان يُكوى بالنار..
- فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة
- من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة
- فلسفة الفكرة والقرارالمستقل ولماذا -فتح-؟
- متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ
- سوسيولوجيا إبداع الضرورة النقابية في بيئات الأزمات
- سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات
- قراءة تحليليّة في مقال الرفيق خالد أبو شرخ من نقد -شرعيّة ال ...
- الوطن بخير عندما نحسن الاختيار


المزيد.....




- برلمانية المؤتمر بالشيوخ تعقيبًا على تراجع البطالة: الأهم تو ...
- -يعود إلى عصر أجهزة التلكس-.. جدل بشأن قانون ساعات العمل الأ ...
- Statement on the International Day of the World’s Indigenous ...
- بيان بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم
- البطالة في روسيا تسجل أدنى مستوى بين دول مجموعة العشرين
- شهادات صادمة تكشف كواليس -بيت الرعب-: 25 عاماً من تجاوزات سا ...
- التعليم العالي: جامعة العاصمة تدشن منصة «تلاقي» لربط البحث ا ...
- الميلودي المخارق بعتبر المطالبة بعقد جولة للحوار الاجتماعي خ ...
- موجة الحر والحرائق تكبد المزارعين الفرنسيين خسائر بمليارات ا ...
- البيطريين: طبيبًا بيطريًا فوق سن الستين يتواصلون مع النقابة ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - سوسيولوجيا الصمود واقتلاع الطبقة العاملة