أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة















المزيد.....

فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 12:10
المحور: الادب والفن
    


فواديسواف ريمونت Władysław Reymontحين تصبح الحياة بابًا إلى الجمال

ليس من السهل أن نقترب من فواديسواف ريمونت من خلال شهرته وحدها أو من خلال جائزة نوبل التي حصل عليها عام 1924، فالجائزة تأتي في نهاية الطريق، بينما الأدب الحقيقي يبدأ غالبًا في مكان آخر، في حاجة داخلية لا يعرف صاحبها منذ البداية إلى أين ستقوده. كان ريمونت واحدًا من أولئك الذين لم يجدوا طريقهم إلى الأدب عبر مسار مستقيم ومطمئن، فقد احتك بالمسرح وعمل في مهن مختلفة وتنقل بين البيئات واقترب من حياة الناس اليومية، وهي الحياة التي ستصبح لاحقًا المادة الأساسية لعالمه الروائي. لم يتعلم الحياة من الكتب وحدها، بل من الاحتكاك المباشر بالناس، وربما كان هذا ما منحه القدرة على رؤية الإنسان في ظروفه اليومية لا في الصورة التي يصنعها عنه المجتمع أو الأدب.فالكاتب يستطيع أن يتخيل الحياة من بعيد، لكن الكاتب الذي يدخل إليها بكل حواسه يستطيع أن يرى ما لا يظهر على سطحها. هنا تبدأ خصوصية ريمونت. لم يبحث عن الإنسان في الأماكن الاستثنائية، بل وجده في الأرض والعمل والعائلة والرغبة والصراع والموت. لم يحتج إلى عالم أسطوري لكي يصنع منه أدبًا كبيرًا، لأن العالم من حوله كان غنيًا بما يكفي، وكان عليه فقط أن ينظر إليه بعمق.من هنا يمكن أن نفهم جانبًا أساسيًا من تجربته. الجمال في الأدب ليس دائمًا في الأشياء الجميلة، فقد يولد من القدرة على رؤية ما وراء القسوة. الأرض التي تتطلب العمل الشاق، الجسد الذي يتعب، الإنسان الذي يصارع من أجل مكانه، الحب الذي يمكن أن يتحول إلى غيرة، الجماعة التي تمنح الحماية لكنها تستطيع أن تقسو على الفرد، كلها يمكن أن تصبح مادة للجمال حين تدخل العين الفنية إلى أعماقها. لذلك لا يبدو ريمونت كمن يهرب من قسوة الحياة إلى الأدب، بل كمن يدخل الأدب لكي يعيد رؤية الحياة.وهنا يصبح الإبداع بابًا إلى الجمال المفقود. فالإنسان لا يستطيع أن يعيد الزمن ولا أن يسترجع الأشخاص الذين غادروا ولا أن يوقف تحول الأمكنة، لكنه يستطيع أن يعيد خلق ما فقده في اللغة والذاكرة والفن. الإبداع لا يعيد الشيء كما كان، لكنه يمنحه وجودًا آخر، وربما هنا تكمن إحدى وظائف الفن الكبرى، أن يمنع الفقد من أن يكون النهاية.في «الفلاحون» يبلغ هذا التصور ذروته. الأرض ليست خلفية للأحداث، بل قوة تشارك في تشكيل الإنسان. الشخصيات تحبها وتتعلق بها وتتصارع عليها وتورثها، حتى تبدو قيمتها الاقتصادية متداخلة مع قيمتها العاطفية والوجودية. الإنسان يعيش من الأرض، لكنه يعيش أيضًا داخل إيقاعها، ولذلك جاءت الفصول الأربعة، الخريف والشتاء والربيع والصيف، كأنها دورة كبرى لحياة الجماعة. الخريف هو الحصاد، لكنه يحمل معه بداية الانحسار، والشتاء يفرض السكون فتظهر التوترات الإنسانية بصورة أوضح، والربيع يعيد الحركة والرغبة والخصوبة، بينما يبلغ الصيف ذروة العمل والحياة قبل أن تبدأ الدورة من جديد.الزمن هنا ليس ساعة تسير أمام الشخصيات، بل قوة تتحرك داخلها. الإنسان لا يعيش الزمن فقط، بل ينتمي إلى إيقاعه الطبيعي. ولهذا تصبح الطبيعة في رواية ريمونت أكثر من منظر إنها جزء من الوجود الإنساني نفسهلكن ريمونت لا يقدم المجتمع الريفي بوصفه مجتمعًا مثاليًا. الجماعة تمنح الإنسان الانتماء والحماية، لكنها تراقبه أيضًا، ولها قوانينها غير المكتوبة وحدودها وأحكامها. ومن يخرج عنها يدفع الثمن. هنا تظهر ياغنا، وهي ليست مهمة لأنها امرأة جميلة أو لأنها شخصية مثيرة للجدل، وإنما لأنها تكشف الصراع بين الرغبة الفردية والنظام الاجتماعي. إنها تريد أن تعيش وفق إحساسها، بينما يريد المجتمع أن تعيش وفق قوانينه، ولذلك تصبح مأساتها أوسع من قصة امرأة وعلاقة عاطفية، إنها مأساة الفرد عندما يصطدم بجدار الجماعة.والقوة الحقيقية في كتابة ريمونت أنه لا يقدم هذا الصراع بطريقة أخلاقية بسيطة. لا يوزع البراءة والإدانة بسهولة، وإنما يجعل كل شخصية تتحرك من داخل حاجتها وخوفها ورغبتها. الإنسان هنا لا يعيش وحده، بل داخل شبكة من المصالح والغيرة والملكية والعادات والذاكرة. ولهذا يصبح المجتمع نفسه جزءًا من الشخصية الروائية.من هذه النقطة نقترب من السؤال الذي يقودنا إلى نوبل. لماذا يستطيع كاتب أن يجعل قرية بولندية بفلاحيها وأرضها ومواسمها وصراعاتها موضوعًا يصل إلى القارئ خارج بولندا؟ لأن الأدب الكبير لا يصبح عالميًا عندما يتخلى عن خصوصيته، بل عندما يذهب في خصوصيته إلى أقصى عمق. ريمونت لم يحاول أن يجعل الفلاح البولندي نسخة من الإنسان العالمي، بل فعل العكس تمامًا. أعطاه تفاصيله ولغته الاجتماعية وعاداته وأرضه وصراعاته وأحلامه ومخاوفه، ومن خلال هذه الخصوصية ظهر الإنسان الذي يمكن أن نتعرف إليه في كل مكان.الجوع إلى الملكية، الخوف من المستقبل، الرغبة في الحب، الغيرة، التعلق بالأرض، الصراع بين الفرد والجماعة، الخوف من الموت، والحاجة إلى أن يشعر الإنسان بأن حياته لها قيمة، ليست مشاعر بولندية وحدها، بل هي مشاعر إنسانية. لذلك يستطيع المكان الخاص أن يصبح عالميًا عندما يصل الكاتب إلى جوهر التجربة الإنسانية.ربما لم تكن قيمة ريمونت في أنه اخترع عالمًا لم يكن موجودًا، وإنما في أنه جعل عالمًا موجودًا أمام أعين الناس بطريقة لم تعد تسمح لهم بالنظر إليه بالطريقة القديمة. أخذ حياة الفلاحين، وهي حياة يمكن أن تمر دون أن تترك أثرًا في التاريخ الرسمي، ومنحها زمنًا أدبيًا جديدًا. الأشخاص الذين يعملون في الأرض ويحبون ويتشاجرون ويغارون ويولدون ويموتون لم يعودوا مجرد أسماء عابرة في قرية بعيدة، بل أصبح لهم حضور في الأدب.هنا نصل إلى معنى أعمق للجمال. الجمال ليس أن نجعل الحياة أجمل مما هي عليه، وإنما أن نمنحها القدرة على الظهور. ريمونت لم يخفِ قسوة الحياة الريفية، ولم يحول الفقر والصراع إلى صورة شاعرية زائفة، لكنه استطاع أن يرى في هذه الحياة كثافة إنسانية جعلتها جديرة بأن تتحول إلى فن. وهذا أحد أسرار الأدب العظيم، أن يجعل ما كان عابرًا قابلًا للبقاء.عندما نضع نوبل في نهاية هذه الرحلة، لا تعود الجائزة مجرد حدث في السيرة، بل تصبح نتيجة لمسار أدبي استطاع فيه ريمونت أن يجعل التجربة المحلية ذات قيمة إنسانية واسعة، وأن يحول الريف من موضوع اجتماعي إلى عالم جمالي ووجودي، وأن يمنح شخصياته حياة تتجاوز حدود المكان والزمان. لقد كتب عن أناس عاشوا في زمنه، لكنهم لم يبقوا أسرى لذلك الزمن، لأن الأدب منحهم زمنًا آخر.لقد تغيرت الأرض التي وصفها، ورحل الناس الذين عاشوا فيها، ومضت المواسم، لكن الفن حفظ حركتهم. وهنا يعود بنا ريمونت إلى الفكرة التي بدأنا منها الجمال المفقود. نحن لا نستطيع استعادة الحياة التي مضت، لكننا نستطيع أن نخلق لها وجودًا جديدًا. هذا هو الإبداع، ليس تعويضًا عن الحياة، بل استمرارًا لها بطريقة أخرى.ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد أكثر من قرن، نعود إلى ريمونت. لا لأننا نريد أن نعرف كيف عاش الفلاح البولندي فقط، وإنما لأننا نريد أن نعرف كيف استطاع كاتب أن يجعل حياة البشر بكل ما فيها من قسوة ورغبة وفقدان وجمال جديرة بأن تبقى.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني


المزيد.....




- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...
- مهرجان -أورالتيرا جاز- يجمع موسيقيي الجاز من موسكو ويكاترينب ...
- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...
- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل
- مراجعات جديدة تكشف حقيقة فشل الاستخبارات الغربية في ألبانيا ...
- «لن نتخلى عن أي قطعة».. الثقافة تؤكد ملاحقة الآثار العراقية ...
- رائد فهمي: المدى منبر رائد للمهنية والثقافة والتنوير في العر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة