أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا














المزيد.....

المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا


صفاء العطية التميمي

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 21:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تقديم
تتحدّد متانة الدولة وقدرتها على البقاء والاستمرار بقدرة نخبها على استيعاب الفارق البنيوي بين الموقع الإداري السيادي بوصفه أداة لإدارة الفضاء العام وحماية العقد الاجتماعي، وبين السلطة بوصفها غنيمة سياسية أو امتيازًا فئويًا.
في التجارب الديمقراطية الناشئة ومراحل الانتقال السياسي المعقدة—كما في الحالة العراقية—غالباً ما يُصاب مفهوم "القيادة" بانتكاسة مفاهيمية خطيرة؛ حيث تتحول المسؤولية السياسية والتنفيذية من تكليف قانوني وأخلاقي خاضع للمساءلة المستمرة، إلى أداة لتحصين المصالح، وتوزيع المكاسب، وممارسة النفوذ الذاتي. إن إعادة ترميم مفهوم القيادة وإزاحة ثقافة الامتياز هي الخلية الأولى في جسد إصلاح الدولة.
أولاً: التفكيك المفاهيمي: من "عقلية الغنيمة" إلى "التكليف الدستوري"
يعود أصل الأزمة القيادية في الأنظمة الريعية والتحاصصية إلى هيمنة "عقلية الغنيمة" على حساب "فلسفة الخدمة العامة". فالقيادة في مفهومها الفلسفي والسياسي الحديث ليست علوّاً طبقياً ولا حصانة ذاتية، بل هي عقد تكليفي مقيد بحدود القانون ومحاط بمسؤولية أخلاقية وضوابط أداء صريحة:
* شكلية السلطة مقابل جوهر المسؤولية: السلطة في أصلها ليست استحقاقاً شخصياً، بل هي التفويض المؤقت الصادر عن الإرادة الوطنية لإدارة الموارد وحماية الأمن وتحقيق العدالة. ومتى ما أحيط هذا التفويض بهالة الامتياز الاستثنائي، فقد جليّته وأصبح أداة لإنتاج الفساد الهيكلي.
* النزاهة الأخلاقية والالتزام الدستوري: إن شرعية القيادة لا تُستمد فقط من الصندوق الديمقراطي أو المحاصصة التوافقية، بل تتشكل يومياً من خلال الشرعية الإنجازية، والالتزام الصارم بالدستور، وتقديم المصلحة العامة للبلاد على أي حسابات حزبية أو منطقة نفوذ.
ثانياً: الواقع العراقي: متلازمة الامتياز وتآكل مؤسسات الدولة
شهدت التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003 تراكمًا لظاهرة "شخصنة السلطة" وتوسع الامتيازات الممنوحة للدرجات الخاصة والمواقع القيادية، مما أدى إلى انعكاسات خطيرة على هيكل الدولة:
* انفصال النخبة الحاكمة عن الواقع الاجتماعي:
أدت الامتيازات الاستثنائية والحمايات المفرطة والمخصصات الضخمة إلى إيجاد طبقة قيادية معزولة عن التحديات اليومية للمواطن، مما يعمق الفجوة بين المجتمع والدولة ويلغي دافع الإصلاح الحقيقي.
* تحويل المؤسسات إلى شبكات زبائنية:
عندما تُفهم القيادة كامتياز، يُصبح التعيين في المواقع العليا قائمًا على الولاءات الشخصية والفئوية بدلاً من الكفاءة والجدارة. هذا النهج يفرغ المؤسسات التنفيذية والأمنية من قدراتها التخصصية، ويحول القرار الإداري إلى أداة لحماية مكاسب الكتلة أو الحزب.
* غياب ثقافة المساءلة والتقويم:
ارتباط القيادة بالموقع لا بالإنجاز يعطل آليات الرقابة والمحاسبة؛ فتتحول الأخطاء الاستراتيجية وهدر المال العام إلى مجرد وجهات نظر سياسية تُدار بالتوافقات، بدلاً من التعامل معها كتقصير صريح يستوجب الإقالة والمحاسبة القانونية.
ثالثاً: المسار العلاجي: نحو نموذج قيادي مؤسسي حاسم
إن الانتقال من مفهوم "القيادة الامتيازية" إلى "القيادة التكليفية" لا يتحقق بالوعظ السياسي أو الشعارات الأخلاقية، بل يتطلب إصلاحات قانونية وهيكلية صارمة:
* إلغاء وتفكيك شبكة الامتيازات غير البرتقائية: ربط المخصصات والمزايا بالحدود الطبيعية للوظيفة العامة، وتجريم استغلال موارد الدولة ومؤسساتها لأغراض شخصية أو دعاية سياسية حصرية.
* اعتماد معايير "الحوكمة والإدارة بالجدارة" (Meritocracy):
إبعاد الهيئات المستقلة والدرجات الخاصة والمؤسسات الأمنية والخدمية عن بورصة التوافقات السياسية، وإخضاع التعيينات القيادية لمجالس خدمة مستقلة وفق أطر كفاءة وسجل إنجاز واضحة.
* تفعيل التقييم الدوري وتكلفة الفشل:
إيجاد مؤشرات قياس أداء مستمرة (KPIs) للقيادات العليا، بحيث يصبح البقاء في الموقع الإداري والسياسي مرهوناً بالنتائج الملموسة والالتزام بالتوقيتات الزمانية للمشاريع والاستراتيجيات الوطنية.
* المساءلة الشفافة وسيادة القانون:
رفع الحصانات الإدارية والسياسية عن أي قيادي يثبت تورطه في فساد مالي أو تقصير إداري، وترسيخ قاعدة قانونية واحدة: كلما ارتفعت درجة المسؤولية، زادت شدة المحاسبة والعقاب.
خلاصة المقال
لا يمكن بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون في العراق بعقول تنظر إلى المناصب السيادية والتنفيذية بوصفها محطات جباية ونفوذ. إن "أولوية الدولة" تفرض بالضرورة إعادة الاعتبار لهيبة المسؤولية الوطنية، وترسيخ مفهوم يقيني مفاده: إن القيادة خادمة للدولة والمواطن، وليست مخدومة بهما؛ وأن الموقع القيادي هو أعظم أشكال التكليف الوطني والواجب الأخلاقي الذي لا يُقبل فيه الخلل أو المقايضة.



#صفاء_العطية_التميمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمانة الوظيفة في الدولة قبل السلطة
- الوظيفة تكليف لا تشريف
- الدولة تُبنى بالثقة قبل القوة
- الاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي
- المقال الثاني عشر: مكافحة الفساد وتفكيك معادلة التقلبات السي ...
- استقلال القضاء ضمان الدولة
- المواطنة قبل الانتماءات الضيقة
- العدالة أساس الاستقرار
- الإدارة الكفوءة قبل الشعارات
- الكفاءة لا المحاصصة
- سيادة القانون اساس الدولة
- الدولة تبني من خلال المؤسسات لا الأفراد
- الدولة ليست غنيمة سياسية
- لماذا تفشل الأحزاب عندما تجعل السلطة هدفها الأول
- الفرق بين الدولة والحكومة والسلطة
- اختيار أمارجي للدولة قبل السلطة


المزيد.....




- وصل إلى 3 آلاف متر.. ثوران بركان في اليابان يقذف الرماد بارت ...
- الجيش العراقي يعلق بعد تقارير عن تحركات عسكرية سورية على الح ...
- اتصال هاتفي بين ترامب وأمير قطر وسط -تقدم- في مفاوضات إيران ...
- قصة قرية إسبانية يحل عليها الظلام مرتين في ليلة واحدة
- -مجلس السلام- يعرض أمام الكونغرس آخر تطورات خطة ترامب لغزة
- تقرير: واشنطن استهلكت -تقريبًا- كامل مخزونها من الصواريخ الد ...
- ألمانيا ـ كشف النقاب عن خطة طوارئ سرية لسيناريوهات انقطاع ال ...
- -حرب تصريحات- بين حزب الله ورئيس الحكومة اللبنانية حول المفا ...
- حرائق فرنسا.. توقيف 402 شخص بينهم 156 قاصرا منذ بداية موسم ا ...
- قبل طهيها.. احذر البطاطس المنبتة والخضراء لهذا السبب


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صفاء العطية التميمي - المقال السابع عشر: القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا