أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحمة يوسف يونس - تمن وجبة














المزيد.....

تمن وجبة


رحمة يوسف يونس

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 00:29
المحور: الادب والفن
    


حين كانت أمي تعد لنا الطعام وأنا صغيرة، كنت كعادتي أجلس قبالتها وأكتفي بالنظر إليها وهي تحضر الطعام بمراحله المتعددة. حفظت طريقة صنع كل الأكلات التي تصنعها عن ظهر قلب، ولم تسمح لي يومًا أن أعدها بنفسي.
كانت عادة أمي وما زالت حتى اليوم، لا تسمح لأي أحد أن يعد وجبة الطعام الرئيسة للعائلة سواها. تطلب مني أحيانًا أن أساعدها في جلب الملح مثلًا أو التوابل أو المعجون، أما أكثر من هذا فلا تسمح.
ما زلت حتى الآن أذكر جلساتي قبالتها وأنا تلميذة في مدرستها. تثرم اللحمة على (التختة) والبصل والخضار، أو تكبب الكبب، أو تُشكّل العجين دوائرَ لتصنع العروق، أو تغربل حبات الأرز من الشوائب، وأنا أكتفي بالنظر إليها، وتقديم مساعدات بسيطة تطلبها مني، وكثيرًا ما أطرح عليها أسئلتي.
سألتها يومًا عن الشوائب في حبات الأرز وهي تعزلها جانبًا بأصابعها البيض الرشيقة، أشنو هذي؟ فقالت: شِلب، قلت: أشنو هذا الشلب، فقالت: حبات الرز غير المقشرة. فسألتها وهي تعزلها عن حبات الرز المقشرة في الصحن المعدني المائل في حضنها، وشائبة سوداء كخرزة ناعمة تتدحرج إلى حافة الصحن: ليش التمن بينو هذي الأشياء. فقالت من غير رضا: تمن وجبة. شعرت من جوابها المختصر أنها تخفي عني أشياء لا أعرفها. فلم أفهم حينها ما معنى (تمن وجبة) غير أنه الأرز الذي يوزع على الشعب ضمن الحصة التموينية، فاكتفيت بالصمت.
أنا لا أعرف في زمن الحصار، الذي فيه تشكلتُ، نوعًا من الأرز غير تمن الوجبة، أما أمي فهي بحكم الحياة التي أنجبتها في زمن سابق للحصار، وفي بيت عز، تعرف أنواعًا عديدة منه.
رحل عنا الحصار، وكبرتُ، وعرفت أنواع الأرز التي تعرفها أمي، البسمتي، و العنبر، والعقراوي وغيرها من أنواع الأرز الفاخر. لكن يظل تمن الوجبة الرخيص ذاك أشهى أطباق الأرز على الإطلاق. ففي كل مرة قبل أن تقدمه أمي لنا طبقًا شهيًا، تغربله بيديها النقيتين، فقدمت لنا معه أيامًا نقية لا تشوبها شوائب، عزلت أحزانها وخيباتها، وتغاضت عن الأيام الغامضة كالشِلب، فلم نر في الطبق غير أيام بيضاء من صنع يديها.
كبرتُ وفهمت لماذا أمي لا تسمح لأحد أن يعد طعام العائلة بيديه سواها، فالأمهات وحدهن من يُجدن صنع الأيام، ويقدمن لأبنائهن الحياة في طبق شهي رغم كل الظروف.



#رحمة_يوسف_يونس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى صباح الاستماع
- إلى الصباح في كل مرة
- إلى الصباح مرة أخرى
- الأمهات والرائحة
- إلى الصباح
- أنا والشاي
- الرجل المُعلّب
- سرداب
- بيان من طاهية
- ضياع ويقين
- باقة من الريش
- تيه
- إنجاز
- مربعانية
- قدح ورقي
- تاء التأنيث المهتزة
- احتفال في البرد
- الوجه الآخَر للشتاء
- صَدقة
- مناجاة


المزيد.....




- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...
- فنانة تركية تقطع وعدا على نفسها في حال نجاح طرابزون سبور في ...
- حين أصبح رسم تحضيري أغلى من تحفة فنية.. قصة عمل إيفانوف النا ...
- الفنان الروسي فانيا دميتريينكو يدخل التاريخ بحفل استثنائي في ...
- متحف بوشكين يستعد لافتتاح معرض -عربة الماس: الفن البوذي الرو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحمة يوسف يونس - تمن وجبة