أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر بن رمضان - أزمة المياه في تونس : عطش الفقراء وثراء اللوبيات














المزيد.....

أزمة المياه في تونس : عطش الفقراء وثراء اللوبيات


الناصر بن رمضان

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 17:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​يقف المواطن التونسي الكادح اليوم أمام مفارقة غريبة تجسد أعتى صور الاستغلال الطبقي؛ ففي الوقت الذي تجف فيه حنفيات البيوت في الأحياء الشعبية والقرى المفقرة، وتتواتر انقطاعات "الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه" (صوناد) لفترات طويلة في ذروة موجة الحرارة الإستثنائية بتعلة الشح المائي واهتراء الشبكات وإصلاح عطبها ، تتدفق ملايين اللترات من أنقى المياه الجوفية و أعذب العيون الجبلية الجارية لتملأ قوارير البلاستيك التابعة لشركات القطاع الخاص.
إن تونس تتصدر المرتبة الثانية عالمياً في معدل استهلاك المياه المعلبة بمتوسط يناهر 244 إلى 275 لتراً للفرد سنوياً، وبإجمالي مبيعات يتجاوز 3.2 مليارات لتر سنوياً عبر نحو 30 وحدة تعليب. هذه الأزمة ليست عرضية أو نتيجة قاهرة للتغيرات المناخية كما يراد إيهامنا، بل هي أزمة بنيوية لمنظومة المياه ونتاج مباشر لسياسة تنموية مرتهنة حوّلت قطاعااستراتيجيا وملكاً عاماً للشعب إلى سلعة تدر أرباحاً خيالية للرأسمال الطفيلي تجاوزت 800 مليون دينار كحجم مبيعات سنوي لكارتيلات التعبئة ولوبيات البلاستيك، محكومة بمنطق السوق الذي يقدم ربح الرأسمالي على حق "الزوالي" في الحياة.

​وتتضح البنية الطبقية لأزمة المياه بشكل جلي في خريطة الاستخراج والتوزيع؛ حيث تستحوذ مجموعة محدودة من العائلات النافذة والشركات المجمعة على امتيازات استغلال العيون المائية في ولايات الشمال الغربي (سليانة ، جندوبة الكاف، وباجة)—وهي المناطق الأكثر غنى بالموارد المائية والأكثر فقراً وتهميشاً في الخدمات الأساسية. تقام المجمعات الصناعية لتعبئة المياه الجوفية عبر تحالف وثيق بين كارتيلات الصناعات الغذائية ولوبيات البلاستيك المحتكرة للقوارير، لتُستخرج الثروة المائية بأبخس الأثمان عبر أتاوى مجحفة في رمزيتها تعود لحساب الخزينة العمومية، في حين وصل استغلال الموائد الجوفية إلى نسب مرعبة تتجاوز 140% على المستوى الوطني. إن ما يحدث من نهب وحشي للثروة المائية هو نموذج صارخ لفشل المنظومة الشعبوية المتوحشة ، حيث تُشفط مياه الأهالي ومجاري عيونهم لملء نحو 1.8 مليار قارورة بلاستيكية سنوياً تُباع للمواطن المفقر بأسعار خيالية هذا إن تجاوز ندرة البضاعة والشح في الأسواق، بينما يُترك السكان المحليون يخوضون معارك يومية مع العطش والرحيل بحثاً عن شربة ماء غير ملوثة.

​أما على مستوى مؤسسات الدولة، فإن تتالي أزمات انقطاع المياه وحالة العجز المزمن لشركة "صوناد" ليس إلا نتيجة لتفكيك ممنهج للقطاع العام وتركيعه لصالح الخوصصة الزاحفة على هذا القطاع ، وتسجل شبكات توزيع المياه العمومية نسب ضياع وتسربات كارثية تترواح بين 25% و40% من حجم المياه المعالجة دون صيانة جدية أو تجديد يذكر، حيث لا تجدد الشركة سوى 150 كلم سنوياً من أصل 1200 كلم مبرمجة. وفي مقابل هذا الهدر للمرفق العمومي، تقف وزارات الفلاحةوالصناعة والتجارة موقف المتفرج - بل والشريك المورط والمباشر -من خلال حماية مصالح كارتيلات المياه. فبينما يُترك المرفق العام للتآكل لفائدة ميزانيات التقشف المملاة من قبلى الصناديق الدولية، تتغاضى وزارة التجارة عن المراقبة والتحكم في تسعير قوارير المياه وتترك هامش الربح للشركات الاحتكارية لتكديس أرباحها دون رقابة ولا محاسبة !! ويهدف هذا التخلي المتعمد للدولة بالأساس إلى دفع المواطن المنهك من جراء تدهور المقدرة الشرائية نحو سوق "المياه المعلبة"، ليصبح الاستهلاك الحياتي الأولي خاضعاً لمنطق القدرة الشرائية؛ فمن يملك المال يشرب ماءً نقيّاً، ومن لا يملك فنصيبه العطش أو جرع المياه الملوثة من جراء الانقطاعات اليومية.

​إن هذه الأزمة الهيكلية تؤكد أن الدولة القائمة، بحكم طبيعتها البورجوازية التابعة لدوائر الرأسمال المحلي والأجنبي، أضحت أداة لتسريع سلعنة الطبيعة وتجريد الطبقات الشعبية من أسباب بقائها. إن العطش المتواصل—سواء امتلات السدود أو جفت—هو الجريمة الاجتماعية التي ترعاها سلطة رأس المال، حيث يغدو الهواء غداً الهدف القادم للاحتكار والسلعنة إن لم تتصدَّ الجماهير الفلاحية والكادحة لهذه السياسات. إن النضال من أجل الماء الصالح للشرب ليس مطلباً خدمياً بسيطا ، بل هو جزء لا يتجزأ من المعركة الطبقية لإسقاط خيارات الخوصصة والهيمنة، وإعادة استرجاع السيطرة الشعبية على الموارد الطبيعية والمرافق الحيوية لصلابة المجتمع وحقه الإنساني المطلق في الحياة. 



#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهجرة والتبعية في تونس
- في ذكرى ميلاد جورجي ديمتروف : تلخيص لكتابه - الجبهة الوطنية ...
- الحركة النقابية الكندية( الجزء الثاني )
- الحركة النقابية الكندية
- تلخيص لكتاب - عن النقابات - لينين.
- في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا
- أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس
- الفيفا : من هيئة رياضية إلى جهاز للرأسمالية المعولمة
- أي دولة هذه التي تفشل حتى في توفير الماء الصالح للشراب؟
- الرياضة بين الإنسان والسلعة : هل من بديل لهيمنة السوق؟
- ثالوث الفقر والبطالة والحرب
- التضامن مع إضراب موظفي البنوك دفاع عن الحق النقابي
- الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
- سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش ...
- مافيا سوق السيارات وبرلمان الدمى يسيجان قانون سيارة العائلة
- السلطة الشعبوية والتحركات الإحتجاجية
- أي أفق لأزمة البيروقراطية النقابية؟
- في تلازم حرية الطبقة العاملة مع حرية المرأة
- إنتفاضة 3 جانفي 1984 .مجرى الأحداث
- خطر الشعبوية على العمل النقابي


المزيد.....




- روسيا: مقتل 7 أشخاص بينهم 3 أطفال إثر غارة بمسيّرة أوكرانية ...
- مارين ترافيك: ناقلات نفط سعودية تلتف حول أفريقيا تفاديًا لمخ ...
- لماذا نشعر بأننا -قبيحات- في وقت معيّن من الشهر؟ وما دور اله ...
- بعد اتفاق يناير.. بارزاني في دمشق لمتابعة مسار دمج -قسد- في ...
- حماس لن تُقدم على -خطوة انتحارية-.. مصدر يشكّك في تنفيذ خطة ...
- روما تستعد لجولة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية.. وبيروت ...
- بوتين يعين سفيرا جديدا لدى سوريا
- رويترز: 6 ناقلات نفط سعودية عملاقة تغير مسارها إلى رأس الرجا ...
- ترامب يتهم القيادة الإيرانية بـ-ازدواجية لا تُصدق- ويؤكد: لن ...
- بيان عربي حاد ضد إسرائيل


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر بن رمضان - أزمة المياه في تونس : عطش الفقراء وثراء اللوبيات