أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآنية والتوظيف الأيديولوجي السلطوي















المزيد.....

إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآنية والتوظيف الأيديولوجي السلطوي


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 13:28
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مقدمة: في ضرورة الثورة المعرفية على التراث
إن مقتضيات الوعي القومي التقدمي، المتناغم مع الرؤية القرآنية العقلانية، تفرض على الباحث المعاصر ألا يقف موقف المتلقي المستسلم أمام ما تراكم في بطون كتب التاريخ والحديث من مرويات تسيء إلى الجوهر الحقيقي للرسالة المحمدية. إن تدوين السيرة النبوية في العصر العباسي لم يخضع فقط لشرط التوازنات السياسية لرجال البلاط الحاكم، بل تسربت إليه ثقافة "القصّاصين" والمؤثرات الميثولوجية القديمة التي حاولت صياغة سيرة موازية تحاكي معجزات الأنبياء السابقين، مما أنتج روايات تصطدم اصطداماً صارخاً بالمنطق والعقل وبالمحددات القرآنية الحاكمة [5][11].
تنطلق هذه المقاربة النقدية من ثنائية إخضاع التراث التاريخي لمحاكمة العقل والقرآن، وتفكيك آليات التوظيف السياسي والتشريعي الذي مارسته السلطة العباسية عبر ابن إسحاق [1][3]، وصولاً إلى فحص الآثار الفقهية الناتجة عن هذا التدبير التاريخي.
أولاً: سيرة ابن إسحاق والتكليف العباسي.. تداخل الأيديولوجيا بالميثولوجيا
لم يكن أبو جعفر المنصور، وهو يضع أسس الدولة العباسية الناشئة، يبحث عن الحقيقة التاريخية المجردة عندما كلف محمد بن إسحاق بصناعة كتابه. كان الهدف المركزي هو صياغة "شرعية سياسية أيديولوجية" تثبت أحقية بني العباس بالخلافة في مواجهة المد العلوي الثائر وبقايا الأمويين [2][3].
لكن الإشكال المعرفي الأكبر في منهج ابن إسحاق لم يقتصر على الممالأة السياسية للبلاط عبر تضخيم أدوار العباس بن عبد المطلب وإغفال خصومهم؛ بل تمثل في اعتماده على مرويات أحفاد يهود المدينة والقصاصين "الإسرائيليات". هذا المنهج الإخباري المتساهل شرّع الأبواب لدخول روايات العجائب اللامعقولة والمخالفة للسنن الكونية، مثل أحاديث حوار الرسول مع الحيوانات، وبكاء جذع المنبر، وإشباع الجيوش الكبيرة بحفنة طعام، وانفجار العيون المائية من بين الأصابع [5][11]. هذه الروايات، رغم شيوعها، تتناقض بنيوياً مع النص القرآني الحاسم الذي أكد بشرية الرسول محصوراً في وظيفة الرسالة والقدوة الإنسانية العليا: «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً» (الإسراء: 93)، و*«وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ»* (الإسراء: 59). إن إقحام هذه الخوارق في السيرة كان تلبيةً لشهوة القصّ الأسطوري، ومحاولةً لإضفاء هالة ميتافيزيقية تخدم قداسة السلطة المستندة إلى الإرث النبوي.
ثانياً: من ابن إسحاق إلى ابن هشام.. حدود التصفية وغياب التمحيص العقلي
عندما جاء ابن هشام ليهذب متن ابن إسحاق، ركز جهده على التصفية البيانية والسياسية. فحذف الأشعار المنحولة والمرويات التي تتضمن مبالغات سياسية فجة تخص بني العباس أو تشين بعض الشخصيات لتقديم نص تربوي صالح للأمة.
ومع ذلك، فإن هذا التهذيب ظل قاصراً من الناحية العقلانية، حيث احتفظ ابن هشام بالعديد من الروايات اللامنطقية التي تسيء للرسول وتظهره خارج سياق البشرية والرسالية العاقلة. بالمقايسة بين المدارس التاريخية:
ابن إسحاق: فتح الباب للرواية التاريخية المشوبة بالخرافة والموجهة سياسياً [1][6].
الواقدي: تعمق في تفاصيل المغازي الجغرافية والميدانية، لكنه غرق في رواية المنقطعات والمجهولات.
ابن هشام: حرر السيرة من التوظيف السياسي المباشر والركاكة اللغوية، لكنه أبقى على البنية الروائية الخارقية دون إخضاعها للنقد العقلاني والقرآني الفاحص [5][8].
ثالثاً: موقف المحدثين.. "التساهل في المغازي" كمنفذ للمرويات المشوهة
شكل الموقف التقليدي لعلماء الجرح والتعديل ثغرة معرفية كبرى سمحت بتسلل الروايات المسيئة واللامعقولة إلى الذاكرة الجمعية. فقد اعتمدوا قاعدة: "إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل والمغازي تساهلنا".
هذا الفصل التعسفي بين التشريع والتاريخ جعلهم يغضون الطرف عن روايات ابن إسحاق والواقدي التي تحوي خوارق غير منطقية أو قصصاً تسيء إلى حكمة الرسول وأخلاقه، طالما أنها لا تبني حكماً فقهياً مباشراً كالصلاة أو الصيام [9][10]. لقد حارب المحدثون "التدليس" والإرسال بأسلوب ميكانيكي ركز على السند (الرجال) وأغفل نقد المتن (المضمون)، فمرت مئات الروايات المرفوضة عقلياً وقرآنياً لمجرد أن رجال سندها "ثقات" في نظرهم، مما شوّه الصورة الإنسانية والرسالية والنبي ومفهوم السيرة القائم على التدافع الاجتماعي الطبيعي.
رابعاً: إسقاطات السيرة على الفقه.. تمدد النص التاريخي إلى المساحة التشريعية
إن الإشكال الأعمق تجسد في تحول هذا المتن التاريخي الموجه والمشوب بغير المعقول إلى مرجعية استنباطية صاغت فقه الأمة وتشريعاتها:
أحكام الحرب والعلاقات الدولية: اعتمد الفقهاء على الروايات التاريخية للغزوات كخيبر وحنين وبدر لشرعنة أحكام الأسر، والسبا، وتقسيم الغنائم [12][13]، متأثرين بروايات تاريخية كتبت في مناخ إمبراطوري عباسي توسعي، ومقدمين إياها على المقاصد القرآنية الكلية الداعية للسلم والعدل وحرية الاعتقاد.
الجمود المنهجي (أهل الحديث ضد أهل الرأي): انتصرت مدرسة أهل الحديث للشروط الشكلية للإسناد التاريخي في السيرة، بينما حاول الحنفية والمالكية تقديم "العمل المتواتر" والسياق العام، إلا أن هيمنة النزعة النصية الروائية قيدت العقل الفقهي وصيرت الروايات التاريخية الظنية حاكمة على المطلق القرآني عبر دعاوى "النسخ".
تعطيل السنن الكونية: إن تقعيد الأحكام الفقهية والتشريعية بناءً على سيرة مليئة بالخوارق والقصص اللامعقولة، ساهم في صياغة عقل فقهي تواكلي، يغيب السنن الكونية والاجتماعية (السببية) لصالح انتظار الحلول الغيبية والمعجزات، وهو ما يتناقض مع المشروع النهضوي والتقدمي للأمة العربية.
خلاصة واستنتاج نهضوي
إن تفكيك سيرة ابن إسحاق وقراءتها بعين قومية تقدمية وقرآنية يقودنا إلى حتمية تنقية هذا الإرث من كل ما يسيء للرسول، وإسقاط الروايات اللامعقولة التي تصطدم بالقرآن والمنطق. لم تكن السيرة بالكامل "على مقاس السلطة" بفضل المادة المستقرة في القرآن، ولكنها حُملت بأوزار الرغبات السياسية العباسية وخيالات القصاصين المشوهة [1][5]. إن واجب العقل العربي التقدمي اليوم هو تحرير السيرة النبوية من التوظيف السياسي الوسيط ومن الرؤية الأسطورية الخارقية، لإعادة بناء سيرة حركية، عقلانية، وإنسانية تكون نموذجاً للنهوض القومي والتحرر المعرفي.
التهميش والمصادر:
[1] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت، المجلد الأول، ص 221 (تفاصيل تكليف المنصور لابن إسحاق).
[2] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 210.
[3] الدوري، عبد العزيز، نشأة علم التاريخ عند العرب، دار الطليعة، بيروت، ص 145.
[4] العلي، صالح أحمد، دراسات في تدوين التاريخ عند العرب، شركة المطبوعات للتوزيع، بيروت، ص 89.
[5] الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص 340 (في نقد العقل المستقيل والغنوصي في التراث).
[6] الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 7، ص 41-44 (رواية ابن إسحاق عن أحفاد اليهود وموقف مالك منه).
[7] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب— دار الفكر، بيروت، ج 9، ص 366 (علل مرويات الواقدي).
[8] ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا، مقدمة الكتاب، ص 4-5.
[9] الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ج 2، ص 156 (قاعدة الإمام أحمد في التساهل بالمغازي).
[10] العلائي، صلاح الدين، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، عالم الكتب، بيروت، ص 92.
[11] شحرور، محمد، تجفيف منابع الإرهاب: نحو ثقافة إسلامية جديدة، دار الساقي، بيروت، ص 85-89 (في نقد مرويات الخوارق ومخالفتها للمنهج القرآني).
[12] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 3، ص 410.
[13] الشافعي، محمد بن إدريس، كتاب الأم، دار المعرفة، بيروت، ج 4، ص 105.
[14] مالك بن أنس، الموطأ، رواية يحيى الليثي، مقدمة في أصول عمل أهل المدينة.
[15] ابن حزم الأندلسي، الناسخ والمنسوخ في القرآن والسنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 64.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة ...
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...
- نقد المتن والسند: نحو غربلة منهجية للتراث الحديثي
- سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب ...
- عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث ضمن ...
- دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم ...
- ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
-  الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل الع ...
- الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري الم ...
- الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت ال ...
- اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ و ...
- جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة و ...
- صالح بن يوسف : معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس
- عز الدين القسام.. طليعة الكفاح القومي المسلح ومنارة المقاومة ...
-   فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل الس ...
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
- الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة
- إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية ا ...


المزيد.....




- اليوم.. انطلاق المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة التمييز ضد الإس ...
- تضم تركيا السعودية ومصر.. إيران تقترح تشكيل -آلية أمنية إسلا ...
- تردد قناة طيور الجنة الجديد 2026.. كيف تعيد الفرحة والضحكة ل ...
- استطلاع يكشف تحولاً لافتاً بين اليهود الأميركيين الشباب: تأي ...
- لقطات توثق حريقا محدودا داخل الجامع الأموي الكبير بدمشق.. وا ...
- حزب المصريين الأحرار: فتح ملف الإخوان في الولايات المتحدة يؤ ...
- الاحتلال يصعد عدوانه.. جرحى بقصف إسرائيلي على شارع اتحاد الك ...
- -حياة يهودي بـ10 ملايين فلسطيني-.. تصريحات مستوطن تشعل الغضب ...
- المرسوم الأسود- الفرنسي هو الذي استعبد الإنسان لا الإسلام يا ...
- -كأننا عدنا لما بعد 11 سبتمبر -.. كير تكشف تصاعد الاعتداءات ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الناصر خشيني - إشكالية تدوين السيرة النبوية: بين المقاربة العقلانية القرآنية والتوظيف الأيديولوجي السلطوي