أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - الناصر خشيني - جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة العرب التقدميين















المزيد.....

جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة العرب التقدميين


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 22:15
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


مدخل
بصفتي واحداً من جيل التأسيس الذي عايش إرهاصات ولادة فصيل "الطلبة العرب التقدميون الوحدويون" في الساحة الجامعية التونسية، لا يمكنني النظر إلى المنجز الفكري لهذا التيار بمعزل عن التدافع النضالي اليومي. إن تاريخ فصيلنا قد كُتب بمداد الحبر ودماء التضحيات، وهو ما يتراءى بوضوح عند تصفح "الثلاثية التاريخية" التي وثّقت مسيرتنا: كتاب د. سالم لبيض ود. محمد ضيف الله (2017)، وشهادة الأخ بلقاسم الثليجاني (2018)، والدراسة الأعمق للدكتور الناصر المدوري (2023).
حين يُعاد النظر اليوم في هذا المسار، لا يكفي وصفه بأنه مجرد تيار طلابي ثالث إلى جانب اليسار الماركسي والتيار الإسلامي. الأدق أن يُقرأ بوصفه تفوقاً معرفياً قائماً على امتلاك أداة نظرية متكاملة، هي "جدلية الفكر والواقع" التي صاغها المفكر القومي العربي الدكتور عصمت سيف الدولة تحت مسمى "نظرية الثورة العربية".
أولاً: التأسيس النظري — لماذا كانت الأداة السيفية متفوقة على أدوات المنافسين؟
خاض فصيلنا معركته الفكرية في بيئة استقطبتها أداتان جاهزتان: الماركسية بحتميتها المادية وصراعها الطبقي المستورد، والإسلام السياسي بمرجعيته النصية عن إشكاليات التحديث والدولة الحديثة. كلتا الأداتين، رغم قوتهما التعبوية، كانتا تستوردان جهاز مفاهيم مصوغاً لسياقات مغايرة، فتُسقطانه على واقع عربي له بنيته الخاصة.
في المقابل، وفّرت نظرية سيف الدولة ميزة نوعية: التحرر من النقل الأعمى، أي رفض إسقاط النظريات الغربية — سواء كانت رأسمالية ليبرالية أو ماركسية مادية — على الواقع العربي. كان يرى أن الفكر يجب أن ينبثق من وعي الإنسان العربي بواقعه الخاص، لا من قوالب جاهزة صُنعت لمجتمعات أخرى. هذا ما منح الطلبة التقدميين الوحدويين قدرة تفسيرية وتعبوية لم تكن متاحة بالسهولة نفسها لخصومهم: كانوا يخاطبون الواقع التونسي والعربي بلغته هو، لا بلغة مستعارة.
ثانياً: الحرية والاشتراكية والوحدة كمنظومة متلازمة
في الوقت الذي قدّمت فيه بعض الأنظمة القومية "الوحدة" على حساب "الحرية"، جاءت الأطروحة السيفية لتعيد الاعتبار للحرية السياسية والاجتماعية كشرط أساسي لتحقيق الوحدة. الحرية هنا ليست ترفاً، بل أداة الجماهير لامتلاك إرادتها ومقاومة الاستعمار والتخلف — وهو ما أعطى فصيلنا حصانة فكرية ضد الاستبداد باسم القومية، وضد التذويب الأممي باسم الطبقة في آن واحد.
أما الاشتراكية العربية فقد قامت على أساس العدالة الاجتماعية وإلغاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، مع الحفاظ على الخصوصية الحضارية والثقافية للمنطقة العربية، دون السقوط في الإلحاد المادي أو الصراع الطبقي الدموي بمفهومه اللينيني.
ثالثاً: تجسّد التفوق النظري في الممارسة — قراءة في الثلاثية
هذا المزيج الفكري الفريد هو ما يفسر التباين والتكامل بين الكتب الثلاثة التي أرّخت لجيلنا:
في كتاب لبيض وضيف الله (2017): يظهر بوضوح كيف تحولت رسائل سيف الدولة ونصوصه النظرية إلى "العمود الفقري" للبيانات السياسية والمواثيق التأسيسية للفصيل. يوثق الكتاب كيف استوعب طلبة تونس هذا الفكر وحولوه إلى برنامج عمل نقابي داخل الاتحاد العام لطلبة تونس، متمسكين بالهوية العربية التقدمية كصمام أمان ضد التغريب أو الانغلاق.
في شهادة بلقاسم الثليجاني (2018): نلمس الجانب الإنساني والنضالي لتطبيق هذا الفكر. يبرز الثليجاني بنبرته الذاتية كيف عاش المناضلون تلك المبادئ في تفاصيل الصدام اليومي مع السلطة وفي الزنازين. كانت أطروحة سيف الدولة بالنسبة لجيلنا بمثابة الحصن النفسي والأخلاقي الذي يمنح المناضل المبرر للصمود، متجاوزاً الخلافات الهامشية نحو أفق "المستقبل" الواعد للثورة العربية.
في دراسة د. الناصر المدوري (2023): يفكك المدوري بالتحليل الأكاديمي الرصين كيف نجح الفصيل في مواءمة نظرية سيف الدولة — التي صيغت في المشرق العربي — مع "الخصوصية التونسية". يرصد المدوري التحولات الهيكلية والفكرية، مبيناً كيف انتقل الفكر السيفي من أروقة المدرجات الجامعية ليصبح رافداً سياسياً أسس للعمل الحزبي القومي في تونس، مؤكداً أن قوة الفصيل كانت في دقة أدواته النظرية لا في حجمه العددي.
رابعاً: قراءة نقدية مضادة
الأمانة الفكرية تقتضي عرض ما يوجهه خصوم هذا الطرح من نقد للأطروحة السيفية ذاتها. فبعض المفكرين اليساريين يرون أن "جدلية الفكر والواقع" ليست تحرراً تاماً من الاستيراد الفكري كما تدّعي، بل إعادة توظيف للمنهج الجدلي الهيغلي والماركسي بمصطلحات عربية، أي أنها لم تفلت فعلياً من الأداة الفلسفية الغربية التي تزعم تجاوزها. ويضيف بعضهم أن حديث سيف الدولة عن "خصوصية الواقع العربي" بقي عند مستوى التأصيل النظري، دون أن يترجم إلى برنامج اقتصادي تفصيلي ينافس الصرامة التحليلية للأدبيات الماركسية.
أما من جهة التيار الإسلامي، فالنقد الأبرز أن الاشتراكية العربية عند سيف الدولة، رغم رفضها الإلحاد المادي، تبقى مشروعاً علمانياً في جوهره، يستبعد المرجعية الدينية كمصدر تشريع وهوية، وهو ما يجعله عند هؤلاء غريباً عن "خصوصية" المجتمع العربي بقدر ما يزعم أنه معبّر عنها.
كما يشكك بعض الباحثين في مقولة "التفوق" ذاتها من الناحية التاريخية: فمحدودية الانتشار التنظيمي لفصائل الطلبة الوحدويين مقارنة باليسار الماركسي والتيار الإسلامي في الجامعة التونسية، تُستخدم أحياناً كدليل عكسي على أن الأداة النظرية — مهما بلغت دقتها — لم تُترجم إلى قوة تعبوية موازية.
هذه الملاحظات لا تُبطل موقع الأطروحة السيفية في تاريخ الفصيل، لكنها تُبقي الحكم بـ"التفوق الفكري" حكماً محل جدل بين الباحثين، لا حقيقة مستقرة.
خاتمة: جيل التأسيس وأمانة الفكر
إننا عندما ننظر اليوم إلى تلك التجربة من خلال هذه المصنفات الثلاثة، ندرك أن قوة "الطلبة العرب التقدميين الوحدويين" لم تكن في كثرة العدد أو الدعم الخارجي، بل في امتلاكهم لمشروع فكري متكامل وازنوا فيه بين بُعدهم القومي الوحدوي الواسع وبين نضالهم الوطني التونسي من أجل الحرية والكرامة. ورغم ما يثيره الخصوم من نقد مشروع، تبقى أطروحة عصمت سيف الدولة، بجدليتها الحية، دليلاً معرفياً لكل باحث عن الانعتاق والنهوض الحضاري.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شركة فوسفاط قفصة: من عمود الاقتصاد الوطني إلى عبء يهدد استقر ...
- الجزيرة: من منبر الرأي إلى أداة التخريب الإقليمي بقلم: الناص ...
- نقد المتن والسند: نحو غربلة منهجية للتراث الحديثي
- سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب ...
- عبد الله رشدي: الردة العقلية وتأميم المقاصد باسم التراث ضمن ...
- دعاة على أبواب الجحيم: أبو إسحاق الحويني وتسليع الإنسان باسم ...
- ظاهرة الشيخ الشعراوي: قراءة تفكيكية من منظور قومي تقدمي
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
-  الدكتور محمد شحرور.. ثورة القراءة المعاصرة وتحرير العقل الع ...
- الفريق سعد الدين الشاذلي.. باني نصر العبور والخط الناصري الم ...
- الإمام محمد الطاهر بن عاشور.. رائد المقاصد التنويرية وصوت ال ...
- اغتيال وطن في شخص شهيد: محمد براهمي.. الصوت العروبي الشامخ و ...
- جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة و ...
- صالح بن يوسف : معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس
- عز الدين القسام.. طليعة الكفاح القومي المسلح ومنارة المقاومة ...
-   فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل الس ...
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
- الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة
- إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية ا ...
- جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي ا ...


المزيد.....




- India’s Gen Z Flexed Its Power—and Won
- Election Security—or the Engineering of Distrust?
- Football Lucre: The Revolt Against Infantino’s Funding Plans ...
- Farewell Truth and Trust?
- Vicious Cycles: Autocracy, Inequality, and the Funding of Go ...
- الصنهاجي: التقدم والاشتراكية سيعلن “ميثاقا للأخلاق” ويتعهد ب ...
- تضامنا مع النضال الديمقراطي في جامو وكشمير بيان مكتب الأممية ...
- الفرار الجماعي إلى سبتة: الحاجة إلى التنظيم وبرنامج النضال
- صورة قاتمة لأوضاع الفقراء بأمريكا
- بودكاست نزعمو كاملين | لماذا حزب التقدم والاشتراكية ؟ مع د. ...


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - الناصر خشيني - جدلية الفكر والواقع: أطروحة عصمت سيف الدولة في أدبيات الطلبة العرب التقدميين