أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة















المزيد.....

فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة


سلامه ابو زعيتر
باحث وكاتب

(Salama M.s.abu Zuaiter)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 15:22
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


تاريخياً، ارتبطت نشأة الحركة النقابية الفلسطينية الحديثة وتطورها بمسار الثورة وحركة التحرر الوطني ارتباطاً عضويّاً لا ينفصم، وفي ظل غياب الدولة والسيادة الوطنية لعقود طويلة، لعبت النقابات دور المعاقل النضالية، وساهمت بفعالية في الحفاظ على الهوية الجمعية وتنظيم المجتمع في مواجهة التحديات الوجودية؛ إلا أن هذا التداخل العضوي بين النقابي والسياسي الحزبي أنتج دائمًا ديناميات معقدة داخل البنية التنظيمية للنقابات والاتحادات بتنوعها.
ومن هنا تنبع أهمية تقديم مقاربة سوسيولوجية نقدية لظاهرة التسييس المفرط والفصائلية العمياء؛ لفهم التحديات البنيوية والأخلاقية التي تنشأ عندما تخرج النقابة القطاعية والاتحادات العمالية والمهنية عن وظيفتها الأساسية القائمة على الفكرة والمهمة المطلبية الحامية لمصالح الأعضاء، لتتحول إلى ساحة استقطاب سياسي أو أداة محاصصة فصائلية، تُجيّر أحياناً لصالح أفراد على حساب المؤسسة؛ فكيف يؤثر هذا الانحراف السلوكي على استقلالية القرار النقابي ومستوى ثقة القواعد العمالية والمهنية في ممثليها؟
تُظهر القراءة السوسيولوجية لأداء الاتحادات والنقابات الفلسطينية تحولاً تدريجياً في هوية العمل التنظيمي؛ فعوضاً عن بناء التحالفات والقيادات على أساس الكفاءة المهنية، والبرنامج المطلبي المشترك، والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال والمهنيين؛ وهي الجوهر الحقيقي لنقابة الفكرة والمهمة؛ طغت الحسابات الأيديولوجية والحزبية الضيقة على المشهد، حيث أصبح الانتماء التنظيمي أو الفصائلي هو المحدد الرئيسي للوصول إلى المواقع القيادية؛ في حين يُفترض في القيادي النقابي أن يكون جامعاً لكل الجوانب أولاً بتحقيق شروط العضوية والانتماء الصادق للفئة التي يقودها ويمثلها، وصولاً إلى ممارسة انتماؤه السياسي بحرية دون فرض أو وصاية.
لقد أدى هذا الواقع إلى عزوف الشباب وأصحاب العلاقة وتغييب الكفاءات المهنية القادرة على إدارة الملفات المطلبية المعقدة بآليات نقابية رصينة، كما أدت إدارة العمل النقابي بمنطق الاستقطاب والتجاذبات الحزبية إلى تشوه الهوية المطلبية الجامعة وتفتيت القواعد العمالية والمهنية إلى تكتلات سياسية متنافسة ومتصارعة، وهو ما أضعف القوة التفاوضية والضغط والتأثير الجماعي للنقابة في السنوات الأخيرة أمام أصحاب العمل أو صانعي السياسات الحكومية الذين يستغلون هذا التشرذم لتمرير سياساتهم المجحفة.
تُعد ظاهرة المحاصصة السياسية والفصائلية من أعمق المعضلات البنيوية التي تعيق تطور النقابات الديمقراطية في الواقع الفلسطيني؛ فإن إدارة النقابات عبر التوافقات الفوقية بين الفصائل تُنتج آثاراً اجتماعية وتنظيمية بالغة الخطورة؛ فهي تُكرّس البيروقراطية ونشوء نخبة نقابية تستمد شرعيتها وبقاءها من ولائها وتوافقها الحزبي لا من صندوق الاقتراع أو قوة تأثيرها الميداني، مما يوسع الفجوة السوسيولوجية بين القمة والقاعدة ويخلق حالة من السلبية والامتناع عن الانخراط النقابي لدى العمال المستقلين والمهنيين والشباب، كما تُولد هذه الظاهرة أزمة استقلالية حادة تجعل النقابة الحزبية في صراع دائم بين مصلحة العامل التي تقتضي النضال والمفاوضة الصارمة، وبين الموقف السياسي للحزب الذي قد يقتضي التهدئة أو التنازل، وفي أغلب الأحيان تدفع الحقوق العمالية ثمن هذه الحسابات الفوقية، مما يفرغ العمل النقابي التحرري من مضمونِه التغييري.
انطلاقاً من هذا الواقع، يستوجب المشهد تبني نموذج العمل النقابي التحرري والتغييري، الذي لا يعني عزل النقابة عن قضايا وطنها السياسية الكبرى، ففلسطين تعيش سياق تحرر وطني دائم، بل يعني تحرير الإرادة والقرار النقابي من التبعية الحزبية الضيقة، وتقتضي المسؤولية الوطنية والريادية التاريخية للقوى والفصائل السياسية الاستجابة لهذا التحول؛ فإذا كانت الفصائل قد اهتمت بالنقابات تاريخياً لتلعب دوراً وطنياً وسياسياً جامعاً، فإن دور النقابات اليوم يفرض إلى جانب الواجب الوطني؛ النهوض بالمسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية المباشرة للأعضاء والعمال بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية.
تتحقق هذه الاستراتيجية من خلال دعم الفصائل الواعي لاستقلالية النقابات ومساندة فعالياتها النضالية والمطلبية بدلاً من الوصاية عليها، والارتكاز على وحدة الهدف العمالي والمهني عبر إعادة الاعتبار للبرامج المطلبية العمالية (كالأجور، والحماية الاجتماعية، والصحة والسلامة المهنية، والعدالة، والعمل اللائق... إلخ) والارتقاء بالمهنة ووظيفتها كقواسم مشتركة تجعل "لفكرة والخدمة هي معيار القيادة، إلى جانب تطوير التحالفات مع مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والكتل المستقلة لخلق جبهة ضغط اجتماعية تحمي استقلالية العمل النقابي وتمنع الهيمنة عليه.
في المحصلة، يتضح أن التسييس المفرط والمحاصصة الفصائلية يمثلان عائقاً حقيقياً أمام تشكّل حركة نقابية حديثة ونضالية قادرة على مواجهة التحديات واحداث تغيير وتأثير فعال، وأن الربط التعسفي بين الكفاءة النقابية والانتماء الحزبي أدى إلى تآكل فكرة النقابة الحمائية، وإن إنقاذ هذا المسار يتطلب شجاعة القيادات التنظيمية والحزبية للانتقال بالنقابات من أطر للمكايدة والمحاصصة إلى مؤسسات جماهيرية ديمقراطية مستقلة تُدار بروح المهمة والواجب، وتضع مصلحة العامل وكرامته فوق كافة المصالح الفئوية.
وبناءً على هذا التحليل، نخلص إلى أن طغيان الحسابات الحزبية يُفتت وحدة الطبقة العاملة ويسهل الاستفراد بحقوقها، وأن شرعية العمل النقابي ترتبط طردياً بمدى تحرره من الوصاية الفوقية وتفعيل الانتخابات الدورية المباشرة، المفتوحة على الجميع.
ولتجاوز هذه الأزمة، تتأكد الرسالة الجوهرية بضرورة اتخاذ قرارات شجاعة تُرسخ استقلالية كافة مؤسسات المجتمع المدني وتُعزز حوكمتها وشفافيتها، لتبنى خدماتها وبرامجها وفق الاحتياجات الفعلية للأعضاء وليس وفق انتماءاتهم الحزبية، كما يُدعى الشركاء النقابيون والسياسيون إلى صياغة ميثاق شرف نقابي وطني يُحيّد العمل النقابي عن التجاذبات السياسية، ويحظر استخدام مقدراته لأغراض فصائلية، مع حث الاتحادات على اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة وتضمين لوائحها آليات تضمن تمثيل المجموعات المهمشة والعمال المستقلين، لإعادة بناء جسور الثقة مع القواعد العمالية في الميدان.
الخلاصة، تُظهر المقاربة السوسيولوجية لواقع الحركة النقابية الفلسطينية أن الاستمرار في تغليب المحاصصة والتسييس المفرط لم يعد مجرد إرباك تنظيمي، بل أضحى استنزافاً حقيقياً لشرعية النقابات وقدرتها على حماية الطبقة العاملة، وإن الاستجابة لمتطلبات المرحلة تقتضي تحولاً استراتيجياً وشجاعاً في رؤية الفصائل والقوى الوطنية للعمل النقابي؛ تحولاً ينقل الفصائل من دور الوصاية والاحتواء إلى دور الداعم والمساند لاستقلالية هذه المؤسسات ونضالاتها المطلبية وأعمال القانون والنظم واللوائح لإدارتها بعيدا عن المزاجيات والفساد الإداري.
إن قوة المجتمع الفلسطيني وصموده الوطني يرتبطان طردياً بوجود مؤسسات مجتمع مدني قوية، مستقلة، ومحوكمة تُدار أطرها بشفافية وكفاءة، وتضع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والخدمية للمواطن وحامل الأمانة والمسؤولية فوق كل اعتبار حزبي، وإن تحرير النقابات من المكايدة السياسية، وإعادة الاعتبار لجوهرها القائم على الفكرة والخدمة والمهمة والوظيفة، وتكريس معايير النزاهة والشفافية والحوكمة النقابية وصندوق الاقتراع، ليس خياراً ناعماً بل هو ضرورة وطنية ونقابية ملحة لبناء حركة عمالية متماسكة، قادرة على الجمع بين النضال الوطني التحرري والدفاع الصلب عن كرامة العامل وحقوقه.



##الدكتور_سلامه_ابو_زغيتر (هاشتاغ)       Salama__M.s.abu_Zuaiter#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الإغاثة إلى التنمية المستدامة لإعادة بناء قطاع غزة
- فلسفة الفكرة والقرارالمستقل ولماذا -فتح-؟
- متلازمة الموظف المهدد وأخلاقيات العمل في بيئات الطوارئ
- سوسيولوجيا إبداع الضرورة النقابية في بيئات الأزمات
- سوسيولوجيا العمل النقابي في أوقات الطوارئ والازمات
- قراءة تحليليّة في مقال الرفيق خالد أبو شرخ من نقد -شرعيّة ال ...
- الوطن بخير عندما نحسن الاختيار
- الفساد.. حين يُعاقب الإنسان على كلمة حق لتجاوزات إدارة المخي ...
- الحوار نداء العقل ورسالة الحياة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع
- مخيم الثورة.. نبض الذاكرة وحكاية الروح التي لا تُهزم
- كيف نطور الأخلاق المهنية من المناهج التعليمية إلى الممارسة ا ...
- ميثاق الشرف الحركي ودوره في قيادة التغيير والارتقاء
- التحديات المركّبة للعاملين والمتطوعين من ذوي الإعاقة في غزة
- توجيهي غزة.. عندما تُهزم الزغاريدُ صمتَ الركام
- التنشئة الحركية والتعبئة الفكرية كصمام أمان لاستعادة الذات
- نحو ممارسة أخلاقية تحمي المهنة وتصون كرامة الأخصائي والمجتمع ...
- الفتيات بين برزخ المراهقة ووطأة المعاناة النفسية والفسيولوجي ...
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- دقّوا أجرَاسَ العَمَل.. ولا تَتَذرَّعُوا بالظُّرُوف!
- شهادة من الميدان.. عندما يُنصف القلمُ شرفَ العطاء


المزيد.....




- بدء صرف رواتب المتقاعدين وإعانة الحماية الاجتماعية لشهر آب
- سوريا.. إضراب تجاري في عين منين ودمشق (فيديوهات+صور)
- بين طباعة النقود واستنزاف الاحتياطيات.. ما مصير رواتب الموظف ...
- ويست جيت تلغي عشرات الرحلات مع اقتراب إضراب المضيفين
- النائب حسين غيته يتقدم بسؤال برلماني بشأن خروج 65 وحدة صحية ...
- “الزراعة” تستعرض جهودها في دعم المزارعين وتحقيق الأمن الغذائ ...
- استقالة كبير مستشاري إنفانتينو احتجاجا على اقتراح بيع فيفا ح ...
- ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا إلى أكثر من 3 ملايين ...
- وزير الزراعة يتابع جهود دعم المزارعين وتقديم الخدمات الإرشاد ...
- استقالة كارلوس كورديرو كبير مستشاري إنفانتينو احتجاجا على مق ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سلامه ابو زعيتر - فصائلية العمل النقابي من معضلة الاستقلالية لنقد المحاصصة