أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - من نيوتن إلى أينشتاين: فلسفة مستويات الحقيقة














المزيد.....

من نيوتن إلى أينشتاين: فلسفة مستويات الحقيقة


الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي

(Altaib Abdsalam)


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 11:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يميل العقل البشري إلى البحث عن حقيقة واحدة نهائية، وإلى تصنيف الأفكار ضمن ثنائية بسيطة: صواب أو خطأ. لكن هذا الميل قد يكون هو نفسه أحد أكبر العوائق أمام فهم الواقع. فالواقع لا يتكون من طبقة واحدة، بل من مستويات متعددة، ولكل مستوى مفاهيمه وقوانينه وأدواته التفسيرية. ومن هنا قد تكون الفكرة صحيحة في مستوى معين، ثم تصبح ناقصة أو حتى مضللة إذا نُقلت إلى مستوى آخر.
لا يعني ذلك أن الحقيقة نسبية بحيث تصبح جميع الآراء متساوية، وإنما يعني أن صدق الفكرة مرتبط بمجالها ومستوى التحليل الذي تعمل فيه. فالخطأ لا ينشأ دائمًا من كذب الفكرة، بل من تحويل الحقيقة الجزئية إلى حقيقة مطلقة.
ويقدم تاريخ العلم المثال الأكثر وضوحًا على هذه الفكرة. فقد سادت ميكانيكا نيوتن قرابة ثلاثة قرون، وما زالت حتى اليوم تُستخدم في بناء الجسور، وتصميم المباني، وإطلاق الطائرات، وحساب مدارات الأقمار الصناعية في كثير من التطبيقات العملية. ولم تكن هذه النظرية خاطئة عندما ظهرت النسبية. لقد كانت تصف الواقع بدقة كبيرة، ولكن ضمن مستوى معين، هو مستوى السرعات الصغيرة مقارنة بسرعة الضوء، ومجالات الجاذبية الضعيفة.
لكن عندما انتقل الفيزيائيون إلى مستوى آخر من الواقع، حيث تقترب الأجسام من سرعة الضوء أو تصبح الجاذبية شديدة كما في الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية، لم تعد مفاهيم نيوتن كافية. عندها قدم ألبرت أينشتاين إطارًا أوسع، لم يهدم نيوتن، بل احتواه بوصفه حالة خاصة داخل نظرية أشمل. فالحقيقة الجديدة لم تُلغِ الحقيقة القديمة، وإنما كشفت حدود صلاحيتها.
وهنا تظهر فكرة جوهرية: ليست كل حقيقة عالمية، وليست كل نظرية صالحة لكل المستويات. فما يبدو تفسيرًا كاملًا في مستوى معين قد يصبح مجرد تقريب في مستوى آخر. ولذلك فإن التقدم المعرفي لا يتم دائمًا عبر إبطال النظريات السابقة، بل عبر إدراك أن كل نظرية تمتلك مجالًا محددًا من الصدق.
وإذا انتقلنا من الفيزياء إلى السياسة، نجد أن الأمر لا يختلف كثيرًا. فالليبرالية، عند النظر إليها من المستوى الدستوري والمؤسسي والحقوقي، أثبتت نجاحًا كبيرًا مقارنة بالأنظمة الشمولية أو الشيوعية. فقد أسست لدولة القانون، ورسخت مبدأ الفصل بين السلطات، ووسعت نطاق الحقوق الفردية، وأوجدت آليات سلمية لتداول السلطة. وعلى هذا المستوى تبدو الليبرالية من أكثر النظم السياسية نجاحًا في التاريخ الحديث.
لكن الصورة تتغير عندما ننتقل إلى مستوى حضاري وثقافي واقتصادي أعمق. ففي هذا المستوى لا تبدو الليبرالية مجرد منظومة لحماية الحقوق، بل تصبح الفلسفة السياسية التي تمنح الرأسمالية مشروعيتها الثقافية. وهنا لا يُنظر إلى الإنسان باعتباره مواطنًا فقط، بل باعتباره مستهلكًا ومنتجًا داخل السوق. وتتحول الحرية تدريجيًا إلى حرية استهلاك، وتصبح الرغبات نفسها خاضعة لإعادة الإنتاج عبر الإعلام والإعلانات والثقافة الجماهيرية.
وعند هذا المستوى لا تكون الليبرالية خاطئة، كما لم تكن قوانين نيوتن خاطئة، لكنها تصبح وصفًا غير مكتمل لواقع أكثر تعقيدًا. إنها تفسر جانبًا من الإنسان، لكنها لا تستنفد كل أبعاده الأخلاقية والاجتماعية والروحية.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقًا: هل الليبرالية هي الفردانية؟ وإذا كانت كذلك، فما هي الفردانية أصلًا؟ وهل يوجد فرد مستقل استقلالًا مطلقًا عن المجتمع؟
قد يبدو مفهوم الفرد بديهيًا، لكنه عند التحليل الفلسفي يصبح إشكاليًا للغاية. فالإنسان يولد داخل لغة لم يخترها، وثقافة لم يصنعها، وتاريخ سابق على وجوده، ومؤسسات تشكل وعيه منذ طفولته. وحتى أكثر قراراته خصوصية تتكون داخل شبكة معقدة من التأثيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ولذلك فإن الفردانية المطلقة قد تكون هي الأخرى تصورًا مثاليًا، يشبه الافتراض الذي كانت الفيزياء الكلاسيكية تفترضه عن المكان والزمان المطلقين قبل أينشتاين.
وهكذا يصبح الخلاف بين الفلسفات والأيديولوجيات أقل ارتباطًا بالصواب والخطأ، وأكثر ارتباطًا بالمستوى الذي تنظر منه إلى الواقع. فالاقتصادي يرى الإنسان من زاوية، وعالم الاجتماع من زاوية أخرى، والفيلسوف من زاوية ثالثة، وعالم النفس من زاوية رابعة. وكل منهم قد يكون محقًا داخل مجاله، لكنه يخطئ عندما يحول زاويته الخاصة إلى تفسير نهائي للوجود الإنساني.
إن معظم الأيديولوجيات تبدأ بحقيقة جزئية، لكنها تقع في الخطأ عندما تدعي امتلاك الحقيقة الكلية. فالليبرالية، والماركسية، والقومية، وحتى كثير من المدارس العلمية والفلسفية، لا تكمن مشكلتها في أنها كاذبة، بل في أنها تتجاوز حدود المستوى الذي تنجح في تفسيره.
لعل المهمة الحقيقية للفلسفة ليست البحث عن حقيقة واحدة تقضي على جميع الحقائق الأخرى، وإنما رسم خريطة لمستويات الحقيقة نفسها؛ أي معرفة أين تبدأ صلاحية كل مفهوم، وأين تنتهي. فالحقيقة ليست دائمًا نقيض الوهم، بل قد تكون بناءً هرميًا تتكامل طبقاته. وما نعده حقيقة في مستوى ما قد يصبح مجرد حالة خاصة داخل حقيقة أوسع، تمامًا كما أصبحت ميكانيكا نيوتن جزءًا من عالم أينشتاين، لا نقيضًا له.
ولذلك فإن السؤال الفلسفي الأهم ليس: من على حق؟ بل: في أي مستوى من الواقع يكون هذا الحق صحيحًا؟ فإذا تعلم الإنسان أن يميز بين مستويات الحقيقة، فلن يقع في وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، ولن يضطر كذلك إلى إنكار الحقائق التي تختلف عنه، بل سيدرك أن الواقع أغنى من أن يُختزل في مفهوم واحد أو نظرية واحدة أو أيديولوجيا واحدة.



#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)       Altaib_Abdsalam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياق التاريخي لفلسفة ميشيل فوكو
- المِرآة وإيقاظ الكينونة
- بين إبن خلدون وكوبرنيكس
- الأبعاد الانطولوجية في القرآن الكريم
- هذه لغتي ومعجزتي
- أزمة الشعر العربي المعاصر
- الإصلاح الديني بين المسيحية و الإسلام
- العقل و الوجود بين هايدغر و اركون
- الأفق الشعري
- نحو إصلاح الحركة الليبرالية السودانية
- تجدد المعني القرآني
- النبؤة
- ثورة الطبقة الوسطى و واقع ما بعد الثورة
- جامعة الخرطوم..المركز الثقافي الفرنسي و بالعكس.. كلام في الز ...
- من الاسلام الإستشراقي إلى الاسلام التاريخي
- اركون قارئا و مقرؤاً
- إستعراب السودان / حوار مع البروفيسير عبد الله علي إبراهيم
- المهدي السوداني
- تدوين تاريخ السودان المفقود
- السودان من حكم الفونج الأفارقة إلى حكم الجلابه العرب..قرأة ف ...


المزيد.....




- وعود ترامب بأن يكون -صانع السلام- تصطدم بالواقع.. كيف سيخرج ...
- قبة حرارية قياسية تضرب غرب الولايات المتحدة وتهدد بأيام شديد ...
- نتنياهو يلتزم الصمت عقب إعلان ترامب اتفاق نزع سلاح حماس
- سوريا.. اختطاف طفل أمام عيني والدته في ريف حلب تحت تهديد الس ...
- مكتب نتنياهو يحدد شرط انسحاب إسرائيل من الخط الأصفر في قطاع ...
- -حزب الله-: كان الأجدر بالسعودية اللجوء للحوار مع العراق بدل ...
- الجزائر تعلن الحداد 3 أيام على ضحايا حادث حافلة بومرداس
- ماكرون يعرض على إسبانيا مساعدتها في مواجهة أزمة سبتة
- قاذفات -سو-34- روسية تدمّر 4 مواقع عسكرية هامة شرق وجنوب أوك ...
- عارضو الأزياء التنكرية يقدمون عروضا ويلتقطون صورا في مهرجان ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - من نيوتن إلى أينشتاين: فلسفة مستويات الحقيقة