أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب عبد السلام - بين إبن خلدون وكوبرنيكس














المزيد.....

بين إبن خلدون وكوبرنيكس


الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي

(Altaib Abdsalam)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 10:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    




يمثل كل من ابن خلدون (1332–1406) ونيكولاس كوبرنيكس (1473–1543) منعطفات حاسمة في الفكر البشري، على الرغم من اختلاف مجالاتهما وتخصصاتهما. فقد أسس ابن خلدون علم الاجتماع والتاريخ في الفكر الإسلامي، بينما أحدث كوبرنيكس ثورة في فهم الكون في أوروبا الغربية. غير أن الرابط بينهما أعمق من الاختلاف الظاهر، إذ يكمن في محاولتهما تحرير المفاهيم الكبرى من مركزية التعالي واللاهوت إلى الواقع المادي والتاريخي، وكشفهما عن المصدر الذي تنتج منه هذه المفاهيم وتُعاد تدويرها ضمن السلطة نفسها.

في التراث المشرقي، كان مفهوم الجماعة أو الأمة يحمل قدسية استثنائية. لم تكن الجماعة مجرد مجتمع، بل كانت مصدر السلطة والقيم والتاريخ، وأي نقد لها كان غالبًا يُعتبر تجاوزًا للقداسة. كانت الأمة مرتبطة بالغيب، بالقدر الإلهي، وبفضائل الأسلاف، مما جعل فهمها بعيدًا عن التحليل الواقعي. جاء ابن خلدون في المقدمة ليحول هذا التصور الجوهري. فقد قدم الجماعة والدولة كظواهر تاريخية وحضارية قابلة للتحليل، مؤكداً أن الدولة والجماعة ليستا من قدر غيبي أو إرادة إلهية فقط، بل نتاج ظروف اجتماعية ومادية محددة تتغير وفق قوة العصبية، والاقتصاد، والتجارة، والثقافة، والتنظيم السياسي. كما كتب ابن خلدون: "وليس في العمران من شيء باق إلا أثر العمل والاجتماع… وكل دولة تولد وتضمحل بحسب قوة العصبية وظروف الزمان والمكان." بهذه الرؤية، أخرج الجماعة من مركزية التعالي الغيبي وأعاد إنتاجها في إطار الواقع التاريخي والاجتماعي، واضعاً يده على مصدر السلطة الحقيقية التي تنتج المفاهيم الكبرى وتعيد تدويرها لتبرير نفسها.

وفي أوروبا الغربية، كان مفهوم مركزية الأرض في الكون يحتل مكانة مماثلة، لكن في بعده الكوني واللاهوتي. كانت الأرض ليست مجرد كوكب، بل مرجعًا ومركزًا للوجود الإنساني والسلطة الدينية. كل تفسير للنجوم والكواكب كان يرتبط باللاهوت، والأرض مركزية لتثبيت مكانة الإنسان في الكون. جاء كوبرنيكس ليعيد تشكيل هذا التصور جذريًا، فاقترح في كتابه De revolutionibus orbium coelestium أن "الأرض ليست مركز الكون، بل كوكب يسير وفق نظام سماوي ثابت." بهذا التغيير، لم يحرر كوبرنيكس العقل الأوروبي من أسطورة مركزية الأرض فحسب، بل كشف أيضًا المصدر الذي تنتج منه هذه المفاهيم الكبرى، مبيّنًا أن مركزية الأرض ليست حقيقة مطلقة، بل إنتاج فكري ضمن السلطة الدينية والعلمية نفسها، يمكن تحليله وفهمه وفق قوانين المادة والحركة.
ما يجمع بين ابن خلدون وكوبرنيكس ليس فقط تحول المفاهيم الكبرى نفسها – الجماعة في الشرق والأرض في الغرب – بل كشفهما النقطة التي تنتج منها هذه المفاهيم داخل السلطة نفسها. فقد أظهر ابن خلدون أن الدولة والجماعة ليستا مجرد إرادة غيبية، بل نتاج ديناميات اجتماعية قابلة للتحليل، وأن السلطة تعيد إنتاج هذه المفاهيم لدعم نفسها، بينما أظهر كوبرنيكس أن مركزية الأرض كانت وسيلة لإنتاج فهم الكون وربط الإنسان باللاهوت، وأنها قابلة لإعادة التفكير وفق الواقع المادي. في كلا المثالين، نرى انتقالًا جوهريًا من مركزية التعالي إلى مركزية الواقع، سواء في التاريخ أو في الطبيعة، ومن الغيب والأسطورة إلى الشرط الواقعي المادي.
وقد أشار العديد من الباحثين إلى هذا البعد الثوري. فذكر سعيد هلال أن ابن خلدون "حول التاريخ من سرد أسطوري إلى دراسة علمية اجتماعية قائمة على الملاحظة والتحليل" (الهلال، 2005)، فيما يرى أوتو سبيتزر أن كوبرنيكس "لم يغير مكان الأرض في الكون فحسب، بل حرر الإنسان من الوهم اللاهوتي لمركزية الوجود" (Spitzer, 1983). وفي هذا، يكمن التأثير المستمر لكل منهما: لم يعد فهم الجماعة أو الكون مقيدًا بالقدسية أو الأسطورة، بل أصبح قابلاً للتحليل، والفهم، والتفسير وفق قوانين موضوعية.
يمكن القول إذن إن مساهمة ابن خلدون في الفكر الاجتماعي والتاريخي توازي مساهمة كوبرنيكس في الفكر الطبيعي والكوني، ليس فقط في تغيير المفاهيم الكبرى، بل في كشف مصدر إنتاج هذه المفاهيم داخل السلطة نفسها وإعادة إنتاجها وفق الواقع الموضوعي. في الحالتين، تتحرر المفاهيم الكبرى من الأسطورة والتقديس لتصبح خاضعة للتحليل العلمي والتاريخي، وتفتح المجال أمام التفكير النقدي والملاحظة الدقيقة للظواهر، سواء كانت اجتماعية أم طبيعية. وهكذا، يظهر ابن خلدون وكوبرنيكس كنموذجين متوازيين في تحرير العقل البشري من التعالي والأسطورة إلى مركزية الواقع التاريخي والمادي، مسلطين الضوء على الطريق الذي يمكن من خلاله فهم المجتمع والكون على حد سواء بطريقة عقلانية ومنهجية.



#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)       Altaib_Abdsalam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأبعاد الانطولوجية في القرآن الكريم
- هذه لغتي ومعجزتي
- أزمة الشعر العربي المعاصر
- الإصلاح الديني بين المسيحية و الإسلام
- العقل و الوجود بين هايدغر و اركون
- الأفق الشعري
- نحو إصلاح الحركة الليبرالية السودانية
- تجدد المعني القرآني
- النبؤة
- ثورة الطبقة الوسطى و واقع ما بعد الثورة
- جامعة الخرطوم..المركز الثقافي الفرنسي و بالعكس.. كلام في الز ...
- من الاسلام الإستشراقي إلى الاسلام التاريخي
- اركون قارئا و مقرؤاً
- إستعراب السودان / حوار مع البروفيسير عبد الله علي إبراهيم
- المهدي السوداني
- تدوين تاريخ السودان المفقود
- السودان من حكم الفونج الأفارقة إلى حكم الجلابه العرب..قرأة ف ...
- القربان البشري بين الرؤية الإستشراقية و الرؤية النقدية
- ما هي الفلسفة؟ حوار جماعي مع خالد تورين
- محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان ال ...


المزيد.....




- كوبا: سندافع عن سيادتها بنفس الروح التي دافع بها الفلسطينيون ...
- الحكومة السورية تمدد وقف إطلاق النار مع -قسد- 15 يوماً دعماً ...
- -الهلال الأسود-.. كيف قاد المسلمون الأفارقة ملاحم الصمود وال ...
- السيسي: لم أستهدف دماء أحد.. و-الإخوان هم من بدأوا العنف- في ...
- ديوان السودان.. مكانة الخلاوي الدينية والاجتماعية في السودان ...
- القدس في الوعي العربي من الرمز الجامع إلى الاستهلاك الخطابي ...
- كيف سيتعامل لبنان مع إدراج الجماعة الإسلامية على لائحة الإره ...
- نقل عناصر تنظيم -الدولة الإسلامية- من سوريا إلى العراق: ما ا ...
- قرار فرنسا بشأن الإخوان يفتح النقاش بشأن -الكيانات الغامضة- ...
- استخبارات حرس الثورة الاسلامية في ايران: التعرف على 46 شخصاً ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب عبد السلام - بين إبن خلدون وكوبرنيكس