أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث - حوارية















المزيد.....


محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث - حوارية


الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي

(Altaib Abdsalam)


الحوار المتمدن-العدد: 6475 - 2020 / 1 / 28 - 10:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الإسلام السوداني و إمكان التحديث

نلتقي اليوم في حوار أراه من اهم القضايا المركزية التي تشغل تفكيري لإنه بقدر ما هو سؤال النحن، اي من نحن، هو سؤال الأنا اي من انا، قضية اعمل عليها عبر محورين، الاول هو تكثيف القراءة و الإضطلاع في تاريخ الإسلام في كل الرقعة التي شهدت الإندفاعة الإسلامية و هو إضطلاع ينقلك مباشرة من السيرة الإسلامية إلى السيرة الإجتماعيه لتلك الشعوب المسلمة، و هو مشروع ثر و كبير و دون شك الشعب السوداني، جزء من هذا العمل المسحي، المحور الثاني هو محور تأملي اي فهم الأنثربلوجيا السودانية في أفق الإندفاعة الإسلامية، اي تأمل الذات و فهمها في الأخر و تأريخه، إذا هو تأريخ للصيرورة و الحركة، تأمل يرى نفسه عبر المفكر التفكيكي محمد اركون معاشا بصورة أعمق في مشروع الشهيد محمود محمد طه،و مستعادا عبر هذا الحوار التأليفي.
ف إلى الحوار، الحوار مفتوح و على شكل اسئلة و ردود كما تعودنا في حواراتنا السابقة.

-القاسم المشترك ما بين الاستاذ واركون الدعوة الي أنسنة الدين كيف يتحقف ذلك في واقعنا السوداني

* اولا انا ارى ان محمود هو ذروة تطور الإسلام السوداني، لإن الإسلام السوداني هو إسلام طرائقي صوفي و ليس إسلاما وهابيا، عليه فلكي نفهم محمود "تماما" علينا ان نفهم شخصية الإمام المهدي ايضا، و شخصية رجل الطريقة و شخصية الكجور و من ثم شخصية المتعلم المتمدن، محمود هو لقاء بين هذين العالمين، لقاء أثمر "الرسالة الثانية من الإسلام" و "إنسانية القرن العشرين"، هذا التوفيق لم يخلو من المشاكل و التعارضات نراها بينة اليوم في حياة المحموديين، فالمحمودي يده في الحداثة المادية و الدين المحمودي المادي إلى حد ما، و قلبه معلق بالمقامات و البرزخ
و الرؤى و الأحلام.
و المحمودي يده في الفردانية بينما فؤاده في التقليد وتقبيل الأيادي إن لم يكن عيانا ف رمزا.
فيما يخص أركون ف أركون "لم يدخل المعمعة" ، أركون يديه نظيفة من اي إيمان اعمى، مشروع اركون تصدى لرؤيتين تتبادلان "شد حبل الإسلام"، الرؤية الاولى هي رؤية "العالم الاوروبي" للإسلام و هذه الرؤية يمكن شرحها عبر نقطتين هما :
1/نظرية الإستشراق التي تلغي كل العالم لصالح تصور اوروبي ينظر لنفسه بوصفه كعبة العقلانية و التقدم ضدا على مشرق غارق في الخرافة و السحر
2/مؤسسات تعليمية خلقت لترسخ هذا التصور و تؤكده
و تؤبده عبر درجاتها العلمية
و اكليروسها الإداري، لذلك لم يُرحب ب اراء أركون هناك
و لم يعباء لإمره.
الرؤية المضادة او الثانية هي رؤية المشرق المسلم المرتاب في أي "غربي" يتحدث معه عن أمور دينه، مجسدا إرتيابه هذا عبر مؤسسات التفسير الإسلامية من مجامع فقه
و فقهاء و آيات لله و شيوخ، كلهم يريدون للإسلام "ان يكون هكذا" و لا يسمحون لإي فكر تأملي نهضوي يحرر الدين من تفاسيرهم و صكوك غفرانهم.

-مارأيك في قول الاستاذ بانه رجل اتاه الفهم واذن له بالكلام

*هذا القول المنسوب لمحمود هو قلب المعضلة التي نوهت إليها، فالعالم المحمودي عالم عرفاني كشفي و ليس تجريبي أرسطي، محمود يعيش في عالم الغيب و يفكر به، حتى إذا ما جد جديد في عالم الشهادة أوله تأويلا غيبيا، لذلك تراه يشرعن لنظرية التطور عبر ارائه العرفانية و كذلك يُنظِر للإشتراكيه و الديموقراطية.
النص العرفاني هو مزيج فريد بين النص الإلهي الصريح
و التفسير البشري ممتزجا في معنى واحد فيكون التفسير معنى للنص و النص مشروعية ذلك التفسير.

-العرفان فيض رحماني وليس جهد بشري وهي مقولة خطيرة في فكر الاستاذ الذي يجمع بين الصوفية والتاريخية في قراة النصوص والخطاب الاسلامية

*اوليس الوحي المحمدي نفسه "فيض عرفاني" يا حامد؟

-محمود المرجعية الدينة له الارث الصوفي كيف إستطاع ان يدعو الي تطوير الشريعة في مجتمع محافظ علي التيقين الديني و اركون ينتمي لمدرسة المغرب العربي و هو متأثر بالثقافة الفرنسية و مدرسة العلوم الحديثة

*العقل هو منطق التفكير اي:
"mind software"
و لهذا "mind software" تصور معين للوجود "انطولوجيا"، فمثلا المؤمنون يؤمنون ان الله هو الخالق، رجال العلم يتحدثون عن الإنفجار العظيم بالتالي لدى الإثنين منهج معين و مغاير في "الوصول للمعرفه" اي الأبيستميلوجيا.
العقل البرهاني هو عقل علمي تجريبي، اما العرفاني فهو عقل مؤمن بالخلق الإلهي لكن بطريقة الفيض اي ان الله خلق الوجود مما تبقى من ذاته او ما زاد عنها، و بالتالي فإنهم قادرون على إستعادة ذلك التواصل الأزلي كما تقول الأية "كونوا ربانيين"، و هي دروب يقف عندها أهل السنة و لا يخوضون فيها و إن كانت وردت الإشارة إليها في حادثة الإسراء و المعراج.
ايا يكن ف العقل العرفاني هو عقل ديني لا أدلة حسية فيه بعكس العقل العلمي المتوفر على الأدلة التجريبية، و إن كانت "موثوقية التجربة" - راحت في حق الله-* مع فيزياء الكم.

-مقاربة بين مفهوم الانسنة الكونية الاطروحة الأبرز في قراءة محمد اركون والانسنة دعني اسميها الضمنية في مشروع الأستاذ محمود

*أنسنة أركون ليست مضمنة لدى محمود، محمود وقف على حدودها، كاد ان يلغي الإسلام لصالح أنسنة كونية، لكنه وقف هناك، محمود لديه تصريح مهم يقول فيه :
"إن ما أتيت به من الجدة بمكان بحيث تنتهي مرحلة الأديان و تدخل البشرية لإول مرة في تأريخها الطويل مرحلة العلم".
محمود اراد الوصول إلى هناك لكنه لم يستطع لإنه يتحرك بسلطات هي من صميم الإسلام،و أجتذب إليه الأتباع المسلمين بهذه السلطات، محمود تقيد بما حرر به غيره، بعكس أركون" ذو الايدي النظيفة" منذ البداية. لذا العكس هو الأصح أن إنسانية محمود مضمنة في إنسانية أركون.

-استفسر عن العنوان، ما المقصود ب محمود بعيون أركون؟ هل هي قراءة ل أثر محمود بادوات اركون، أم هي شحذ لمحمود نفسه و تمليكه الادوات الاركونية؟

*من هو محمود و من هو أركون؟
قطرة الماء هي الغيم، الذرات هي طاقة مكثفة.
بذات المعنى فمحمود ليس معنيا بحد ذاته بقدر ما هو إستدلال و تكثيف للإسلام السوداني كله لتعمقي في الرجل و أنهمامي بدراسة الإسلام السوداني.
لكنه الإسلام السوداني الذي تطلع إلى الكونية و الإنفتاح، تماما كما كان الإسلام الاول عملا حركيا فتحيا متجها نحو الأخر، الإسلام دين بدوي بالمعنى الدولوزي، لذلك فكل من تبنوه و أنشأوا به مدنا كانو من ابناء السهول: المغول و الأتراك و قبائل الفلاته في غرب أفريقيا و صنهاجة في المغرب الذين أسسوا دولة المرابطين.
هذه الإندفاعات و الزحزحات التاريخية الكبرى كامنة في طبيعة الإسلام الذي برغم كونه عربي، إلا أنه عربي بدوي مرتحل و منفتح، بل و القرأن نفسه يقول "و ما أرسلناك إلا هدى و رحمة للعالمين"، و هذا عينه ما حققه محمود في تطلعه لتلك الكونية عبر ربطه الإسلام الطقوسي التعبدي بالمعنى السلوكي الإنساني، لإنه يرى في تلك الطقوس عملا تربويا لا عملا أخرويا.
أركون قادم من الطريق المعاكس، الرجل يفكر في أناه العربية الجزائرية المضاعة في خضم إنسانوية فرنسية نرجسية و مغلقة، نرجسية تصدعت بعد ثورة الطلاب سنة ١٩٦٨ التي رفعت شعار سقوط البنيوية، ما البنيوية؟
البنيوية هي التحقق الأنثربولوجي لمشروع التنوير الأوروبي التي تحقق التأريخ تحقيقيا بوليسا و لا تقتنع إلا بالتاريخ المادي المحسوس. تكاد البنيوية لا تعترف بالمسيح و لا بصلبه و لا بالكهف و لا ب أصحاب الكهف بل ترى فيها "خرافات"، البنيوية منهج دوغمائي في فهم المادة و لا تعير للإنسان و حيوية حياته و أرتباطها بالماضي و إرتباط ذلك الماضي بماضويات أخرى لشعوب أخرى ربطته بها ربما الحروب و التجارة، بل و حضور ذلك التأريخ و الماضي في صميم الحاضر بوصف "الزمن الإنساني" ما يسميه الجابري ب" الزمن الثقافي" بوصفه حالة من التنافذ و الإنفلات و التشظي، البنيوية تصم أذنيها عن كل ذلك و تكتفي بتدوين الماضي و الحاضر كوقائع ميته و منعزلة كما يفعل محققوا الشرطة او القانونيون او الإداريون.
اركون واجه كامل ذلك العالم و سلطاته و ألهته لينتصر للإنسان و خصوبة تجدده و دينمية حدوثه.

- هنالك سؤال مشروع وهو ان فكر اركون كبير وعظيم ومعقد كما قال مترجمه هاشم صالح في مقدمة احد الكتب ، اهمها على الإطلاق هي اعادة قراءت سور القرآن الكريم بعيدا عن الشحن الايدلوجي الذي تقوم به الحركات الإسلامية الايدلوجية واكتشاف المعاني الخلابة في هذه النصوص ونزع الشحنات التجيشيية ، ولكن هناك كثر تخلوا عن حماستهم في تتبع مساهمات الرجل الانثرولوجية وتركوها بحثا عن اجابات لسرديات اكثر الحاحا من السرديات التي يعالجها لماذا ؟
اترك لك الاجابة ونحن ربما نشهد ايضا حيوية لفكر الاستاذ محمود لاتنتهي ولاتتقادم ، على عكس مساهمات اركون ؟؟

*محبتي اولا دعني انبه إلى التشويش الكثيف الذي احدثته اراء هاشم صالح و حواشيه على ترجماته لإركون، الرجل قراء اركون و حاواره و أصر ان يظل احمد الحاج او ياسر عرمان
او خالد سراج،و غيرهم من قشريوا العلمانية.
ثانيا أركون إشتكى من التناسي و التجاهل في حياته شكوى جعلته يُشبِه حاله ب "مظلوم" أخر في القرن الرابع الميلادي هو ابوحيان التوحيدي، و هذا مفهوم لإن "المؤسسة" الدينية المشرقية و الجامعية الغربية تعملان ضد الحركة و تعملان على "ترسيخ المفاهيم"، بهذا الترسيخ تحافظ على سلطتها و بابويتها و "وصايتها" على الحقيقة، أركون مرعب لإنه قال لهم أخرجوا من مكاتبكم المكيفة و مؤتمراتكم الشبيهة بعروض الأزياء و سافروا مع الطوارق في صحراء غرب أفريقيا، او إصعدوا جبال أيران و افغانستان، أبحروا صوب جزيرة المندناو في الفلبين، هنالك ستجدون "الحقيقة الأنثربلوجية الحية"، لا هذه "القباب العلمية" التي تطوفون حولها.
كما أنه أرعب المشارقة الذين يرون في "الشهادتين" صك غفران للجنة بعد الموت، أرادهم ان يفكروا في دنيوية النص القرأني، دنيوية المعنى هذه مخيفة و مرعبة لمن يتسامون بالدين إلى الما فوبشري.
لهذا لم يرحب به أحد، لإن تجارتهم ستبور، و كهنتهم سيصبحون عطالة بلا عمل.
و دعني أنتهز هذه الفرصة لدعوتك لمراجعة سلسلة مقالاتي التي تأثرت فيها ب أركون :
١/تأملات في سورة الكهف
٢/تأملات في سورة يوسف
٣/تأملات في ليلة القدر
٤/ الوحي
٥/الروح
كلها منشورة في سلسلة مقالاتي في موقع الحوار المتمدن على الإنترنت.
فيما يخص تجدد مشروع محمود، ف محمود من الناحية العملية البسيطة هو الخطوة السابقة للعلمنة، أغلب الأجيال الجديدة من ابناء المحموديين تستشعر أنهم "متجاوزين"
و "علمانيين للحد الكبير"، لعل "الأصالة" تحققت فيهم هم لا في أبائهم، تجدد الشجرة يكون في ثمارها.

-أتسأل عن المفارقة في المنهجين التأويلي والتاريخاني عند الرجلين، اي التأويلي لدى محمود و التاريخاني لدى أركون.

*سؤال كبير،من المفارقة بمكان أن أركون تأويلي ب منهج بحثي أنثربلوجي، بينما محمود تأويلي بمنهج عرفاني كشفي، دون شك فالنتائج ليست واحدة، و خريجوا المدرستين لا يتشابهون إلا في نتيجة النتيجه و هو تشابه فيه أختلاف جم، المحمودي أقرب للملاماتي ربما و الأركوني أقرب للباحث الأنثربولوجي.
فيما يخص التأريخانية فالتأويل هو اساسا الإجتهاد العقلي تجاه "لحظة النص"، و كما ذكرت انفا، فشتان بين المنهجين التأويليين.

-هل كان محمود في تجلياته الصوفية يحاكي تأملات الحلاج، فنراه يقول إن العبودية وحدها هي الملاذ، وهو يقصد هنا العبودية بمعناها العرفاني الذي يعنى إتحاداً كاملاً مع الله(وحدة الوجود) وبالتالي الخروج من الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة، هنا تتحقق الحرية بتمثلاتها المطلقة، فهي "كالربوبية لا تتناهى"... ولم يحققها إلا الأنبياء؟

*لم أتعمق في الحلاج، بقدر ما تعمقت في الأتموسفير الحلاجي و دون شك فالطية او التجلي الحلاجي متفرد عن أتموسفيره او سديمه.
لكن حديث وحدة الوجود عموما يعيدنا إلى "تصور الله" لدى المتصوفه.
الجابري يرجعها لمسألة "الفيض" المستقاه اساسا من الزرداشتيه، والتي يرجعها بدوره لنص "هرمس" المتحدث عن مبداء، فيضي في الخلق و هو من أقدم النصوص.
لكنني لا اوافق على هذه الروح البحثية لإن الجابري "كديس إستشراق".* عموما تصور الله في ذهن محمود و المتصوفه بل و الإسلام نفسه لحظة إيحائه بإعتباره إتصال بين النبي و الله، أقول انه تصور قائم على تدخل الله في كل شئ و حلوله في كل شئ، الأشاعرة تحديدا هم خير من يتحدث عن هذا الأمر.
هذا الكلام كله هو "أبيستميلوجيا" اي منهج معرفي ل "أنطلوجيا" اي نظرية وجود قائمة على أن الوجود هو الله الذي فاض عن نفسه

-كيف يمكن الإستلهام من التصوف الفلسفي( اليوجا و الفيدانتا او ما يسمى ب السبيرشوالتي) القادم من شرق آسيا؟ بعتبار انتشارها في البلدان العربية كبديل روحي للاسلام.

* طبعا بديل هذه كلمة خاطئة جدا، لكن من الممكن القول إن محمود حول الصلاة إلى عمل تأملي شبيه ب اليوغا.

-السؤال كيف توصلت إلى مفهوم الإسلام السوداني ؟ وهل هناك مثل هذه التسميات ، وهل له خصوصية من اسلام مكة؟

* الإسلام السوداني هو التأريخ السوداني، هو تاريخ مملكة الكنوز في الشمال و سلطنة الفونج في سنار و سلطنة دارفور الإسلامية، هو "تاريخ القرون الوسطى السودانية ب مجمله".
يمكن أن نصفه أنه إسلام طرائقي صوفي شبيه ب نمط الأعتقاد السائد قبله من إعتقاد في الكجور او الرجل القدير الأتي بالمعجزات.
الإسلام السوداني هو "كيف فهم السودانيون الإسلام"،
و بالتالي نحن مدعوون لفهم أنفسنا إبتداء من المنطقة الجغرافية نزولا إلى القبيلة و صولا إلى العائلة الصغيرة، اي الأب و الأم. السودان هو "بلد مهاجرين" ممر صار دولة
نحن مدعوون لتتبع كامل هذه الرحلة
و المسيرة.

-هذه المقابلة بين اركون ومحمود مقابلة ذكية ، وهو حوار جبابرة وعمالقة فكر ، بما ان كليهما كان لب مشروعهما اصلاح واقع الحال ، سؤال النضهة والانطلاق ، فكل منهما جعل الذات الحضارية "العريبة الاسلامية " في الماضي وفي زمن مثالي مرآة لكشف عورة وإشكاليات الواقع ، مثلا محمود رجع الي التصوف وخاصة بن عربي ، واركون كان يتغزل في التوحيدي ومسكوية ، ثم ان كليهما كان ناقدا للغرب و ايضا وجها النقد للثقافة العريبة ، الغرب اصبح مرآة لنا والذات الحضارية في لحظتها المثالية ايضا مرآة لنقد الغرب سؤالي هو ، كيف فعل اركون ومحمود كليهما النقد المزدوج ، نقد الذات والاخر الغرب ؟ رغم أن انهما ينطلقان من موقعين مختلفين ، الاول صوفي متأثر بالحداثة والثاني ، باحث متأثر بمابعد الحداثة .

سؤال كهذا "يثير فضول الروائي" على قول درويش.
لكنني ارى ان كليهما استندا إلى الثيمة الروحية و لكن "بمعنى مختلف" معنى مختلف هذه هي كامل الرواية، مسألة محمود شديدة التعقيد لإن مشروع محمود نهايته الحيرة
لا اليقين لإنه حاول مقاربة قارتين من طرق التفكير، نعم كليهما مارسا النقد المزدوج لكن هل هو النقد المزدوج "نفسه"، أركون قدم خارطة طريق "للجميع" منطلقا من الروح الاوروبية التي تجاوزت مركزيتها في مرحلتها التفكيكية، لذا أنطلق كالغزال غير "المهموم" ب إرضاء مرجعية معينة، بعكس محمود "الذي اراد و لم يستطع" لإن "صلاحياته المعرفية" تقف على تلك التخوم التي إرتادها و بكل خفة أركون.
إن قارة "العرفان" شديدة التأثير و الحضور و عصية على التجاوز و اقول لك هذا من باب تجربتي الشخصية فقد أخذت وقتا طويلا جدا للإنفلات من جاذبية أرضها، الكلام سهل، لكن الواقع ينادينا للمزيد من التأمل و التدقيق.

-الجمهوريون اتباع محمود احتفظو ببعض افكار محمود لم يتم نشرها للعامة و بعض الافكار تحتاج إلى اسانيد علمية ليتم قبولها
مثال لذلك الرسالة الثانية و صلاة الاصالة
نتمتي شرحها لتعم الفائدة و للمزيد من النقاش

*للأصالة جذور صوفية أشبه بحال الملاماتي الذي يتحلل من الفروض بل و يبادر إلى المعاصي، هذا أثر إستدلالي مهم، و هو في التصوف يعد مقربا لا مبعدا، و الفكرة فيه أن العبد قد يصلي و يتقرب إلى الله فيفتتن الناس به و يفتتن هو بالناس و يشركهم في أمره لله، لذا فهو يبعدهم عنه كنوع من تأديب نفسه و تنقيتها و تهيئتها لله، إذا فالموضوع موضوع "فردانية و مشاهدة" و لن تكون الفردانية إلا بالتلقي الفردي.
من الناحية العملية فالموضوع المحمودي شديد الإرباك، فهو من جهة يشجع المحموديين على نول اصالتهم و من جهة يتحدث محمود بمنتهى الوضوح و الغرق الصوفي عن "أصيل واحد".

-الجمهوريين نخبويون و متعالين علي المجتمع و الفكرة الجمهورية قديمة لماذا لم ينشرها اتباع محمود في المجتمع بدلا من ان تحتكرها اسر و بيوت معينة تتوارث الفكرة؟

*نعم، هذه معضلة كبيرة، لكن لو فهمنا طبيعة المشروع المحمودي، بإنه تحول إلى مشروع الفرد اي محمود و ليس الجماعة لفهمنا سبب إنحسار المشروع، الكثير جدا من الجمهوريين "إرتدوا" عن محموديتهم بعد مقتل محمود، لم يعطي محمود اي واحد من أتباعه "فيضا من نبؤته" ليواصل رسالته و يدفع بها، أضف إلى ذلك ان محمود كان مهملا جدا للجانب الدنيوي السياسي الذي سيؤمن إستمرارية مشروعه من بعده، فأنحسر المشروع المحمودي و تحول إلى "ذكرى ايام الشباب" للمحموديين، شأنها شأن اي دعوة بشرية دينية لا "نبع يجددها" فينحسر مدها و يتحول اتباعها إلى طائفة.
أضف إلى ذلك إدعاءت محمود الثقيلة على الضمير المسلم في موضوع "تجاوزه لصلاة الحركات"، و هو أمر يدعو للإرتياب و التنفير عن مشروعه، هذه مجرد عوامل من" فيض" من العوامل التي نحن مدعوون للتنقيب عنها في سجلات السيسيلوجيا" العلاقات الإجتماعيه" اي كيف تتلاشى مجتمعات كبرى،و اللغويات اي كيف تنمحق لغات كانت ذات يوم حية و معاشة، هو تأمل طويل إذا، يسمو فوق المسببات المباشرة.

- اذا اتفقت معي بأن الأستاذ محمود مزج
ما بين العقل العرفاني الغنوصي وبين العقل البرهاني التجريبي(مع العلم بأن الفصل مابينهم هو فرق المكنزمات وأدوات العمل وحسب) وعبر عن ذلك بلغة الشارع السوداني البسيط في الغالب فإن جُل محاولات فهم فكر محمود محمد طه تقع في ثلاث اشكالات رئيسية اولاً فخ اللغة هو سبب في عدم فهم دلالات ومرامي الأستاذ محمود وأظن أن هذا ينحصر فية أغلب رجال الفقة وبعض العوام الموجهين ايدلوجباً.
ثانياً هو حصر وضبط والنظر لفكر الأستاذ بعين الثنائية الحاد هذا ومن ثم التعامل معه علي أساس أن يكون منتوج عرفان أو برهان
ثالثاً إذا إستطاع الإنسان تجاوز الإشكاليات السابقة واستطاع التمييز ما بين الشق العرفاني والبرهاني داخل الفكرة فإنه يكون ضحية خطأ اخر هو محاكمة ماهو عرفاني مثلاً بالمنطق وأدوات ماهو برهاني والعكس كذلك . أم أن هنالك إشكالات اخري تحيل دون فهم الأستاذ محمود؟

*محبتي، هذا الحوار ليس موجه لا للفقهاء و لا لرجل الشارع العادي و لذلك لم يتحدث بلغة غامضة بل أنه إستعار اللغة الصوفية ليتحدث عما هو معتاد و معروف، هذه اللغة هي بمثابة إستجداء و ممارسة للسلطة العرفانية على المتلقي
و دونك راتب المهدي او أذكار المتصوفه.
ثانيا هذه الورطة اي الثنائية قيدت محمود و حيرته و قيدت المحموديين و حيرتهم، اعرف محموديين اصيبوا ب أمراض نفسية نتيجة الصراع الحاد بين عقيدتهم الصوفية
و تصوراتهم العقلية، بين الديني و الدنيوي، بين محمود الشيخ و محمود الأستاذ، بين العلمانية و الرسالة الثانية التي ليست هي العلمانية ب أي حال.
ثالثا: تجاوز محمود لن يحدث بالبقاء معه، تجاوز محمود يكون بالقراءة و التوسع، انا مثلا لم اتجاوز محمود كلية الا حينما قرأت الجابري، حينها تستطيع تأمل "ذاتك القديمة"
و الحكم عليها.
انت محق في اننا لا يجب ان نحاكم العرفاني برهانيا بالمنطق البرهاني الثابت و هذا ما عبته على الجابري بل بوضع البرهاني في حالة "سيولة نقدية" تجاه عرفاني هو الأخر في "سيولة نقدية"، فيكون تفكيكا إزاء مخيال و شعور جمعي في حالة تفاعل مع شعور و مخيال شخصي"

هوامش :
راحت في حق الله : تعبير سوداني يعني ذهب مع الريح.
كديس إستشراق : اي انه الة او عقل يفكر بطريقة إستشراقية" تابع مستشرقين"


شارك في الحوار :
عطا برشم
خالد تورين
حامد الصديق
عمر تبياق
محمد الطيب
متوكل شيخ
مدثر حسن
عثمان حسن نور



#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)       Altaib_Abdsalam#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من شاعرية اللفظ إلى شاعرية المعنى.. نحو رؤية جمالية جديدة.
- تأملات في رحلة المعراج.. في تحيين المتخيل العربي
- من تاريخ التفكيك إلى تاريخ الصيرورة... نحو نظرية جديدة في ال ...
- بين العرب و المغول - تأملات جديدة في حاضر التاريخ
- فوكو نيتشويا
- من حداثة التقليد إلى حداثة التأويل
- تأملات في مشروع محمد أركون
- الاحتفاظ و الإنتشار.. تصور جديد للمرأة و الرجل
- تأملات في سورة القدر
- الحزب الشيوعي السوداني من المؤسسة إلى الرمز
- الوحي
- الوجه الباطني للإسلام
- سلطة الجسد الأنثوي.. بين ميشيل فوكو و عابد الجابري
- تأويل الجنس
- قراءة ما بعد بنيوية للقران....هكذا فهمت محمد اركون
- سورة الكهف..قرأة ما بعد بنيوية
- ما بعد الليبرالية...ما بعد الحداثة
- وهم العصيانات المدنية
- قداسة التدوين القرآني و ارادة السلطة
- نقل اللفظ القرأني الى المعنى العلماني


المزيد.....




- هل تقل ساعات النوم التي نحتاج إليها مع تقدمنا بالعمر؟
- في الصين.. اندلاع احتجاجات في تحدٍ غير مسبوق لسياسة -صفر كوف ...
- فيديو طريف يوثق ما فعلته طيور نعام هاربة في شوارع كندا
- الجيش المصري يعلن سقوط إحدى مقاتلاته
- إصابة دبلوماسي إيراني بجروح خطيرة بمركز ترفيه في باكو
- قرارات شولتس تغضب الألمان ويصفونه بـ -الدمية الأمريكية-
- البرلمان الإيراني يصدق علي انضمام البلاد لمنظمة شنغهاي للتعا ...
- اكتشاف فيروس جديد كامن في الخفافيش!
- رئيسة تايوان تستقيل من رئاسة حزبها بعد الانتخابات المحلية
- الزعيم الكوري الشمالي يكشف عن سعيه إلى أن يكون الأقوى نوويا ...


المزيد.....

- وجهات نظر في نظريات علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية - نق ... / حسام الدين فياض
- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - محمود محمد طه بعيون محمد اركون / الإسلام السوداني و إمكان التحديث - حوارية