أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - المِرآة وإيقاظ الكينونة














المزيد.....

المِرآة وإيقاظ الكينونة


الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي

(Altaib Abdsalam)


الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 22:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين يقف الإنسان أمام المرآة، لا يقف أمام سطحٍ يعكس ملامحه فحسب، بل يدخل في تجربة كشفٍ تمسّ جوهر كينونته. فالمرآة ليست أداة رؤية، بل لحظة انكشاف؛ ليست زجاجًا صامتًا، بل موقفًا وجوديًا يُستدعى فيه الإنسان إلى ذاته استدعاءً لا يمكن تأجيله ولا إنابته. في تلك اللحظة، ينقطع ضجيج العالم خطوة إلى الخلف، ويبقى الكائن وحده مع حضوره العاري.

لكن ما الكينونة التي تنكشف هنا؟

الكينونة ليست شيئًا نملكه كما نملك اسمًا أو مهنة، وليست صفةً تضاف إلى ذواتنا. إنها طريقة وجودنا في العالم؛ ليست “أن نكون” فحسب، بل “كيف نكون”. الكائن هو ما يظهر: الجسد، الملامح، الدور الاجتماعي. أما الكينونة فهي البعد العميق الذي يجعل من هذا الكائن ذاتًا واعية، تشعر، وتفكر، وتختار، وتقلق، وتسأل عن معنى حضورها. إنها الحضور الحيّ الذي يسبق كل تعريف، والذي لا يُختزل في صورة.
يمكن القول إن الكينونة تتحرك في ثلاث طبقات متداخلة: ما نحن عليه فعلًا في لحظة معينة، ووعينا بهذا الذي نحن عليه، ثم سؤالنا عمّا ينبغي أن نصير إليه. إنها ليست حالة ثابتة، بل توتر دائم بين الواقع والإمكان، بين المعطى والمشروع. لهذا فهي ليست مكتملة أبدًا؛ إنها صيرورة.
في المرآة، تتقاطع هذه الطبقات دفعة واحدة. أرى وجهي كما هو، فأدرك أنني موجود حضورًا ملموسًا، ثم أعي أنني أنا من يرى، وأن هذا الوجه هو موضوع لنظري، ثم يتسلل السؤال القيمي: هل أعيش هذا الوجه كما ينبغي؟ هل يطابق هذا الحضور إمكاناتي العميقة أم يخونها؟
حين أحدّق في المرآة يحدث انشطار دقيق: ذات تنظر وذات تُنظَر. هذا الانقسام ليس مرضًا، بل شرطًا لفهم الكينونة؛ إذ لا تدرك الذات نفسها إلا حين تخرج من اندماجها الصامت بالعالم وتصبح موضوعًا لنفسها. في الحياة اليومية نذوب في “الناس”، في العادات، في اللغة المشتركة، فنعيش كما يعيش الجميع تقريبًا. لكن أمام المرآة يحدث توقف خفيف، انقطاع قصير، يكشف لي أنني لست مجرد نسخة في سلسلة، بل حضورًا لا يُستبدل.
هنا يمكن استحضار أفق التفكير الوجودي عند مارتن هايدغر، الذي رأى أن الإنسان لا ينكشف لنفسه حقًا إلا حين يواجه إمكانه الأقصى، أي موته. فالموت عنده ليس حدثًا بيولوجيًا فحسب، بل إمكانية تخصني أنا وحدي، لا يستطيع أحد أن يحملها عني. على نحوٍ موازٍ، تجربة المرآة تكشف لي أن حضوري هذا — هذا الوجه بعينه، وهذا الزمن الذي خطّ آثاره — لا يمكن أن يعيشه أحد مكاني. لا أحد يقف في موضعي أمام صورتي. إنها تجربة فردية لا تقبل النيابة.
الموت يقول: أنت إمكانية محدودة.
المرآة تقول: أنت حضور متعيّن الآن.
وكلاهما يعيدني إلى كينونتي بوصفها مسؤولية.
غير أن ما أراه في المرآة ليس ذاتًا خالصة من كل أثر. إنني أرى وجهًا تشكّل عبر تاريخ من اللغة السائدة، والمعايير السائدة، والصور الجمعية. كينونتي ليست معزولة عن الجماعة؛ إنها مشبعة بها. لذلك أعيش مفارقة دقيقة: أطمئن إلى انتمائي، وأفتش في الوقت ذاته عن فرادتي. أريد أن أكون مطابقًا بما يكفي لأُقبَل، ومختلفًا بما يكفي لأكون أنا.
تلحّ هنا صورة شعرية عند محمود درويش: “يرنو إلى مرآته فيرى غريبًا مثله يرنو إليه”. ذلك الغريب ليس إلا أناي حين أراها من الخارج. في هذه اللحظة تتقاطع في داخلي دوافع الغريزة، وتنظيمات الوعي، وأحكام القيم. المرآة تصبح ساحة صامتة تلتقي فيها الكينونة، ومعرفة الكينونة، وتقويم الكينونة.
ومن هنا يغدو التحديق فعلًا معرفياً تأملياً.
لأنه يوقظ السؤال: هل انا أعيش إمكاناتي أم أختبئ خلف صور جاهزة؟ هل أنا حاضر في ذاتي أم نسخة من المألوف؟ الكينونة مشروع، لا معطى مكتمل. إنها مسؤولية أن أختار كيف أكون، وأن أشعر بحقيقة وحضور هذا الاختيار.
غير أن المرآة قد تتحول إلى سجن إذا رأيت فيها عينًا لسلطة مفارقة تحاكم وجودي وفق مقاييس مفروضة عليّ. حينها أفقد استقلال كينونتي وأختزل نفسي في انعكاس خاضع. أما إذا رأيتها امتدادًا لذاتي، لحظة صدق لا وساطة فيها، فإنها تصبح تمرينًا على الحرية: أن أرى نفسي بلا أقنعة جاهزة، وأن أقبل هشاشتي دون أن أتنكر لإمكاناتي.
هكذا تكشف المرآة أن الكينونة ليست جوهرًا صلبًا، بل انفتاحًا دائمًا بين الانتماء والفرادة، بين الواقع والإمكان، بين ما أنا عليه وما يمكن أن أصير إليه. إنها تذكّرني بأنني لست مجرد عضو في قطيع المعنى، بل حضورًا فريدًا يتشكل في كل لحظة.
في نهاية المطاف، المرآة لا تمنحني تعريفًا، بل تعيدني إلى السؤال. تكشف أنني كينونة في صيرورة، وأن هذا الحضور الذي أراه ليس خاتمة، بل بداية متجددة لمشروع وجودي يتطلب مني وعيًا، وصدقًا، وشجاعة أن أكون.



#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)       Altaib_Abdsalam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين إبن خلدون وكوبرنيكس
- الأبعاد الانطولوجية في القرآن الكريم
- هذه لغتي ومعجزتي
- أزمة الشعر العربي المعاصر
- الإصلاح الديني بين المسيحية و الإسلام
- العقل و الوجود بين هايدغر و اركون
- الأفق الشعري
- نحو إصلاح الحركة الليبرالية السودانية
- تجدد المعني القرآني
- النبؤة
- ثورة الطبقة الوسطى و واقع ما بعد الثورة
- جامعة الخرطوم..المركز الثقافي الفرنسي و بالعكس.. كلام في الز ...
- من الاسلام الإستشراقي إلى الاسلام التاريخي
- اركون قارئا و مقرؤاً
- إستعراب السودان / حوار مع البروفيسير عبد الله علي إبراهيم
- المهدي السوداني
- تدوين تاريخ السودان المفقود
- السودان من حكم الفونج الأفارقة إلى حكم الجلابه العرب..قرأة ف ...
- القربان البشري بين الرؤية الإستشراقية و الرؤية النقدية
- ما هي الفلسفة؟ حوار جماعي مع خالد تورين


المزيد.....




- إيران تضع شرطًا لعبور السفن في مضيق هرمز بـ-حرية-
- بوتين يعرض إعادة تزويد أوروبا بالطاقة ويحذر من انهيار الإمدا ...
- عقب إعلان حزب الله استهدافها.. فيديو يوثق دمار محطة اتصالات ...
- هل يعلن ترمب نصرا مبكرا في الحرب على إيران؟
- خبير عسكري: أمريكا لم تحقق أهدافها من الحرب والمرشد الجديد س ...
- رغم تهديداته المتواصلة.. هذا ما تخشاه إسرائيل من ترمب
- قوات -دلتا- تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري الأمريكي ضد إ ...
- بن غفير يفتح الباب لتسليح 300 ألف إسرائيلي إضافي بالقدس وألم ...
- بعد قتلها آمال شمالي.. إسرائيل ترفع شهداء الصحافة في غزة إلى ...
- لهيب الأسعار وسلاح المقاطعة: صفاقس أعطت الإشارة


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الطيب عبد السلام - المِرآة وإيقاظ الكينونة