الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي
(Altaib Abdsalam)
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 20:44
المحور:
المجتمع المدني
لا يمكن فهم أفكار ميشيل فوكو حول السلطة بوصفها تنظيرات مجردة أو معزولة عن سياقها، بل هي إلى حد كبير نتاج مباشر لمرحلة تاريخية محددة، هي مرحلة الستينات والسبعينات من القرن العشرين. تلك الحقبة شهدت تحولات اجتماعية وثقافية عميقة في أوروبا وأمريكا، حيث بدأت الثقة في المؤسسات التقليدية—كالمدرسة، والسجن، والمستشفى، والدولة البيروقراطية—تتآكل بشكل ملحوظ، وظهرت بالمقابل حركات شبابية وثقافية تسعى إلى إعادة تعريف السلطة والمعرفة والحرية.
في هذا السياق، جاءت أفكار فوكو لتعبّر عن روح زمن مضطرب ومتمرّد. فقد عايش أحداثًا مفصلية مثل أحداث مايو 1968، التي مثّلت انفجارًا واسعًا للغضب الطلابي والعمالي ضد البنى السلطوية التقليدية. لم تكن هذه الاحتجاجات مجرد مطالب سياسية، بل كانت رفضًا شاملًا لأنماط السيطرة الكامنة في الحياة اليومية، من قاعات الدراسة إلى أماكن العمل. ومن هنا، يمكن قراءة اهتمام فوكو بما يسميه “الميكرو-سلطات” بوصفه استجابة مباشرة لهذا المناخ الذي بدأ يشكك في السلطة أينما وُجدت، لا فقط في قمة الهرم السياسي.
تزامن ذلك أيضًا مع صعود ثقافة الهيبيز والحركات الروحية البديلة، التي دعت إلى التحرر من القيود الاجتماعية والأخلاقية الصارمة، والبحث عن أنماط عيش جديدة خارج الإطار المؤسسي التقليدي. هذا المناخ الثقافي الذي احتفى بالذات والتجربة الفردية، ورفض القوالب الجاهزة، انعكس في تركيز فوكو على الجسد، والرغبة، والخطاب، باعتبارها مواقع تتقاطع فيها السلطة والمعرفة. فبدل أن يرى السلطة ككيان مركزي قمعي فقط، قدّمها كشبكة منتشرة في كل تفاصيل الحياة، تتغلغل في اللغة، والمعايير، والممارسات اليومية.
كما أن توسّع الدولة الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، وتضخم أجهزتها البيروقراطية، خلق نوعًا من القلق الجماعي من السيطرة الناعمة والمقنّعة. وهنا تأتي أعمال مثل المراقبة والمعاقبة لتفكك آليات الانضباط الحديثة، كاشفة كيف تتحول المؤسسات إلى أدوات لإنتاج “أجساد مطيعة”. هذه القراءة لا تنفصل عن نقد أوسع للحداثة، كان حاضرًا بقوة في الفكر الفرنسي آنذاك، حيث تزامن فوكو مع مفكرين آخرين سعوا إلى زعزعة المسلّمات الكبرى حول التقدم والعقلانية.
بالتالي، يمكن القول إن تنظيرات فوكو ليست فقط تحليلًا للسلطة، بل هي أيضًا بلورة فكرية لروح عصره—عصر التمرد، والشك، وإعادة التفكير في كل ما كان يُعتبر بديهيًا. لقد التقط فوكو التحولات العميقة التي كانت تجري تحت سطح المجتمع، وصاغها في إطار نظري كشف عن الأبعاد الخفية للسلطة، وربطها بالبنى المعرفية والثقافية.
إن وضع فوكو في سياقه التاريخي لا يقلل من قيمة أفكاره، بل يمنحها عمقًا إضافيًا، إذ يجعلها جزءًا من حوار حي بين الفكر والواقع. فهو لم يكن مفكرًا معزولًا في برج عاجي، بل كان شاهدًا ومشاركًا في لحظة تاريخية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، بين الحرية والانضباط، وبين الذات والمجتمع.
وإذا واصلنا قراءة مشروع ميشيل فوكو في ضوء هذا السياق، سنجد أن ما يبدو اليوم كتحليل نظري دقيق للسلطة والمعرفة، كان في حينه أقرب إلى تدخل فكري مباشر في معارك عصره. فوكو لم يكتفِ بوصف تحولات السلطة، بل سعى إلى تفكيك شرعيتها من الداخل، عبر كشف آلياتها الخفية، وهو ما يتناغم تمامًا مع المزاج العام لتلك الفترة التي اتسمت بالريبة تجاه كل ما هو “رسمي” أو “مؤسسي”.
لقد كان صعود ما يُعرف بـ ما بعد البنيوية جزءًا من هذا التحول، حيث جرى التشكيك في فكرة الحقيقة الواحدة، والذات المستقرة، والمعنى الثابت. في هذا الإطار، رفض فوكو أن تكون المعرفة بريئة أو محايدة، بل رآها دائمًا متورطة في شبكات السلطة. هذه الفكرة لم تكن فقط تأملًا فلسفيًا، بل صدى لتحولات ثقافية أوسع، حيث بدأ الشباب والمثقفون ينظرون إلى العلم، والطب، وعلم النفس، وحتى اللغة، بوصفها أدوات يمكن أن تُستخدم للضبط والسيطرة، وليس فقط للفهم والتحرير.
ومن اللافت أن فوكو لم يركّز على السلطة السياسية المباشرة بقدر ما ركّز على ما يمكن تسميته “السلطة اليومية” أو “السلطة الدقيقة”، وهي تلك التي تمارسها المؤسسات على الأفراد دون أن يشعروا بها دائمًا. هذا التحول في زاوية النظر يعكس انتقالًا تاريخيًا من مواجهة السلطة في شكلها الكلاسيكي (الدولة، الحاكم) إلى تفكيكها في أشكالها المنتشرة في تفاصيل الحياة. وهنا نجد صدى واضحًا لروح الحركات الطلابية والنسوية والحقوقية في تلك المرحلة، التي لم تعد تكتفي بالمطالب السياسية، بل بدأت تطرح أسئلة حول الجسد، والهوية، واللغة، والمعايير الاجتماعية.
كما أن علاقة فوكو بالهامش—سواء من خلال دراساته عن الجنون، أو السجون، أو “المنحرفين”—تعكس اهتمامًا متزايدًا في تلك الفترة بإعادة الاعتبار للأصوات المقموعة. فالهامش لم يعد مجرد موضوع للدراسة، بل أصبح موقعًا للمعرفة البديلة، ومصدرًا لنقد المركز. وهذا يتقاطع مع صعود حركات الدفاع عن الأقليات، التي سعت إلى كسر احتكار المؤسسات الرسمية لتعريف “الطبيعي” و”المنحرف”.
ولا يمكن تجاهل أن تجربة فوكو الشخصية وتفاعله مع الحركات الاجتماعية—خصوصًا انخراطه في قضايا السجون—تُظهر أنه لم يكن مجرد منظّر، بل كان جزءًا من الفعل التاريخي نفسه. فقد شارك في تأسيس مجموعة معلومات السجون، التي هدفت إلى كشف أوضاع السجناء وإعطائهم صوتًا، وهو ما يعكس انسجامًا واضحًا بين مشروعه النظري وممارسته العملية.
ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة أعمال فوكو بوصفها محاولة لفهم كيف تغيّرت أشكال السيطرة في المجتمعات الحديثة. فبدل القمع المباشر، أصبحت السلطة تعمل من خلال التنظيم، والمراقبة، والتطبيع. هذه الرؤية تتقاطع مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة ما بعد الحرب، حيث أصبح الإنتاج يعتمد على الانضباط والكفاءة، وأصبحت المؤسسات تسعى إلى تشكيل الأفراد بما يتناسب مع متطلبات النظام. هنا، لا تكون السلطة فقط ما يمنع، بل ما يُنتج: تنتج المعرفة، والمعايير، وحتى الهويات.
في هذا المعنى، يمكن القول إن فوكو لم يكن يصف فقط عصره، بل كان يمنح أدوات لفهم تحولات أعمق ما زالت مستمرة حتى اليوم. ففكرته عن “السلطة المنتشرة” تبدو أكثر راهنية في عصر الرقابة الرقمية ووسائل التواصل، حيث لم تعد السيطرة مرتبطة بمركز واضح، بل أصبحت موزعة عبر شبكات معقدة من البيانات والخطابات.
لكن في الوقت نفسه، وضع فوكو في سياقه التاريخي يكشف حدود مشروعه أيضًا. فتركيزه على تفكيك السلطة دون تقديم بدائل واضحة يعكس إلى حد ما مأزق جيله، الذي كان بارعًا في النقد، لكنه أقل وضوحًا في البناء. وهذا لا يُنقص من أهمية عمله، بل يضعه في مكانه الصحيح: كجزء من لحظة تاريخية ثرية بالتساؤلات، أكثر منها بالإجابات.
وهكذا، فإن تنظيرات فوكو حول السلطة ليست مجرد بناء فكري مستقل، بل هي تعبير مكثف عن روح الستينات والسبعينات—روح التمرد، والبحث عن الحرية، والشك في كل أشكال الهيمنة. لقد استطاع أن يحوّل هذا المزاج العام إلى مشروع فلسفي عميق، يكشف كيف تتشكل السلطة في أدق تفاصيل الحياة، ويعيد طرح السؤال الأساسي: كيف نكون أحرارًا في عالم مليء بالأشكال الخفية للسيطرة؟
وإذا أردنا توسيع هذا الإطار وربطه بسياقات خارج المركز الأوروبي، فإن ما شهدته الستينات من حركات احتجاجية وثقافية لم يكن حكرًا على فرنسا أو الغرب، بل وجد صداه في أماكن أخرى، من بينها السودان. فقد جاءت ثورة أكتوبر 1964 بوصفها لحظة مفصلية عبّر فيها الشارع السوداني—وخاصة الطلاب والمثقفون—عن رفضهم للسلطة الشمولية، وسعيهم إلى إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة. ورغم اختلاف السياقات، يمكن ملاحظة تقاطع في الروح العامة: نزوع نحو كسر البنى السلطوية التقليدية، والتشكيك في شرعية المؤسسات القائمة، والبحث عن أشكال جديدة من التنظيم والتعبير.
في هذا المعنى، لا تبدو أفكار ميشيل فوكو غريبة تمامًا عن تلك اللحظة السودانية، حتى وإن لم تكن حاضرة فيها بشكل مباشر. فالحس النقدي الذي وجّهته ثورة أكتوبر ضد أجهزة الدولة، والإعلام، والنخب البيروقراطية، يمكن قراءته—بأثر رجعي—كجزء من نفس المناخ العالمي الذي بدأ يعيد التفكير في طبيعة السلطة وحدودها. لقد كانت تلك الثورة، مثل غيرها من حركات الستينات، تعبيرًا عن رغبة عميقة في استعادة الفعل الجماعي، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، وهو ما يتقاطع مع رؤية فوكو للسلطة كشبكة يجب تفكيكها، لا مجرد مركز يجب إسقاطه.
هكذا، فإن الربط بين هذه التحركات يبيّن أن ما بلوره فوكو نظريًا لم يكن معزولًا جغرافيًا أو ثقافيًا، بل كان جزءًا من موجة تاريخية أوسع، أعادت طرح سؤال السلطة في صيغ متعددة، من شوارع باريس إلى ساحات الخرطوم.
#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)
Altaib_Abdsalam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟