أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض















المزيد.....

بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 00:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مهما اختلفت الآليات، التغيير يحتاج رؤية ومشروع

تاريخياً، للأسف، تأتي النهضات الكبرى في أعقاب مذابح كبرى. أمثلة كثيرة تشهد على ذلك:

الثورة الفرنسية، تخلصت من الكنيسة ومن ملكية قوية، وكانت ثورة عنيفة جداً، لكنها حققت شعارات الحرية والمساواة والإخاء ولو بقدر كبير من العنف.
والثورة الروسية كانت دموية، تلتها حرب أهلية طويلة، وبعدها أسس الشيوعيون لنهضة روسيا وبنوا دولة عظمى.
وفي إندونيسيا، تكرر السيناريو بشكل معكوس: مذبحة رهيبة ضد الشيوعيين (1965-1966) راح ضحيتها مئات الآلاف، ثم قامت النهضة الإندونيسية.

يعني في كل تجارب النهوض، كانت ثمّة علاقة بين حسم الصراع والقدرة على الانطلاق. وإذا لم تُحسم تناقضات المجتمع، يظل التردد والدوران حول الذات سائدا لعقود، ويبقى التقدم بطيئا أو معدوما. أما عندما تُحسم التناقضات بأي شكل، وتظهر قوة منتصرة تعيد تشكيل المجتمع وفق مشروع واضح، ينخرط في تنفيذه السكان مع الدولة دون كوابح ولا قوى جذب إلى الخلف ولا قوى محليّة متحالفة مع قوى دولية لتجهض ذلك المشروع. ولكي تنجح هذه القوة المنتصرة لا يكفي حسمها للصراع، بل عليها أن تَبني وتُنجز ما يغيّر حياة الناس نحو الأفضل، بحيث تبدو إنجازاتها أوسع وأعمق من جراح عمليات الحسم ذاتها، وكأن تلك الانتهاكات كانت ثمنا لا بد منه لنهوض الأمة. بمعنى أنّ عملية "الحسم" في حدّ ذاتها لا يمكن أن تُمثّل مصدرا للمشروعية، وإنما تُستمدّ المشروعية من إثبات جدارة القوة المنتصرة في الارتقاء بالبلد وبحياة الناس.

وهنا لا بد من وقفة ضرورية حتى لا يتّهمنا "مُتصيّدو المفردات" بالتنظير للعُنف: إن حسم الصراع بالعنف لتمكين الانطلاق مسألة أثبتتها التجارف في أزمنة مضت. وليست قدرا محتوما لا مفر منه. بل هنالك طريق آخر، وهو تفاهم مختلف النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية على صياغة مشروع وطني جامع، يُدار في إطار ديمقراطي. وفي الحقيقة، هذا هو الطريق المثالي والأسلم. ولكن، للأسف الشديد، أثبتت التجربة التونسية ما بعد 2011 أن الديمقراطية، بقدر ما هي ممكنة جدًّا في بلادنا، تظلّ مغشوشة ووهمًا في ظل وجود جماعة دينية، تؤمن بمنطق "التمكين" والخلافة، وتوظف الديمقراطية نفسها كجسر لفرض أجندتها وأسلمة المجتمع.

لقد أثبتت تجارب التاريخ، هذه العلاقة المأساوية بين العنف والتقدم، رغم الأكلاف الباهظة لهذا الطريق. ففي تونس، شهدنا العنف مباشرة بعد الاستقلال. جرت تصفيات "هادئة" عبر إنشاء "محكمة القضاء العليا" في 19 أفريل 1956 لمحاكمة المتعاونين مع الاستعمار، "الصبايحية"، وشيوخ التراب، والمرشحين لانتخابات 1953 ضد إرادة الحركة الوطنية التي دعت لملاطعتها، وشملت "الڨراوة" قَتَلة الهادي شاكر وغيرهم... وقبل ذلك جرت تصفيات دموية منفلتة، مثل قتل عزالدين باي الأمحال والشاذلي القسطلي وغيرهم. ثم جاءت الحرب ضد اليوسفية..
خلال تلك المرحلة وبعدها..
بقطع النظر على جميع سلبيات تلك المرحلة، تمكنت نخبة الاستقلال بقيادة بورقيبة، في ظرف ثماني سنوات تقريبا، من إرساء أسس دولة عصرية: فأطاحت بالنظام الملكي وأقامت الجمهورية، وأصدرت مجلة الأحوال الشخصية، وأرسست منظومة الضمان الاجتماعي، ووحدت القضاء، وحلّت الأحباس، وأحدثت دواوين الإحياء والاستثمار، وأعادت بناء الإدارة وتعريبها، وأرست سلك الولاة، ووحدت التعليم ليكون عصريا وإجباريا وخصصت له ثلث الميزانية، فأنشأت المدارس والمعاهد والجامعات، ووفّرت الخدمات الصحية، وبعثت الحرس الوطني والجيش، وأعادت هيكلة الديوانة وتونسَتها، وأحدثت البنك المركزي، وفتحت السفارات، وسنّت قوانين حماية العمال الفلاحيين وحددت الحد الأدنى للأجر، وبنت المصانع، ونظمت القطاع السياحي، وطورت استغلال الأراضي الزراعية، وبنت ما استطاعت من البنية التحتية: من طرق وجسور وسدود، وعملت على تحديث المدن ومحاربة العروشية. وانتهت بتأميم أراضي المعمرين في منتصف الستينات وركزت فيها وحدات الإنتاج ...
ونتيجة لهذه الإنجازات، تمتع بورقيبة لسنوات طويلة بولاء التونسيين، وظلّ زعيما في نظر شعبه بفضل ما قدّمه، فكان أن غفر له حتى بعض معارضيه ما تعرّضوا له من انتهاكات.

هذا يعني أن القادة الذين حافظوا على ولاء شعوبهم، هم من خطّطوا وحقّقوا إنجازات حقيقية انعكست مباشرة على معيشة الناس وصحّتهم وسكنهم ومستقبل أطفالهم. وما ذكرناه عن الرئيس بورقيبة، ينطبق على عبد الناصر الذي صار زعيما كبيرا بسبب جلاء المستعمر، وتأميم القناة، وبناء السد العالي، ومواجهة الصهيونية. وكذلك الهواري بومدين من خلال بناء الدولة الجزائرية وتوحيد نٍخب الثورة، وتوزيع الأراضي وتأميم المحروقات...

ما علاقة هذه المقدمة الطويلة بما يجري اليوم في بلادنا؟

الواهمون الذين ما زالوا يستهينون بمظاهرات المعارضة، عليهم أن يراجعوا حساباتهم، فالمزاج الشعبي، ولو بوتيرة بطيئة، آخذ في التغيّر، بسبب افتقاد الرئيس للخطة والمشروع. ولم يعد خافيًا على أحد أن سلطة ما بعد 25 جويلية فشلت فشلا ذريعا في الاستجابة لانتظارات الناس الذين راهنوا على قيس سعيّد.

وبقطع النظر عن خلفيات هذه الاحتياجات وتعدد دوافعها، وبغض النظر عن أن حجم التظاهرات لم يبلغ بعد مؤشر قلب موازين القوى، إلا أن هذا الميزان آخذ في التبدل نتيجة السياسات العشوائية في كل الميادين. لقد طال انتظار الشعب، ولا يبدو أن لدى رئيس الجمهورية وحكومته ما يُقدمه. وفي مثل هذه الحالة، عادة ما تتبدد الشعبية الهُلامية دفعة واحدة وبشكل مفاجئ، لأن الجماهير التي ساندته منذ 2019 فعلت ذلك مدفوعة بتطلعاتها لتحسين أوضاعها، وولاء هذه الكتلة الجماهيرية مشروط دائما بتحقيق هذه التطلعات. فالناس، في نهاية المطاف ينتظرون الخبز والخدمات، ولا يعنيهم الشعر الشعبي والخطب الرنانة والتهديد والوعيد.

الملاحظة الأخيرة: صحيح أن وجود حركة النهضة في قلب المعارضة لا يزال يثير حذر وقلق التونسيين، مما يمنح السلطة فسحة زمنية إضافية. لكن، ورغم أن الأغلبية لم تنزل إلى الشارع لمواجهة الرئيس، فإنها في المقابل لا تجد أي حافز لتشكيل "شارع مضاد" للدفاع عن استمرار حكمه.
وبقطع النظر على جرائم قيادة حركة النهضة التي لا تُحصى ولا تُعَد، وبقطع النظر على أنها تهديد جذري لكل ملامح التقدم والتضامن والمدنية، فالمؤكّد أيضًا أن الطريقة التي اتبعها الرئيس قيس سعيّد في تسيير الدولة لن تقود البلاد إلا إلى الخراب.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
- اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
- الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب ...
- أفول الهيمنة الغربية على العالم
- في استحالة الدولة الكُرديّة
- أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست ...
- الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.


المزيد.....




- إيران: نتبادل الرسائل مع واشنطن عبر الوسطاء باكستان وعُمان و ...
- روسيا.. إجلاء جثتين من أصل 5 جثث لمتسلقَي جبال لقوا حتفهم في ...
- الولايات المتحدة.. مقتل شخص وإصابة 6 آخرين في إطلاق نار خلال ...
- فرنسا تحشد 1500 عسكري للمساهمة في السيطرة على حرائق الغابات ...
- الببتيدات تغزو الأسواق.. تحذيرات من علاجات مجهولة المصدر في ...
- في الذكرى الخامسة لإجراءات 25 يوليو.. آلاف التونسيين يطالبون ...
- تركيا.. مقتل مسؤول في حزب العدالة والتنمية الحاكم ونجله وابن ...
- الخارجية الروسية: موسكو تعتزم المطالبة بتسليم مدعي عام الجنا ...
- رئيس وزراء إسبانيا يرد على طفلة فلسطينية برسالة مؤثرة (فيديو ...
- لبنان.. جنبلاط يحذر من طمس ذاكرة الجنوب وعودة بعض -المنحرفين ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض