طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 10:14
المحور:
الادب والفن
مسرحية فكرية من فصلين
الشخصيات:
عبدالله مطلق القحطاني: باحث ومؤرخ لاهوت وأديان مقارنة سعودي معاصر. حاد الملامح، صارم النبرة، يتحدث بلغة الأرقام والمخطوطات، ويبدو عليه إجهاد المفكر المعذب.
جوزيف فون هامر-برجشتال: مستشرق وفيلسوف نمساوي (1774 - 1856). يرتدي معطفاً مخملياً من القرن الثامن عشر، يمثل المنهج الأكاديمي الغربي البارد والمندهش بالشرق.
أبو حيان: فقيه ومتكلم تقليدي، يمثل تيار التكليس والتسييس اللاهوتي والمؤسسة التقليدية الحارسة للموروث. يرتدي عباءة داكنة ويمسك بسوط جلدي رمزي.
الفصل الأول: تشريح المقدس
(المكان: مكتبة افتراضية غامضة، تتداخل فيها أرفف الكتب الحديثة المعاصرة مع أعمدة من المخطوطات القديمة المكتوبة بالسريانية، العبرية، والعربية. الإضاءة مسرحية حادة تسقط كالبقع فوق طاولة مستديرة في المنتصف. عبدالله يجلس محاطاً بالكتب والمخطوطات، برجشتال يقف متأملاً في جهة اليمين، وأبو حيان يقف متأهباً في جهة اليسار).
المشهد الأول: ترف فيينا ونار الواقع
برجشتال: (يقلب صفحات مخطوطة سريانية بنظاراته الدقيقة، بلكنة عربية فصيحة تشوبها نبرة أوروبية)
سيد عبدالله، لقد عشتُ في فيينا عقوداً أترجم المخطوطات المشرقية وأدرس روائعكم الفكرية والأدبية. كنا ننظر إليها كبنى ثقافية وتاريخية تستحق الإعجاب والدراسة الباردة. لكنني عندما أقرأ أطروحاتك في نقد الموروث اللاهوتي، أجدك قاسيًا؛ وكأنك تتعامل مع التراث كخصم شخصي تريد تفكيكه وتدميره!
عبدالله مطلق القحطاني: (يقاطعه بنبرة حادة وصارمة دون أن يرفع عينيه عن الورق أولاً، ثم ينظر إليه مباشرة)
أنت تراه ترفاً وإعجاباً لأنك تقرأ التراث من غرفتك الدافئة في النمسا يا هامر! أنت لا تدفع ثمن هذا النص من حياتك، وحريتك، ومستقبل مجتمعك. عندما يتحول النص التراثي المُكلس اليوم إلى سياط وفتاوى تشرعن إقصاء الآخر، وتهدر كرامة المرأة، وتصنع الإرهاب الفكري والسياسي، هنا يسقط الترف الأكاديمي البارد. أنا لا أهاجم للتدمير، أنا أشرّح جثة يظنها الحراس حية ليمارسوا باسمها الوصاية على العقول والمصائر.
أبو حيان: (يتقدم خطوة نحو الطاولة، ويضربها بقبضته بقوة، بنبرة هادرة مليئة بالوعيد)
كفى هرطقة وتطاولاً يا قحطاني! من أنت حتى تضع مشرطك المسموم في موروث الأمة وعقيدتها؟ تأتينا بألسن سريانية وعبرية، وتستحضر مقارنات من التلمود البابلي واللاهوت المسيحي لتشكك في ثوابت لاهوتنا وصحة موروثنا؟ هذا ليس نقداً علمياً، هذا هدم ممنهج وتطاول على المقدس الذي حماه الأسلاف بدمائهم عبر القرون!
عبدالله مطلق القحطاني: (يلتفت إليه ببرود وثقة كاملة، مشيراً إلى المخطوطات أمامه)
المقدس الذي تستميت في حمايته يا أبا حيان لم يصنعه الأنبياء، بل صنعه "المطبخ السياسي" للأحبار والملوك والقادة عبر العصور. المخطوطات القديمة لا تكذب؛ عندما نفكك الألسن ونقارن النصوص تاريخياً ولغوياً، نقرأ بوضوح كيف جرى تدوين اللاهوت وتعديله ليناسب كراسي الحكم وصراعات السلطة. أنت لا تدافع عن السماء، بل تدافع عن توظيف "الإسلام السياسي" وعن امتيازات الوصاية الفكرية التي تمنحك سلطة جلد وعي البشر وسرقة إرادتهم وثرواتهم.
المشهد الثاني: مختبر الألسن والمطبخ السياسي
برجشتال: (يهز رأسه متعجباً، ويتدخل محاولاً تلطيف الحدة)
يا إلهي! الصدام هنا يتجاوز حدود الورق. في قرني الثامن عشر، خضنا في أوروبا معارك شرسة ضد سلطة الكنيسة البابوية وصكوك الغفران لنصل إلى عصر الأنوار والعلمانية. لكن، ألا ترى يا سيد عبدالله أن عِلم الأديان المقارن والألسن الذي تتبعه قد يجرد الإنسان الشرقي من هويته الروحية تماماً؟ إنك تدعي أن لاهوت الأديان التوحيدية متداخل ومستعار من بعضه البعض!
عبدالله مطلق القحطاني: (يقف بحزم، ويستند بوعي وثبات على نسخة من مخطوطة قديمة)
العكس هو الصحيح! كشف الحقيقة التاريخية هو التحرير الحقيقي للإنسان وهويته الروحية. الهوية الحقيقية لا تقوم على تزوير التاريخ أو الجهل بأصول النصوص وتداخلها. عندما نقارن بين الشريعة الموسوية والإسلامية ونصوص الشرق القديم، نحن نثبت أن الفكر الإنساني متصل، مشترك، ومتطور. التوظيف السياسي للدين هو الذي يصنع الخنادق، والحروب، والتمييز الطائفي والمذهبي. العلمانية والمدنية وحقوق الإنسان ليست عداءً للإنسان، بل هي الحصن الوحيد الذي يحمي حرية الضمير، ويمنع تحول النص التراثي إلى سوط بيد السلطة والجلاد.
أبو حيان: (يرفع كتاباً تراثياً مطبوعاً ملوحاً به في وجه عبدالله)
هذه دعوة صريحة للانسلاخ والتبعية للغرب! العلمانية التي تنادي بها هي إلغاء للشريعة وهدم للأخلاق ومسخ للمجتمع. تريد أن تترك العامة بلا راعٍ يحميهم من أهوائهم؟ إن كتب التراث التي تصفها بالصفراء والمكلسة هي التي حفظت هوية هذه الأمة وثقافتها طوال ألف عام!
عبدالله مطلق القحطاني: (ينظر إلى أبو حيان بعينين حادتين ونبرة متهكمة وواثقة)
حفظت هوية الأمة أم حفظت كراسي السلاطين يا أبا حيان؟ كتب التراث التي طُبعت بملايين النسخ ووزعت مجاناً في العقود الماضية لم تكن تنشر علماً، بل كانت تنشر نمطاً واحداً من التفكير الإقصائي الذي يرفض الآخر، ويلغي دور العقل، ويهمش المرأة ويعتبرها عورة أو تابعاً. هذا التراث تم توظيفه سياسياً لتغيب الوعي وتأبيل الاستبداد. المجتمع لا يحتاج إلى راعٍ يملي عليه ما يفكر فيه، بل يحتاج إلى عقل حر وقوانين مدنية تحترم إنسانيته وحقوقه بغض النظر عن جنسه أو معتقده.
الفصل الثاني: ضريبة التنوير
المشهد الأول: صرخة الحق العاري
برجشتال: (ينظر إلى عبدالله بذهول واحترام مكتوم، ويتراجع خطوة للخلف)
أنا مذهول.. نحن المستشرقين في الغرب كنا نظن أن الشرق سيبقى غارقاً في غيبوبته التراثية، وأن نقد الموروث سيبقى حكراً على الأكاديميات الأوروبية. لكنني أرى في منطقك يا عبدالله صدى لصلابة فلاسفة التنوير لدينا، ممزوجاً بوعي حاد يخرج من قلب الجزيرة العربية. لكنك تدفع ضريبة باهظة من جسدك، وحريتك، وصحتك لأجل هذه الكلمات. عشت ثلاثين عاماً في خندق المواجهة والعزل الفكري. هل يستحق الأمر كل هذا الثمن؟
أبو حيان: (يقاطعه شاتماً ومعقباً بنبرة وعيد زاحف)
ضريبته في الدنيا هي العزل والتهميش، وجزاؤه في الآخرة معلوم! إنه يملك جرأة انتحارية، يتحدث باسمه الصريح، يحلل وينتقد وينسف، متناسياً المقصلة الاجتماعية والفكرية والقانونية التي تنتظر كل من يخرج عن إجماع الجماعة ويهدد عروش الوصاية اللاهوتية!
عبدالله مطلق القحطاني: (يقف مستقيماً بكبرياء شامخ، ينظر إلى الأفق بنبرة تجمع بين الشجن العميق والصلابة التي لا تلين)
لو لم أؤمن أن العقل هو أقدس ما يملكه الإنسان، ولولا إيماني بكرامة هذا الإنسان، لما صمدت ثلاثين عاماً في وجه الإقصاء، والتهميش، والتشويه الممنهج. من يعش في خندق النقد والتنوير الحقيقي يعلم أن الخوف الحقيقي ليس من المقاصل أو السجون، بل الخوف هو أن يموت العقل وتعيش الخرافة لتتحكم في مصائر أبنائنا وبناتنا. النص المسجون داخل الجهل والتكليس والتوظيف السياسي يجب أن يحرره الحبر الحر، حتى وإن سال ذلك الحبر من دم صاحبه وصحته وحريته.
المشهد الثاني: الستار المستمر
برجشتال: (يغلق مخطوطته ببطء شديد، ويخلع قبعته النمساوية بانحناءة احترام تقليدية)
أرفع قبعتي لك يا عبدالله.. لقد تمنيت لو أن مستشرقي القرن الثامن عشر التقوا بمفكرين بصلابتك وعمقك المعرفي، لربما تغير مسار الاستشراق الغربي كله، وفهمنا أن الشرق ليس مجرد حكايات سحرية من ألف ليلة وليلة أو بنية ساكنة، بل هو ساحة معركة فكرية كبرى تقودها عقول شجاعة من أجل التنوير والحرية الإنسانية.
أبو حيان: (يتراجع إلى الخلف خطوة، ممسكاً بكتابه بقوة، وعيناه تملأهما ريبة ووجل مكتوم)
أنت رجل لا يقبل المساومة.. لا تريد إصلاحاً لاهوتياً ناعماً أو مساكنة مع الموروث. تريد اقتلاع الجذور وتعرية كل شيء.
عبدالله مطلق القحطاني: (يغلق كتاباً ضخماً أمامه بقوة تحدث دويًا في القاعة، ويقترب من حافة المسرح، موجهاً حديثه للجميع بنبرة قاطعة)
اللاهوت السياسي لا يُصالح ولا يُهادن، بل يُفكك ويُعرى حتى آخر حرف . الحبر الحر لا يقبل التنازل أو الركوع لإرضاء الجماهير المغيبة أو إرضاء حراس المعبد التقليدي. المعركة بين العقل والتكليس هي معركة وجودية؛ إما أن ينتصر الإنسان ووعيه وحريته، أو يبتلعنا ظلام الاستبداد والتكفير إلى الأبد. وقلمي لن يهدأ ما دام في الجسد نفس وفي الدواة حبر .
(تنطفئ الإضاءة فجأة وبشكل كامل عن برجشتال وعن أبو حيان، ليتلاشيا في الظلام كرموز للمستقبل والماضي. وتظل بقعة ضوء دائرية بيضاء حادة ومكثفة مسلطة على وجه عبدالله مطلق القحطاني وحده، وهو يقف بثبات كامل، ممسكاً بقلمه ومحدقاً في الأفق بعينين ثاببتين لا تعرفان التراجع).
ستار.
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟