أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - معلّم البلاط.. وغمغمة الحسّاسين














المزيد.....

معلّم البلاط.. وغمغمة الحسّاسين


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


في جلستهم تدور سيجارة غليظة بزهرة جمرتها، فإذا استبطأها مسلطن، استعجله رائق: "دوّرها خاي" "فك أسرها" فيشتعل قش حلقة الكيف بحسيس نار أغنية راجت في أواخر الثمانينات: "دوّرها دوّر دوّر، واعطيني شحطة، قبل ما تجي تجي تجينا الشرطة".
بعد منتصف اللقاء، تهمد أطرافهم على حصير قماشي، وتفتل طاسات رؤوسهم بالهلوسات، وكل يحسب نفسه فارسا يقاتل طواحين الهواء بحصان لسانه، وأجنحة خياله، فالسرد في عرفهم سردة، مقدمتها: كسّرها/ أي فتت قطعة مستخلصة من القنّب الهندي بالأظافر في راحة اليد إلى كرات صغيرة جدا، واسردها/ افرطها ولفها مع التبغ في ورقه الرقيق، وأما عقدتها فإن السرد رواية وقائع وأحداث، وهم يسردون ما يتوهمون أنه وقائع، وما ينفثونه أحداث، وخواتيمها سرحانهم مع تكاثف دوائر الدخان، وتوسع حدقات أعينهم واحمرارها، حتى تخال أنهم في تجمهر استثنائي لملاقاة مارد رغباتهم، هاربا من مصباحه السحري، إذ ذاك قد يستأذن أحدهم لقضاء حاجة لنداء الطبيعة، وعند وصوله إلى باب الغرفة المغلقة، يستدير بتثاقل، قبل أن يفتحه ويغلقه بكلمة السر: "عبّقت". لتجرهم متسلسلين على طريقته، فيصير التجمع وقوفا في باحة التنفس وراء الباب الخارجي للبيت، مع أحاديث هامسة بينهم:
* أبو نضال ما مخمخت لا بصاروخ ولا بصاروخين، كأن الطبخة مدغوشة؟ّ
- ما يسترجي ابن البخيلة يبيعنا صنف مضروب، إنت يا أبو كفاح طاستك مبخوشة.
بخبرته منتصف السبعينات، يعرف أبو نضال من بيته الطيني المستأجر في ضاحية دمشقية، أن عقدة رعب الناس منذ مجزرة تدمر تفضحها همسة "الآذان لها حيطان" ومرار يقينه أن "الأخ يشرف، بالولاء للمستبد، على تعذيب أخيه" حتى ولو كان اسمه أيضا أبو نضال، مع أن الطلب تسريحه من فرع أمني عسكري!
ومنذ احتلال بيروت، وإرجاع قوات الأمن شباب الحارة ومعهم أبو عناد من حاجز المصنع الحدودي السوري اللبناني، سرى الخدر حد فقدان الاحساس، وسبعة أشهر امتلأت فيها شوارع الشام ومقاهيها باللباس الخليجي بعد احتلال الكويت، ثم احتلال العراق وعودة لاجئيه من سوريا، وإعادة احتلاله وثلاثة بلدان عربية. وفي الجلسات، صار الهمس حركة شفاه بلا صوت، كأن الخدر صار اللغة الوحيدة للثلة.
وأبو نضال شهم وكريم ونبيل، وإذا نصحه محب بالابتعاد عن السموم، ابتسم بفراغات أسنانه المكسورة، واكتفى بكلمة: مبتلى.
وحين طغى البلاء، قَمعَ الاستبداد مظاهرات الحرية، بالرصاص والقصف والاعتقال والتعذيب والتدمير والتهجير، وصار بيت أبو نضال، ملجأ لناجين من مطاردة الأمن وعصاباتهم، وحدث ذات جمعة أن جاء للمشاركة من حي مجاور ابن أخيه الموظف الصحفي أبو عناد، وعند وصوله التجمع بأمتار مقابل الجامع، هجم عليه بعض من لا يعرفهم، فطاردوه إلى بيت عمه، وحدث أن سقط موبايله فكسروه، وحدث أن تجاهل الجرس، وكاد الباب أن يتخلع من عزم يسراه، وحدث أن ألقى عمه نظرتين بنباهة، ثم عاجله بكف:
* كم مرة قلت لك ما تجي لهون؟
- قاطع بعض الجمع الصمت: تعرفه يا أبو نضال؟
* هذا ابن أخي.
لف المهاجمون وراء در، وأكملوا مسيرهم.
في البيت أسرَّ أبو نضال لابن أخيه: هذول سمح لهم النظام أن يشرفوا على المظاهرة محدودة، مقابل غض النظر عنهم بالبيع والتعاطي.
تكبد أبو نضال عناء التهريب مثل ملايين السوريين، ملتحقا بابنتيه وعائلاتهما في تركيا، وصار بائعا للأغراض المستعملة، وكذلك ابن أخيه أبو عناد إلى السويد، وصار من المرضى الحساسين بدون حسيسة. مع أنها شائعة ومتداولة في البلدان الأوروبية، بما لا يتجاوز الاستخدام الشخصي للكبار خمسة غرامات! وما فوق ذلك تجارة يعاقب عليها القانون. ومع ذلك لا تخلو صحيفة من أخبار يومية أو أسبوعية عن مخالفات وضبط شحنات تهريب وسواهما.
سنة تجر سنة بمحراث يدوي، والسوريون تنثرهم حصادة الألم على جغرافيا الأرض كلها. أنهى أبو عناد جولة التسوق، وعاد بعجالة إلى بيت أمه في الطابق الثاني. ما إن فتح باب البناية حتى سمع أنين أمه التسعينية. سرّع خطواته قفزا، وأسقط الأكياس تاركا باب الشقة مفتوحا. أمه التي حولتها أخبار الفجائع من كبيرة بالسن إلى عجوز، تجلس على الأرض في منتصف الصالون وبيدها الموبايل، تنتحب، تنوح، تولول، تصيح... وفي شاشة الموبايل الأخرى، أبو نضال الممدد بثيابه على البلاط، وحوله بناته وأحفاده، واللطم هناك، والصراخ هنا.
هدّأ أبو عناد النفوس، وجبر الخواطر بعمه معلّم البلاط والبورسلين قبل التهجير. وبعدما أنهى المكالمة غمغم: أبو الموبايل، على أبو اللي اخترع الموبايل.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ريشة على راس القلم
- البائع الجوّال
- بائع البركة
- عيون برية
- وجبة لونش فضية
- الطاغية و شرموط البحر
- أبو صابر ثلاثي الأبعاد
- عيد ميلاد الحنون
- مَرْبَى قلوب الناس
- الشعب الواحد فاصل!
- مسك الدعاء
- بيوت المسرّات أمّ
- كم هزها.. والقلب نام؟!
- -نجمة مريم-.. في دار النخبة
- شوائب في سبائك آدمية
- لقية في طريق مصادفات
- زغاريد و مكتومة!
- الموتى يضحكون أيضا!
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم


المزيد.....




- موسكو تستضيف ملتقى سينمائيا دوليا بمشاركة شباب من 8 دول
- فيلم -أرض الخرسانة- الوثائقي الأردني يفوز بجائزة مهرجان لندن ...
- الوطن الذي نحمله معنا.. الهجرة والمنفى في أفلام الأنيميشن
- بشار المصري يبحث مع اتحاد الكتاب والأدباء تعزيز الهوية الثقا ...
- السنن الكونية في النظام القرآني
- مجلة “سينماتيك” في عندها 6.. من ذاكرة الأرشيف إلى رهانات الر ...
- مصرع مقاتل في الفنون القتالية المختلطة في هجوم تراب الإرهابي ...
- كوميديا سوداء أرجنتينية تستعيد أجواء هتشكوك في فيلم العلاج ع ...
- مهرجان لوميير بمدينة ليون يستحضر روائع السينما العالمية في د ...
- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - معلّم البلاط.. وغمغمة الحسّاسين