أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - البائع الجوّال














المزيد.....

البائع الجوّال


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 14:34
المحور: الادب والفن
    


على عربة يجرّها بغل، اعتاد أبو حسن أن يطوف حارات المدن النائية والبلدات المنسية، حاملاً بقايا بضاعة مستبدلة، عتيقة، أو معطوبة، أو تالفة، أو مكسّرة، وأُخرى جديدة من الأواني المعدنية أو البلاستيكية للمقايضة بها. معلنا عن قدومه بالتمطُّط في الكلام، بمده والتلوين في أساليبه:
"اللي عندو نحاس للبييع، اللي عندو صوبيات للبيع، اللي عندو شحاطات، اللي عندو خبز يابيييس...".
وفي سمّ الحرّ منتضف السبعينات، وما تلا جذوة شباب الصيف اللهاب، عند انسحاب الفرات من سوريا، حميما وغدارا، ظلت ابتسامة (أبو حسن) مورد وارتواء الأطفال بالفرح.
وأبو حسن القادم من مدينة بعيدة، متسامح بالبيع، ومتصالح بالمبادلة مع الأطفال، لكأنه جاء لإسعادهم بزركشات ذهبية وفضية، خارج أسوار المدرسة في عطلتهم السنوية. وبين سحر حديث البائع الجوّال، وبين انجذاب الأطفال المغناطيسي له "يا بخت من نفع واستنفع".
بين حارة وثانية، نوّع أبو حسن نداءاته، ربما تبعا للتجمع البشري فيها، أو لحالتهم المادية، أو الإجتماعية واحتياجاتهم، وربما مع التجربة والفراسة، كوّن أبو حسن تصورات أشبه بالخرائط السكانية، وبحركة خفية بالرسن قاد بغله الهجين من حمار وفرس، والمشهور بقوة احتماله، من طقس إلى مقصد، ومن نداء إلى عطاء:
"شدوووق خبز للبيييع.. حليب.. يا حلييييب"
وعلى عكس بغله العقيم، منح أبو حسن أطفاله السكاكر هدايا، بعدما سحلوا بعزم أَغراضهم بأكياس خيش، حسب وصايا أمهاتهم، لمبادلتها إمّا ببضاعة، ولو كانت بجودة غير عالية، أَو بخشخشة حلي أو مبلغ نقدي بسيط غالبا ما يكوْن فراطة معدنية لماعة.

ظهر البائع الجوال في منتصف الثمانينات سائقا يجر صندوقا حديديا، يسير على ثلاث عجلات، وعُرفت هذه المركبة المحلية الصنع، بأسماء شعبية متعددة منها: "الطرطيرة" "الطريزينة" "الفيسبا" و"شيّالة الحِمل".
ومذاك تحولت موجات صوت (أبو حسن) بالميكروفون المحمول بيده، إلى ذبذبات وتيارات كهربائية:
"بطاريات عتيقة للبيع.. موطور غسالة للبيع.. موطور براد للبيييع.. كراسي مكسرة للبيييع..." ومذاك صارت ذاكرات الأطفال مكسّرة، مثل قلوبهم، مثل كل ما حولهم.
بقي أبو حسن متعلقا في البلد، وعالقا بين الكارثة والخراب اللذين حلا بها من نظام إجرامي، وبين توسلات عائلته للم شمله. عائلته التي انفرطت، كل خيمة تحت نجمة. ونجمة المهندس حسن غابت، ومثلها شهادة الهندسة التي عدلها ولم تنفع للعمل بها، هندست له السويد البدائل المتوفرة، فمشى عليها في الغربة بعكازتي اللغة وشهادة السواقة. حسن سائق في مكتب تكسي، ضمن البلدة الصغيرة التي يعيش فيها. حسن تعمّد دائما خلال تفقّد والده بالموبايل، أن يدسّ ما اعتقد أنه قد يلامس شغف البائع الجوال، حدّثه مرارا عن طرائق التبرع بالأغراض المستعملة، وبيعها بأسعار رمزية في أماكن ثابتة، كالصليب الأحمر، أو السكاند هاند/ اليد الثانية، أو لوبّيس، أو سواها، كما حدثه عن تجمع البيع بالمزاد الأكشون، وكذلك عن البيع والشراء الألكتروني مثل البلوكت، فضلا عن البيع الشخصي سواء للأنتيكا أو الأغراض الثمينة. وأبو حسن دائم ابتسامة الرضا: "كل الناس الطيبين خير وبركة".
عاجلا غادر حسن البلدة بالقطار، متوجها إلى مطار ارلاندا في ستوكهولم، للتنقل برحلة أيام شاقة، للحاق بعزاء والده. وعلَى عربة نائية فتل دولاب ناعورتها بين شوارع الذكريات، وبين أَزِقّة الغربة، مرت وجوه المحطات عابرة، ودَم البائع المتجول نبضه:
"اللي عندو حفنة شمس، اللي عندو شربة دود، اللي عندو خبز يااااابس...".



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بائع البركة
- عيون برية
- وجبة لونش فضية
- الطاغية و شرموط البحر
- أبو صابر ثلاثي الأبعاد
- عيد ميلاد الحنون
- مَرْبَى قلوب الناس
- الشعب الواحد فاصل!
- مسك الدعاء
- بيوت المسرّات أمّ
- كم هزها.. والقلب نام؟!
- -نجمة مريم-.. في دار النخبة
- شوائب في سبائك آدمية
- لقية في طريق مصادفات
- زغاريد و مكتومة!
- الموتى يضحكون أيضا!
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم
- دائرة الطباشير العقيمة
- دم نبيل من صيدنايا


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - البائع الجوّال