أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - الطاغية و شرموط البحر















المزيد.....

الطاغية و شرموط البحر


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 18:48
المحور: الادب والفن
    


سردين مأكول مذموم، قال الأب لابنه ذات غموس شهي منتصف الثمانينات، وكلاهما مغرم به في طبق مشبع بزيت وفلفل حار، خلافا للأم المحبة للتونة. وبينما مزاج السردين ثنائي الحرارة والبرودة، فإن طباع التونة أكثر ليونة مملحة، وبالزيت، وبالماء.
* ألهذا يبدو الآباء قساة يا أبي؟ غطى الابن وجه سؤاله بابتسامة مطيعة.
- الآباء يدربون أبناءهم للاعتماد على أنفسهم، ويجهزونهم بمهارات لمواجهة الحياة، لكأنما لسان حالهم يقدم لهم شاهدة فاصلة بين عالمين: "أنا لا أدوم لك". تلا ثواني هذه الجملة، جبال من الصمت، وبحار نظرات عميقة متبادلة، بدت أبلغ من محيطات الكلام.
وعادة لا ينتبه الغافلون إلى الاستهلال بالفاتحة، إلا بعد رجوعهم إلى بيت من دون المفتاح، أو خيمة من دون الوتد، بقرعة مكشوفة للشمس، كما يقول أهل البادية، وبأفجع حادثة تهز أعماق الإنسان، كما يؤكد فرويد.
"أنا لا أدوم لك" ياما كررها الآب، مع كل نائبة، أو خيبة، أو خذلان، ومع كل عقدة نجّار، ورفع رايات استسلام، ويأس، وعجز. "أنا لا أدوم لك" تبسط ظلها أنذاك لقلوب مكسورة، وتشد الغريق من شعره لتنقذه.
* أكل الآباء جوز ولوز، وزبدة وعسل يا أبي؟
- الآباء رجال، وذكور "وما بينهما ملتبس" وأحيانا من جيل إلى جيل "يأكل الآباء الحصرم والأبناء يضرسون".
نزولا إلى درج دمشقي، بعد منتصف التسعينات، انزلقت قدم الأب، وهي في خطواتها بعد الخامسة والستين إلى العقد السابع، فمال بعناده إلى الحائط، في التواء استراحة متر ونصف بين قسمي الدرج الواصل إلى غرفة التصوير بالإيكو، وبلهفة الاحتواء والضم مد الابن الثلاثيني ذراعيه، غير أن الأب حسم الأمر بإشارة مرفوعة من راحته، وتنهيدة اعتراف مبطن: "ربك يعرف ما عملناه بحياتنا"!
صعوداً إلى سطح البيت الطيني فتى في مدينة حدودية منسية بين نخيل الفرات وعجاج الشام، حمل الابن صينية فيها صحن وطاسة من مخلل بيت الجد إبراهيم وزوجته لطوفة، بعد أن اشترى علبتي سردين بليرة مما ادخر من مصروفه المدرسي من جده محمد توفيق، وعلى وجبة عشاء امتدت بنشاط عشرة أيادي، الأم وأربعة أبناء، قبل أن يتضاعفوا في البيت الإسمنتي، حد الشبع والكفاية من لقيمات مع همسات كلام. ولأن للسردين تاريخ سُلطة الزنخة، طلبت الأم كعادتها من الأبناء أن يذهبوا معها لغسل الأواني وأياديهم وأفواههم.
الابناء يحبون اللعب والتسلية منذ طفولتهم، بما يتوافر بين أيديهم، وقد يتذكر بعضهم اللهو في الحارة بقطار من علب السردين المأكولة، والموصولة بأسلاك معدنية، وقد ينسون على كبر، من أركبهم على ظهره زاحفا على أربع، قد يتذكرون رغد العيش من ضروريات الحياة، وقلة من يربطها بجهد وشقاء من وفرها، يتذكرون الراديو في بيوت الأجداد، الخشبي الكبير والمرفوع على الرف، والراديو المعدني المتوسط بغلاف جلدي، والراديو البلاستيكي الصغير النائم تحت وسادتهم، وربما ينسون أول آلة تسجيل ببكرتين لكبار المطربين، وحقيبتها الجلدية، وقد يتذكرون امتلاك أول تلفزيون سيرونكس بالأسود والأبيض، مع أسر تعد على أصابع اليدين في المدينة، ولا يعلمون أن يد الأب أنذاك مرتجفة لتصلب الشرايين وضيقها؟ ومن الطبيعي أن لا ينسى الأبناء مراهقتهم وأول جهاز مشغل لأشرطة الفيديو، ولا السيديات، ولا الاسترخاء على الكمبيوترات، ولا الهواتف المحمولة لاحقا.
ضحك الأبناء، وعادة يسمع صوت رنّة الإبرة في حضور الأب، ضحكوا حد نفور الدمع من مشاهدة حياة وسلوكيات حيوان شرموط البحر (sharmot) وبدت لهم حلقة ناشيونال جيو غرافيك بمتعة فلم كرتوني فكاهي.
الأبناء في المنفى أبناء الحكومة، وعلى الآباء أن يمتثلوا لرغباتهم، وأن يطلبوا إذنا من الأبناء للفرجة معهم، كي لا ينتهكوا خصوصيتهم وفق القانون.
انعكست شاشة تلفزيون سمارت ال جي 55 بوصة كمرآة على وجوه الأبناء، بينما ظل الأب داخل عتبة الانتظار واقفا قبالتهم، مسبل اليدين، بكفين مضمومتين فوق بعضهما.
علت قهقهات الأبناء، وتناوبت متقطعة بنقل المشاهد للأب، لفظا وبلغة الجسد: هذا الشرموط، شرموط االبحر، الأكثر لامبالاة، وعدم تحمل المسؤولية، حين خروجه من مأواه لإحضار الطعام، لإنشغال الأم بصغارها حديثي الولادة، يذهب الشرموط عاشق اللهو والمرح منفرداً، فيستلقي على ظهره وينام على المياه ساعات، وبعد طول انتظار تبدأ الأم بالصياح بقوة، فتميز الكائنات ما تحمله صرخاتها للذكر: "يا شرموط.. يا شرموط".
بين مايو/ حزيران، ويوليو/ تموز من كل عام، تضع مليارات من أسماك السردين بيوضها في المياه الباردة بسواحل أفريقيا الجنوبية، وتهاجر إلى المحيط الهندي، في ظاهرة يعرف من خفاياها أن السردين يتجمع بهذه الطريقة، عندما يتهدده خطر ما، وهي غريزة دفاعية تقلل من احتمالية افتراس السمك له منفردا.
ارتدى الابن/ الأب قميص العائلة، وخلع سترة الإنقاذ، وما إن انغرست قدماه وحافلة التهريب في بر ثلجي أقصى الشمال، حتى تحشرجت كبلات المعتقلين في حلقه، وألقمته دواء على سرر مستشفيات، وحين استفاق من علبة سردين، بمفتاح أغنية، اكتشف العملة الجديدة، الأبناء سردين، والآباء أبناء، و الأبناء أبناء الحكومة، والأمهات عازبات، والقط، والكلب، وحتى لو كان الشرموط، في حسابات الأسرة. وكلٌّ في فلك القانون، وما من يكلف دائرة المتقاعدين، ولا مبنى كبار السن كي ترعاهم، وقد يخال الإنسان أن لا جدوى ولا معنى من ربابة معنى: "أنا لا أدوم لك"!
مراراً وعلى امتداد شواطئ عشرات من السنوات القهرية، هاجر، وهجّر أهالي، سردين وتونة، وأشجار بثمار مجففة، وطيور مكتومة التغريد، من زناخة الأب الدكتاتور، الأب القائد، الأب الخالد، الأب الابد! والأب الوارث الأهبل من بعده.
وقبل منتصف التسعينات، تزحلق ابن الطاغية على كوع في طريق مطار العاصمة، ومات، كما أشاع الإعلام الرسمي، وأشار لاحقا أيضا في نهاية القرن، قبل تركيب قرن ثان للبلد، بأن أب كل الكل مات. أي نعم مات. وقيل: كمدا على ابنه! كأن الابن لم يجهز الأب، ويدربه على مهارات، ولم يلقنه درس أب السردين: "أنا لن أدوم لك"! أو كأن الطاغية الأب لم يقلب المعنى إلى "أنا أدوم إلى الأبد" فدمر الأبناء والبلد.
* هل الطاغية يحزن يا أبي؟
- الطاغية ليس بلا قلب فحسب، بل يقينا.. يقينا إن الطاغية شرموط بحر وبر وجو.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو صابر ثلاثي الأبعاد
- عيد ميلاد الحنون
- مَرْبَى قلوب الناس
- الشعب الواحد فاصل!
- مسك الدعاء
- بيوت المسرّات أمّ
- كم هزها.. والقلب نام؟!
- -نجمة مريم-.. في دار النخبة
- شوائب في سبائك آدمية
- لقية في طريق مصادفات
- زغاريد و مكتومة!
- الموتى يضحكون أيضا!
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم
- دائرة الطباشير العقيمة
- دم نبيل من صيدنايا
- رايات الأحمق خرق!
- يا صاحب الجسر النبيل
- موازين جبر الخواطر
- آخر نداءات الحلوة


المزيد.....




- من -حرب النجوم- إلى -ساحر أوز-... بعض دعائم هذه الأفلام الشه ...
- بعد عقدين.. سيغا تكشف عن إصدار جديد من -فيرتشوا فايتر- برؤية ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يصف الثقافة السياسية بالفرنس ...
- لماذا كانت الفرنسية هي اللغة السائدة في روسيا؟
- رحيل جيمس بوروز.. مخرج أسطوري صنع ضحكة -الأصدقاء-
- روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا ...
- سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع ...
- اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار ...
- الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية ...
- تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - الطاغية و شرموط البحر