أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - أبو صابر ثلاثي الأبعاد















المزيد.....

أبو صابر ثلاثي الأبعاد


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 20:23
المحور: الادب والفن
    


على طاولة طعام خشبية مسطحة، استهل الصديق ثلاثي الأبعاد أكرم نهر تداعياته، مع صديقه عيسى الذي رافقه في الحياة كظله، بأن صديقهما الصبور، والهادئ، والمتحمل مشاق الأعمال بصمت، والودود، ودليل الطرقات المختصرة قبل إسقاط مرتسماتها على الخرائط، هو نفسه - للأسف - المتهم بالغباء، والمتندر عليه بالسخرية والفكاهة، والمشار إلى صوته في الموروث الديني "بأنكر الأصوات"!
أبو صابر بكنيته الشهيرة قولا وفعلا. وعائلته الصافية في قيد النفوس: الحمار، والأتان، وولدهما الجحش. وأما فاسدا النسب العقيمان خارج إطار التزاوج العائلي، فالبغل: من حمار وفرس، والنّغل: من حصان وأتانً.
واستفاض الصديقان بالذكريات مودة عن صديقهما الأليف، وهما في احتفالهما بيوم الحمير العالمي، في الثامن من مايو/ أيار، والذي أطلقته منظمات دولية حفاظاً على حقوق الحمير، من المعاملة القاسية، ومطالبة الجميع بمعاملتها بشكل جيد، وتسليط الضوء على المخاطر التي تهدد بقاء نوعها.

ركز الصديق ثلاثي الأبعاد نظراته على مرآة الطاولة الزجاجية، والتي تماوجت الأنوار عليها وسط الصالون الواسع في بيته، من انعكاس مرآة على الخزانة خلف صديقه، فرأى في طول المسافة، قرويات بلباسهن الريفي الزاهي الألوان: الزبون/ الثوب الفضفاض، والعباءة المقصّبة الذهبية، والعُصبة والهِبرية غطاء الرأس، وهن يحملن على أطراف برذعات حميرهن، وفي أحضانهن، وعلى رؤوسهن، ما جنين من خضروات، وأعشاب، وسلال قش للبيض، وعلى ظهر كل والدة منهن الكارة كعش طير آمن لطفلها، مشدودة من تحت الإبطين إلى الصدر أو الزنار، ويطوّفن بالحمولة على البيوت، فإن تيسّر بيعهن عدن إلى منازلهن، أو قصدن ساحة المدينة وأسواقها لبيع ما تبقى، أو لشراء مستلزمات للعيش، وبعض النسوة يتوجهن مباشرة إلى بيت بعينه، وهن يعلمن أنهن لن يرجعن خائبات، حتى ولو لم تكن للأمهات حاجة للشراء، وفي هذه العلاقة لا تتشدد البائعات في أسعار البضاعة، ولا تحصل مفاصلة مع الزبونات في أثمان السلعة، وبينما تنشغل الأمهات والساعيات إلى أرزاقهن بالأحاديث الودية، ينصب اهتمام الأطفال على الحمار، بتأمله، ومحاولة اكتشافه، واختباره، بخطوة خائفة - كخوف الحمار الزائد - مدعومة بالتقرب من أقصى ما طالوه من الفلّاحة، حذاءها البلاستيكي، أو بجرأة بعضهم في محاولة لمس رسن القيادة الجلدي الموضوع في رقبته، ونادرا ما تجاسر أحد على إهانة (أبو صابر) العنيد في أيام البركة تلك، ايام كان الحمار حمارا. وإذا حرن فلا قوة تحركه من وقوفه.

على حين رجفة كأس، تشكلت دوائر مائية على حواف المرآة، وقطرة فوق قطرة توسعت مساحات ظلالها، وبدت كما لو أنها دواليب متداخلة من المركز إلى الأطراف، ودار في مشهدها المسرحي حمير يجرون عربات خشبية محملة بالأغراض والناس أحيانا، وبعضها تقدمتها بغال أشد قوة، كبغال المهربين التي تعرف طريقها الصحراوي بين بلدتين حدوديتين، كما لو أنهما فراتيتان سورية- وعراقية مثلا، فبالسلامة إن نفدت وعادت، وبالعوض والفداء إن صودرت البضاعة، وراح البغل من كيسه برصاص حرس الحدود الهجّانة!
من عرض المرآة، وفي منتصفها، تنفست ابتسامة مكتومة القيد، آخر مقعد خشبي في الصف الخامس الإبتدائي، تبينها الصديق ثلاثي الأبعاد أكرم ابتسامة صديقه عيسى، مع دخول المعلم ذي الوجه الشمندري المنتفخ دائما بسواد الغضب، والذي لم ينج طالب من سهم جملته الطائشة: "يا إبني يا حمار".
كبرت المدرسة، وصارت جامعة، وحل محل الحمار وصورته، لباس التدريب العسكري الجامعي، واللباس الجامعي الموحد. وفي غباشة المرآة توارى الحمار بهيئة المشبه به السلبي، مع تعمّد خلف الستار في تكسير قيمة المشبّه، ففي دورة (الأغرار) للطلاب الجامعيين الضباط في الخدمة الإلزامية، يكلف الرقباء والعرفاء والمساعدون من صف الضباط، وهم أقل شهادة تعليمية، بالتفنن في العقوبات الجماعية على المتدربين، والدلال عندهم، مناداة الطالب الجامعي الضابط بــ (الأستاذ) " والأستاذ في شيفرتهم: الحمار"ّ.
يمينا أمال الصديق ثلاثي الأبعاد رأس صديقه، الذي كان مقبلا على الطعام والشراب بشهية، فبانت في عمق مرآة الخزانه الخلفية، لمحة من ضحكة عيسى حين أجّل لسنوات إنجاب طفل ثان، للعناية بطفله الأول، مترافقة مع رسائل عتاب والده، في بريد أمه: "هذا الحمار ما عاد يعرف يخلف ولد ثاني"؟!

في غربة الصديقين ومنفاهما الثلجي، السويد مثلا، اختفى الحمار من الطرقات، والمحلات والدوائر الرسمية، وحتى المزارع الممتدة على الكم الهائل من البحيرات، والتي تمر كشريط سينمائي من نوافذ القطارات. لا حمار حتى ولو كان مجسما خشبيا في مدينة الألعاب! مرارا راودهما خاطر أن يسألا أحدهم هل رأيت حمارا؟ وكم تراجعا لحسابات القوانين (ازعاج- انتهاك خصوصية- تحرّش)! وكلاهما لم يقتحما هذا الحقل الشائك، خلال أكثر من عقد، وحافظا في العلاقات على المرحبا، كربطة في هذه البلاد المبرمجة على أن الإنسان برغي في عزقة العمل، وهذا الحقل أيضا لم يتشرفا بدخوله، ولو تجاوزا ألغامه، فلربما تعاطف العمال معهما، وأجابوا عن السؤال المحيّر: هل تعرف الحمار؟

إلى ارتفاع 14 جبلا كقاسيون مثلا صعد الدم جارفا، وفي بركانه عيش ذل من مسلخي مجرم مستبد، ومجرم وارث مدمّر. وفي العاصمة كما في كل عروق البلد، امتدت خطوط الشبكة الهاتفية العائلية الوحيدة بخبث نظامها الأمني، وعلى أسطح الدوائر الرسمية انتشر مع القناصة، عسكريون مستجلبون مع أجهزة جاسوسية للرصد والتنصت كالأجهزة الإيرانية مثلا، وتكسرت مرايا، وتجمعت بملامح جديدة على شاشات كريستال: "هذه هويتي"، في حين تبسمرت ألواح من التنك الصديء في الحلوق الفاسدة، وعلى الحواجز الأمنية، بشظايا (أبدية) وتهديدات بإحراق البلد!
وفي آب الثاني من الزلزال، كقيامة السوريين مثلا، وقبل خمسة أشهر من تأمين انشقاقه، أخرج الصديق الثلاثي الأبعاد موبايله من الجيب الخلفي لبنطاله، بعد رنة الهزاز، وتبسم لأخيه الأكبر، ورفع رأسه، وسارع بالرد، لتبديد الشكوك من عيون الموظفين في القاعة الإعلامية المتجمدة عليه، شكوك شاع سندها القرقوشي أنذاك "من لم يكن معنا، فهو ضدنا"! كثف أكرم الإجابات المختصرة، واقتصد بالجمل غير الرمزية، وضبط معانيها العامة لتمشي على سكة قطار، بصوت مسموع لمن حوله، وبدا الأخ مطمئنا، وشارحا، ومازحاً، إلى أن تدرج ملمحا، ومتحمسا:
* رئيس الوزراء انشق وعائلته، وأنت متى ستنشق يا جحش؟
- حمار يا أخي حمار.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيد ميلاد الحنون
- مَرْبَى قلوب الناس
- الشعب الواحد فاصل!
- مسك الدعاء
- بيوت المسرّات أمّ
- كم هزها.. والقلب نام؟!
- -نجمة مريم-.. في دار النخبة
- شوائب في سبائك آدمية
- لقية في طريق مصادفات
- زغاريد و مكتومة!
- الموتى يضحكون أيضا!
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم
- دائرة الطباشير العقيمة
- دم نبيل من صيدنايا
- رايات الأحمق خرق!
- يا صاحب الجسر النبيل
- موازين جبر الخواطر
- آخر نداءات الحلوة
- نرد نسيم الروح


المزيد.....




- القضاء الإيراني يؤيد حكم السجن بحق المخرج السينمائي الشهير ج ...
- مسية ثقافية لمناقشة رواية -ثلاثية غرناطة- في أثينا
- بأدلة رقمية ووثائق عسكرية.. منصة تركية تفضح زيف الرواية الإس ...
- من الكونغ فو إلى الرقص.. روبوتات يونيتري تتحدى البشر على الم ...
- مصر.. ساويرس يرد على تدوينة -حرب أكتوبر انتصار لإسرائيل- مبر ...
- محاضرة عن الشعر العربي للدكتور إياس ناصر في العاصمة اليوناني ...
- قصر الثقافة والفنون في الديوانية يقدم قراءات نقدية وشهادات ب ...
- مشاهد جوية من أفاميا.. مدينة سورية عمرها 2300 عام على قوائم ...
- نص سيريالى(لا تَسْرِقْ أَسْنَانِي!)الشاعرة هدى عزالدين محمد. ...
- رحيل الشيخ محند الطيب.. مسيرة مجاهد جزائري وهب حياته لترجمة ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - أبو صابر ثلاثي الأبعاد