أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - الموتى يضحكون أيضا!














المزيد.....

الموتى يضحكون أيضا!


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 20:12
المحور: الادب والفن
    


دقيقتان و 100 متر على (Google Maps) في شاشة الموبايل، ليلتقي أمه في الرابعة فجرا، في بيتها الجديد، أول عيد فطر، صيامه وفطامه بينهما أحد عشر شهرا.
دفيقتان طالتا أكثر من ثلاث ساعات في مقبرة (Hovdestalund kyrkogård) بدا البرنامج اليقيني فيها فاقد الذاكرة، "الاتجاه شمالا، ثم الانعطاف نحو اليمين" ليتضح بعد متاهة أن الاتجاه نحو الشمال، والانعطاف نحو اليسار، أو خيارا سابعا.
ثلاث ساعات بدقيقتين، نكث سائق التكسي الإيراني المهاجر الاتفاق بينهما، وزاد على ذلك رفضه مبلغا إضافيا مقابل البقاء خمس دقائق كمحاولة للوصول. ارتعشت كفتاه، وتكسرت كلمات الحطب في شفتيه، وتهدج صوته، وتغيرت قهوة وجهه إلى قشرة ليمون، وغمغم نصف عنوان، من دون أن يلمع علىGPS السيارة. وبين حوار عن العنوان كاملا: (Hovdestalund HL0601403-1) كمن يستدل إلى بيت في بناية، في حارة، في مدينة، وبين جدل مبتور الأطراف عن جسد المكان بمعناه الرمزي كأوسع بستان (Hovdestalund) اتسعت حدقتا عيني السائق، وتسارعت اهنزازات رموشه، وأشار بكروية ذراعيه إلى مطلق الغابة، مكتفيا بتكلفة الذهاب، ومغادرا في العتمة.

دس الابن موبايله في جيب بنطاله الخلفي، معتمدا على حدسه لتخمين الطرقات المتشعبة، والتي كان سائقون آخرون يوصلونه من بيتها على قيد الأنفاس ثلاثة عشر عاما في فاغيشتا (Fagersta) إلى بيتها تحت شجرة، وعلى تلة مشرفة على سهل فسيح، وقبالته دغل صنوبريات دائمة الاخضرار، في مدينة فاستيروس (Västerås) في السويد. تداعت تفاصيل زياراته السابقة بشريط سينمائي لف مع دورانه من دون أن يظهر العلامات الفارقة!
الراحلون يرون زائري مثاويهم قبل أن يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود -تقول مرويات الميثولوجيا الشعبية في بلاده- ويغادرون عند شروق الشمس. مشى في سباق حذر إلى تجمع زائرين، وعندما استدار عند منعطف، لم تكن العيون البراقة خلف الأشجار سوى شموع وفوانيس أوقدها الأهالي أو موظفون، وهي منتشرة في عدة أماكن. ضحك حيث بدا الأمر كما لو أنه لعبة استغماء مع أمه، ولوهلة لامست قلبه نسمة ضحكتها، هي تعرف أنه سيأتي مهما تكن الظروف والأهوال، وهو جهز، كما جرت العادة، ما يلزم وما يجب، كما تحب أمه، وكما علمه أبوه، وكما شارك مجتمعه حيث نشأ وتربى في مدينته في صبا الفرات وشام الشباب.

وعلى غير ما جرت العادة، سافر السائق الكردي الذي اعتمده كثيرا إلى أهله في القامشلي، واعتذر سائقون لظروفهم الخاصة، وبين الرحلة الأخيرة للقطار مساء، والرحلة الأولى صباح اليوم التالي، اختار وصول المسائية في الحادية عشرة ليلا، وأمضى بين المحطة التي أقفلت أبوابها بعد حين، والشوارع أربع ساعات ونصف، واستقل بعدها سيارة السائق الإيراني، حاملا خلال نصف الرحلة حقيبة الظهر وفيها ورد وترمس قهوة مرّة وعلبة تمر وبعض أغراضه الشخصية. لم يشعر بثقلها رحلة 12 ساعة، بل بوطأة عدم الوصول إلى هدفها.
لا بد لمعرفة الطريق الصحيح من إزالة الأخطاء، والانطلاق من بدايات صحيحة، فرطت أمه بخفة ابتسامتها وكفها، خيوط ما تجاوز نصف سجادة صلاة، وأعادت نسجها بخبرتها وغنائها الشعبي قطبة قطبة. ولا يعرف ما إذا كانت الأخطاء مصادفة، أم أنها تقصدتها تمارين رياضة بدنية وذاكرة، تهزم بها فراغ الغربة؟! ومثللها قضّ على ماكينة الخيّاطة الطرقات الفرعية، حتى المدخل الرئيسي، وفيه متجر ورود قرميدي مضاء بفوانيس، لوحة مواعيد الافتتاح اليومية على بابه الساعة التاسعة صباحا. من هناك رأى من بين الأشجار زائرين جالسين، وما إن تجاوز المدخل حتى ضحك لاختلاط الرؤية بالرؤيا، فلم يكن الواقع سوى صلبان رخامية سوداء تحيط بها إضاءة خافتة لفوانيس وشموع. هذا الركن يقابل التلة حيث شواهد الفاتحة، وعليها آيات قرآنية، حدثته ذاكرته، مشى في الاتجاه المأمول، لا تلة، ولا سهل، ولا ثلاثة براميل بلاستيكية للفضلات على بعد 200 متر، ولا دغل صنوبريات مقابل! بل أرض مسطحة "وكل من عليها فان"! انتبه بمسح دائري، أن لا أحد سواه بين المثاوي، ردد القول بصوت مسموع: السلام عليكم يا أيها الشباب الطيبة. ومسرعا عاد إلى الشارع الرئيسي درزة درزة، خشية من أن يصاب بأعراض السائق الإيراني المهاجر.
وأمام متجر الورود انتظر قدوم الزائرين، ولما لم تتوافد سياراتهم حتى الثامنة صباحا، قرر المغادرة بالباص ثم القطار إلى بيت أمه القديم، بعد أن التقاها في بيتها الجديد وضحكا، ففي الثامنة تعلن الشمس يوما جديدا، أما الراحلون فيرحلون.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم
- دائرة الطباشير العقيمة
- دم نبيل من صيدنايا
- رايات الأحمق خرق!
- يا صاحب الجسر النبيل
- موازين جبر الخواطر
- آخر نداءات الحلوة
- نرد نسيم الروح
- في دفء مملكة الخريف
- -وجه الخير-
- بدور عبد الكريم في -ينابيع الحب والمعرفة-
- السّبعة في الشدائد
- وديعة الصخر
- استراحة عزرائيل!
- يا حرقة القلب
- ميراث الخراب
- وجه أمي
- فسحة اللاجئين
- لا تنتظر سرب السراب


المزيد.....




- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- أحمد قعبور: رحيل الفنان اللبناني وصوت -أُناديكم-
- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صاحب أغنية -أناديكم- عن 71 ع ...
- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - الموتى يضحكون أيضا!