أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - بائع البركة














المزيد.....

بائع البركة


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 18:15
المحور: الادب والفن
    


لم يترك الحجي معنى مستقرّا في مبناه، إلا وركّب له قرني استشعار (بلا معنى). لكأنها لازمة هاربة من صيام جفاف حلقه، لا تسيل إلا بقرينتها المستفزة تحت قشرة لحاف ذهنه بـ (ذاك المعنى)!
والحجي أبو سعيد حنّون، برقة الحنّون: شقائق النعمان في بلاد الشام، رجل سبعيني هادئ، متزن، بسيط في تدينه، وأنيق بلباسه العربي: الكلابية والجاكيت والمحرمة والعقال، وهو أول من يفتح دكان بقالته خلف الجامع الكبير، في ثاني زاوية في السوق المقبي بمدينة فراتية في الثمانينات، وآخر من يمكن الاستعانة به ليلا للشراء. وبين أمتار معدودات، دنيا مواد غذائية، ودهنيات، وتوابل، وسواها، تستقر على أقمار رفوف، وفي أفلاك صناديق خشبية، وزنابيل، وأوعية، وعلى مدخل البقالة كرسي من القش بمسندين، الرفيق الدائم (لأبو سعيد) وأمامهما ميزان بكفتين نحاسيتين، وأوزان حديدية أكبرها 5 كغ. على طاولة خشبية، فيها درج الفراطة، وما تيسّر من بيع بالعملة الورقية فجيب الكلابية الطويل، وما تأجل سداده، فبدفتر الديون بقلم الرصاص، وبين هذا وذاك مسامحة بلفتة صدق.

* عندك خيار حجي؟ سأل المعلم الوكيل ابراهيم القادم من الساحل منذ سنتين دراسيتين. وغالبا ما يرسل المعلمون الوكلاء إلى المدن النائية بارتباطات أمنية، ثم تثبينهم وظيفياً ببضع سنوات، بينما يتم يواجه أبناء هذه المناطق بعد سنوات متواصلة من التدريس، الخيار المر: دفع الرشوة.
- بسبابته اليمنى أشار أبو سعيد: تلاقيه هناك يا ابن اخوي، واستطرد: متين وزين، بلا معنى.
كتم الأستاذ ضحكاته، وشد عضلات بطنه بانحناءة، مع كل معنى اخترق الكيس، بلا معنى. خشخش الكيس الورقي بارتجافة يد أبو سعيد وهو يعدل كفتي الميزان، ومعروف عن الحجي أنه إذا باع، كيلو سكّر مثلا، فإنه يطلب من المشتري أن يملأ له مكيال الصاع الحديدي، فيضيف غالبا مقدار كفة فوق الكيلو، مع ابتسامة رضا: "هي على البيعة". وفي حال جادل المشتري بالزيادة، فإن حجي البركة سيأسره في مصيدة المحبة: " إما أن تتركه كله، أو تأخذه كله، بلا معنى". لم يتردد الأستاذ باحضار ثلاث خيارات صغيرة، لمعرفته بعادة الحجي، وجهز نفسه لعدم المجادلة، لتهنأ نفسه ولو بخيارة واحدة، من دون إحالات، أو تخييل، أو كوابيس. دوّر أبو سعيد الخيارات بإبهامه، وهي في راحة يده، كما لو أنها لفافات تبغ عربي غير مرصوصة في علبة تبغ معدنية، ودسّها خلفه.
* بسلامة فهمك هي زغار وطرية، وإنت تتعب مع الزغار؟ إنت معلم، ما لقيت أكبر وأقوى من هذول بلا معنى.
- عاجلا خطرت للمعلم فكرة الاستبدال، وشراء قطعة واحدة، فبادره بالسؤال" تسمح لي أبدل الخيار، وآخذ بطيخ أحمر/ الدبشي حجي؟
* تكرم، أحمر، ويشهي، بلا معنى.

بعد أربعين عاما وجد سعيد طرقاته في بلد اغتراب اسكندنافي بعد الحرب على الشعب في بلده، متسوقا متجولا بين متاجر كبيرة، ومولات ضخمة، وشركات عملاقة بمواعيدها الثابتة بالثواني، ودقة بيعها، بالحبّة أحيانا، وموازينها الرقمية، وبطاقاتها البنكية، حيث لا وساعة عند آلة المحاسبة، لكرسي قش لبائع البركة، الحجي أول الواصلين إلى الصلاة، ومن يترك غلق دكان البقالة دائما مفتوحا!
مرارا لم يغلق سعيد باب شقته، لاهثا لإدراك الباص قبل تمام الخامسة فجرا، للالتحاق بدوامة العمل، ما جعل الجيران ينظرون باستغراب إليه، كمن يدعو اللصوص للسرقة، أو كعلامة اضطراب نفسي.
سعيد أمام باب شقته في ضواحي استوكهولم، حدق في القفل الإلكتروني، متسائلاً: أيُغلق هذا الباب على خمسين قفلاً، أم يتركه مفتوحاً (بلا معنى) على عادة أبيه، فيُصعق بصفارة الإنذار؟!



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيون برية
- وجبة لونش فضية
- الطاغية و شرموط البحر
- أبو صابر ثلاثي الأبعاد
- عيد ميلاد الحنون
- مَرْبَى قلوب الناس
- الشعب الواحد فاصل!
- مسك الدعاء
- بيوت المسرّات أمّ
- كم هزها.. والقلب نام؟!
- -نجمة مريم-.. في دار النخبة
- شوائب في سبائك آدمية
- لقية في طريق مصادفات
- زغاريد و مكتومة!
- الموتى يضحكون أيضا!
- لماذا يضحك الشهداء؟
- على هامش - دائرة الطباشير العقيمة - بدور عبد الكريم
- دائرة الطباشير العقيمة
- دم نبيل من صيدنايا
- رايات الأحمق خرق!


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - بائع البركة