أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين بوروى - الجزء الرابع: فلسفة التاريخ من ابن خلدون إلى ماركس















المزيد.....

الجزء الرابع: فلسفة التاريخ من ابن خلدون إلى ماركس


عزالدين بوروى

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 00:58
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تمهيد
تعددت القراءات التي أدلى بها الفلاسفة والمفكرون بشأن موضوع التاريخ وصيرورته، وقد اختلفت الرؤى ووجهات النظر حول المسار الذي يسلكه التاريخ (حركة التاريخ)، بين من يرى أن التاريخ كعجلة دائرة تخضع للحتمية، إذ تتعاقب الحضارات على الدول تعاقبًا دوريًا بين نشأة وازدهار وانحطاط (ابن خلدون)، وبين من يقرأ التاريخ قراءة مثالية معتبرًا أن المطلق هو الذي يقرر التاريخ عن طريق روح العصر (هيغل)، وهناك قراءة مادية للتاريخ تختلف بالتمام والكمال عن القراءات السابقة، تقدم القوى الاقتصادية بوصفها الأسباب الرئيسية لكل تغيير أساسي، لا على مستوى المادة فحسب، بل على مستوى الفكر كذلك. [جميل صليبا: القاموس الفلسفي، مرجع سابق، ص 748.]
وقد اقتصرنا على ذكر هذه القراءات الثلاث لاعتبارات عدة؛ أولًا، أن ابن خلدون شكل نقطة محورية في فكر مهدي عامل، وهو ما سنورده بالدراسة والتحليل لاحقا في سياق الحديث عن مؤلف مهدي عامل المعنون بـ «في علمية الفكر الخلدوني». وقد وجدنا أنه من الضروري اطلاع القارئ على نظرة ابن خلدون للتاريخ كي يفهم جيدًا المقصود من عبارة «علمية الفكر الخلدوني» التي تحدث عنها المفكر مهدي عامل. وثانيًا، لم يكن اختيارنا لهيغل اعتباطيًا، وإنما وعيًا منا بالدور الكبير الذي لعبه الجدل الهيغلي في تأسيس النسق المفاهيمي للفلسفة الماركسية.
أولًا: ابن خلدون (1332–1406)
في كتابه «دراسة للتاريخ» يقارن أرنولد توينبي (Arnold Toynbee) كتابات ابن خلدون بتلك التي أنتجها المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس (Thucydides)، وما أنتجه كذلك ميكيافيلي، من ناحية عمق الرؤية واتساعها، معتبرًا أنه «نقطة الضوء الوحيدة في سماء عصره، وواحد من نوابغ عصره». [Toynbee, Arnold. A Study of History. Vol. III, Oxford University Press, 1939, p. 331.] وفي هذا السياق سنحاول الوقوف عند مفهوم التاريخ وما يعنيه عند ابن خلدون انطلاقًا من كتابه الشهير «المقدمة»، وبعض الإسهامات الأخرى التي تناولت شرح فلسفة التاريخ لديه بالتفصيل.
يقول عبد الرحمن ابن خلدون في المقدمة: «... فأنشأت في التاريخ كتابًا، رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابًا... وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللًا وأسبابًا...». [عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، 2013، ص 8.] ومن خلال هذا المقطع يظهر أن ابن خلدون أنشأ علمًا جديدًا أطلق عليه اسم العمران البشري، وهو علم يقوم –حسب ابن خلدون– على سؤال محوري واحد: كيف يتم إعمار الأرض؟
ويذهب ابن خلدون إلى القول إن الاجتماع البشري يتقلب بين أطوار ثلاثة: طور البداوة، وهو طور البدايات، حيث يظل الإنسان مشدودًا إلى الأرض يمارس الجولان بحثًا عن الكلأ؛ ثم طور العمران البدوي، وهو طور يباشر فيه الإنسان فعل التعمير أو البناء دون أن تنقطع صلته بالأرض وما تفرزه هذه الصلة من وعي «بدائي» بالحضور في الطبيعة؛ وأخيرًا طور العمران الحضري، وهو طور بلوغ الغاية في الارتقاء. [خالد حاجي: فلسفة العمران عند ابن خلدون، الجزيرة، 14/04/2023.]
ويذكر أحمد صبحي أن ابن خلدون كان على وعي بأن علمه، أي العمران البشري، لا يندرج ضمن الفلسفة بمفهومها التقليدي، ولا هو من السياسة المدنية التي هي تدبير المدنية كما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة، وإنما هو علم واقعي يتناول أحوال الدول في ديمومتها وديناميكيتها، وليس في سكونها أو استاتيكيتها. [أحمد صبحي: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص 137.]
ولم يكن لجوء ابن خلدون إلى استنطاق التاريخ عن كيفية نشأة الدول وازدهارها وانحطاطها بمحض الصدفة، وإنما لاعتبارات عدة، عزا الدكتور موسى النجار بعضها إلى عوامل شخصية، كالإخفاقات في العمل السياسي التي أحبطت آمال ابن خلدون، وعوامل أخرى مرتبطة بالانحطاط الكبير الذي عرفه المشرق العربي وشمال أفريقيا والأندلس خلال تلك الفترة. [المرجع نفسه.] لقد لجأ ابن خلدون إلى التاريخ حينما نكبه الواقع على الصعيدين العام والشخصي، ليستعين به على فهم حاضره وواقع عصره.
إن عبد الرحمن ابن خلدون رأى التاريخ كحلقة لا نهائية تدور بين التقدم من جهة والتقهقر من جهة أخرى؛ إنها مماثلة لظاهرة الحياة الإنسانية، حيث تولد الممالك، وتبلغ سن الرشد، ثم تموت في فترة محددة قلما تتجاوز ثلاثة أجيال (120 سنة). [عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، مرجع سابق.] إن التعاقب الدوري يحوي ضمنيًا قانونًا أساسيًا من قوانين الجدل، وهو قانون صراع الأضداد؛ فالعامل المساهم في قيام الحضارة هو نفسه المساهم في زوالها. فالترف، باعتباره قمة الرقي وعاملًا رئيسًا في ازدهار الحضارات، هو نفسه العامل الأساس لخرابها والمؤذن بفسادها والسبب في زوالها. وقد تحدث أحمد محمود صبحي كذلك عن العصبية وما تلعبه من دور ديالكتيكي، مؤكدًا أنه يستحيل قراءة وفهم ديناميكية نظرية ابن خلدون بمعزل عن الديالكتيك الذي يحرك باطن أحداث التاريخ. [جميل موسى النجار: دراسات في فلسفة التاريخ النقدية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2011، ص 181.]
ومعلوم أن الجدل لم يظهر كمنهج إلا مع فريدريك هيغل في القرن التاسع عشر، إلا أنه حري بنا تفسير ما جاء به ابن خلدون على ضوء هذا المنهج. وهذا لا يعني إطلاقًا، حسب الدكتور صبحي، أن ابن خلدون كان يمتلك تصورًا واضح المعالم عن الديالكتيك حتى يطبقه على التاريخ ومساره، وإنما يمكن استخلاص الديالكتيكية من مسار نظريته. [Nicholson, Reynold. A Literary History of the Arabs. Cambridge University Press, 1966, p. 320.] لقد أخذ عبد الرحمن ابن خلدون من الفلسفة نظرتها العقلية، ومن التاريخ واقعيته، ليكون منهما علمًا واحدًا يجذب فيه التاريخ الفلسفة إلى عالم الوقائع حتى لا تحلق في سماء اليوتوبيات، وتعمق فيه الفلسفة التاريخ حتى لا يصبح مجرد روايات وسرد للأخبار. [أحمد صبحي: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص 142.] فالتاريخ عند ابن خلدون «لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأول... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل». [المرجع نفسه، ص 140–141.]
ويظهر جليًا، إذن، أن ابن خلدون كان علامة عصره؛ فهو أول مؤرخ، لا في العالم العربي الإسلامي فقط، بل في العهد القديم والعصور الوسطى –بشكل نسبي– نظر إلى التاريخ من حيث هو كل لا يتجزأ، وتخيل طريقة لتمحيص الوقائع التي تكونه، وابتدع أيضًا علمًا إضافيًا يساعده على فهمه. [طه حسين: فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، تعريب محمد عبد الله عنان، الطبعة الأولى، مطبعة الاعتماد، مصر، 1925، ص 36.]


المراجع
• Toynbee, Arnold. A Study of History. Vol. III, Oxford University Press, 1939, p. 331.
• ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. دار الكتب العلمية، بيروت، 2013.
• حاجي، خالد. "فلسفة العمران عند ابن خلدون". الجزيرة، 14 أبريل 2023.
https://www.aljazeera.net/opinions/2023/4/13/%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D9%84-%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%A8
• صبحي، أحمد. في فلسفة التاريخ. مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.
• النجار، جميل موسى. دراسات في فلسفة التاريخ النقدية. الطبعة الأولى، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2011.



#عزالدين_بوروى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزء الثالث : علاقة الفلسفة بالتاريخ
- الجزء الثاني : ما المقصود بالتاريخ؟ وكيف نشأت فلسفة التاريخ؟
- الجزء الأول : الفلسفة والتاريخ... مدخل إلى فلسفة التاريخ
- مفهوم التاريخ في الفكر الفلسفي: من ابن خلدون إلى مهدي عامل
- لا تلوموني ، بل لوموا أنفسكم
- في رثاء القديسة
- ماذا جنت إسرائيل على العالم العربي ؟
- بُومُ مِنيرْفا…
- سقطت الأقنعة، فما العمل ؟
- إقرؤوا الأدب تصحوا...
- في نعي الشهيدين حسام بودهان وحمزة كمبري
- قِحَابٌ وَلَكِنْ...(الجزء الثاني )
- قِحَابٌ وَلَكِنْ...
- ملفات عن الحياة الموت وأشياء أخرى
- ملفات عن الحياة والموت وأشياء أخرى…
- مائتا عام مرت على اهتزاز عرش القيصر
- السير بخطى ثابتة نحو الهاوية/ نسخة معدلة من المقال السابق
- السير بخطى ثابتة نحو الهاوية
- تأهيل للقراءة بالنسبة لأشباه القراء
- قرية أبريل/ علي عبدوس


المزيد.....




- حماس تعلن خليل الحية زعيمًا جديدًا خلفًا للسنوار وتكشف طريقة ...
- استعراض ترامب نهاية مثالية لكأس عالم تتسم بالإسراف والأضرار- ...
- من هو خليل الحية رئيس المكتب السياسي الجديد لحركة حماس؟
- تسريب: مشاكل بالجملة يواجهها لواء -ليتوانيا- للجيش الألماني ...
- سقوط البطل ـ الأرجنتين تخسر اللقب وسط انتقادات عالمية
- موريتانيا محطة أساسية في جولة وزير خارجية ألمانيا الأفريقية ...
- روسيا.. مقتل 5 أشخاص وإصابة 23 بهجوم مسيّرة أوكرانية
- بريطانيا: ستارمر يلقي كلمة وداعية أمام المقرّ الرسمي لرئيس ا ...
- الاحتلال يروج لهما -منطقتين تجريبيتين-.. نازحون يعودون إلى ب ...
- الثأر في الخطاب الإيراني… من الأسطورة إلى السياسة


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عزالدين بوروى - الجزء الرابع: فلسفة التاريخ من ابن خلدون إلى ماركس