صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:11
المحور:
الادب والفن
أبرز النقاد الإحيائيين الأزهريين في العصر الحديث:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ حسين المرصفي (ت1889م):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيخ الأدباء في عصره، بل هو الراعي والموجه الأول لكبار أدباء الإحياء والبعث؛ تولى التدريس بالأزهر، لما أجازه علماؤه، وكان يقرأ لطلابه بالأزهر في النحو «مغني اللبيب» لابن هشام وكتب أعلام البلاغة، ودواوين متقدمي الشعراء… وهو رائد المدرسة النقدية الإحيائية الحديثة، حيث يرفض التعريف العروضي للشعر، مقدمًا تعريفًا يشترط فيه المحاكاة للقدماء، بأن يكون جاريًا على أساليب العرب المخصوصة. وهذان الشرطان يدلان بلا ريب على نزعته الإحيائية.
ومن أهم آثاره الإحيائية كتابه "الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية". وهو مُوسِعة لغوية أدبية تقع في مجلدين، وتتضمن مجموعة من المحاضرات التي ألقاها الشيخ في دار العلوم، وفيها تناول بالدرس أكثر من اثني عشر علمًا، مثل اللغة وأصولها، والنحو، والصرف، والبلاغة، والعروض، والقوافي، والإملاء، وصناعة الترسل، وقرض الشعر، وتاريخ نشأة الفنون وتدوين العلوم، وتاريخ التربية، وتاريخ الكتّاب، والنقد الأدبي.
وكتابه "دليل المسترشد في فن الإنشاء". وهو كتاب من ثلاث مجلدات، تقع في نحو ألف صفحة، وهو مجموعة من المحاضرات في النثر الفني، وهو مجموعة من المحاضرات في النثر الفني تناول فيها الشيخ عدة علوم تتصل من قريب أو بعيد بفن الكتابة، مثل الأدب وتاريخه ونقده، وعلم النفس، والمنطق، والتربية، والفقه، وعلم الحياة. والشيخ حسين المرصفي بهاتين الموسوعتين يمثل باكورة ما يسمى النقد الأدبي التوجيهي، وفيه بعث للرؤية العربية العميقة في الإبداع الأدبي شعرا ونثرا.. وكتابه" الكلم الثمان في علم الاجتماع" الذي يعد من الكتب الأمهات في علم الدلالة السياسي. .
الشيخ محمد عبده(1849-1905م):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عالم وفقيه ومجدد، يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي، ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي، أسهم بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري، و إعادة إحياء التراث العربي، وإطلاق الأسلوب الأدبي من المعوقات الشكلية الزخرفية، ومن أهم آثاره في مجال القراءة الإحيائية الأدبية:تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة،"و شرح نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، وشرح مقامات بديع الزمان الهمذاني، هذا إضافة إلى مقالاته الأدبية ذات الأسلوب المرسل في مجلة (العروة الوثقى(، وغيرها. ومن أبرز تلاميذه الأدباء:شاعر النيل حافظ إبراهيم)1872-1932م)، والكاتب والمترجم والروائي محمد لطفي جمعة)1886-1953م)، وشيخ العروبة المحقق الكبير العلامة: محمد محيي الدين عبد الحميد(1900-1972م)، والأديب والناقد الدكتور طه حسين(1889-1973م) ( )...
الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد(1900-1972م):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحد حصون اللغة العربية وأحد مجدديها العظام، حيث لا يوجد عالم ولا طالب علم إلا يعرف قدره، فالذين لم يتتلمذوا عليه شخصيًّا، تتلمذوا على كتبه وتحقيقاته وشروحه، وهوامشه الحافلة بالعلم والفوائد. ويعد الشيخ أحد المجددين في النحو اللغة، فقد عالج معظم كتب النحو المتداولة بين طلبة العلم، وذوي الاختصاص اللغوي العميق، لتيسير دراستها، وتذليل قراءتها بالشروح والتعليقات، بدءًا بالآجرومية وهو متن للنحو للمبتدئين، وانتهاءً بشرح الأشموني للألفية، وشرح ابن يعيش للمفصل، ويندر أن تجد أحدًا من دارسي العربية في العالم لم يتتلمذ على كتب الشيخ محيي الدين في اللغة والنحو أو يستفد منها.
وقد ورث المجد العلمي كابرًا عن كابر، فسعد منذ ولادته بحياة تراثية كاملة، وتنفس في مناخٍ علمي، وتربع على موائد الكتاب والسنة، والفقه واللغة، وحب التراث منذ نعومة أظفاره، فأكبَّ على القراءة والمطالعة تسعفه نفس دؤوبة وذاكرة واعية وهمة عالية، وطموح وثاب، وكان من ثمرة ذلك قيامه بشرح مقامات بديع الزمان الهمذاني شرحًا مسهبًا مستفيضًا، مشحونًا بدرر الفوائد العلمية، وتفسير الإشارات الأدبية والتاريخية التي تمتلئ بها مقامات الحريري، ونشر ذلك العمل وهو لا يزال طالبًا قبل أن يظفر بدرجة العالمية، وصدّر هذا الشرح بإهداء إلى والده عرفانًا بفضله عليه. وتدرج في المناصب والمهمات العلمية داخل مؤسستنا العريقة، ولنبوغه الفائق في مضمار علوم اللغة العربية كان عميدًا لكلية اللغة العربية، واختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1384 هـ = 1964م)، وتولى رئاسة لجنة إحياء التراث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، وكان عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف.
وللشيخ جهود علمية كبيرة؛ فقد قدم للمكتبة العربية والإسلامية الكثير والكثير، من ذلك نشره كتب الأدب القديم الكثيرة، منها: أدب الكاتب لابن قتيبة(ت276هـ)، وروضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي(ت354هـ)، والموازنة بين الطائيين للآمدي(ت370هـ)، ويتيمة الدهر للثعالبي(ت429هـ)، "أبو الطيب المتنبي ماله وما عليه" للثعالبي(ت429هـ)، والعمدة لابن رشيق(ت463هـ)، وزهر الآداب للحصري(ت488هـ)، والمثل السائر لابن الأثير(ت637هـ)، ومعاهد التنصيص لعبدالرحيم العباسي (ت963هـ). وفي الشعر لشيخنا شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة، وديوان نهج البلاغة للشريف الرضي، وديوان الحماسة لأبي تمام، وعلّق على شرح المعلقات السبع للزوزني، وشرح القصائد العشر للتبريزي، وقد خدم العلوم العربية خدمة تفوق الوصف، ولولاه لاندثر الكثير من هذه المصادر الأدبية الكبرى التي جاءت بها قرائح أسلافنا( )...
الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي(1915-2006م):
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أديب وناقد، ومثقف كبير، عمل أستاذًا وعميدًا لكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وهو عضو مجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للفنون والآداب، والمجالس القومية المتخصصة، ومجلس إدارة اتحاد الكتاب، ورئيس مجلس إدارة رابطة الأدب الحديث، وحصل على جائزة شوقي في الأدب، سنة 1950م، وجائزة رابطة الأدب الحديث سنة 1960م، وجائزة المجمع اللغوي سنة 1970م، كما نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولىسنة 1983م، وهو سيوطي العصر الحديث؛إذ له نحو خمسمائة كتاب مطبوع، من بينها دراسات في تاريخ الأدب العربي في كل أعصاره وأمصاره، منها: دراسات في الأدب الجاهلي والإسلامي، والحياة الأدبية بعد ظهور الإسلام، والحياة الأدبية في العصر العباسي بعد سقوط بغداد، وقصة الأدب في الأندلس، وقصة الأدب في الحجاز، وقصة الأدب في المهجر، وقصة الأدب في مصر، وابن المعتز، ومصادر المكتبة الأدبية، والتراث الأدبي في التصوف الإسلامي، و أصول النقد، والأصالة والتجديد في روائع الشعر العربي، والفكر النقدي والأدبي في القرن الرابع الهجري، والحياة الأدبية في مصر في العصر المملوكي والعثماني، والأزهر فی ألف عام...هذا إضافة إلى دراسات أدبية ونقدية حديثة ومعاصرة..ومن نشراته لكتب التراث: شرح على كتاب الإيضاح في البلاغة للقزويني،، شفاء الغليل للشهاب الخفاجي، وشروح الأجرومية، وقطر الندى، وشذور الذهب، و فصيح ثعلب، والبديع لابن المعتز، وشرح مقامات الحريري للشريشي، وقواعد الشعر لثعلب، و فحولة الشعراء للأصمعي، و إعجاز القرآن للباقلاني، و دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي، و نقد الشعر لابن قدامة، و ديوان عمر بن أبي ربيعة، ,ديوان المتنبي...
وتستمر قاطرة الإحياء الأدبي عند الأجيال التالية من الأزهريين، بطريقة "تناولت بعض الآثار الأدبية، وجدت في تحليلها وتذوقها على منهج القدماء، ذلك المنهج الذي لم يُتَح له أن يُعرف معرفة تحقيق، فضلاً عن أن يشيع أو يغلب في ميدان الدراسة الأدبية، ذلك الميدان الذي بات وأصبح نهبًا موزعًا بين نزغات واتجاهات لا ينبع أكثرها من حضارة الإسلام ومنهج المسلمين، وحال الأدب كحال غيره من كثير من فروع المعرفة الشائعة في هذا الطور لا تتصل اتصالاً جوهريًّا بالمنابع الفكرية في تراث هذه الأمة؛ مما جعل الحركة الفكرية في أكثر جوانبها تتحرك في فراغ، وهذا يفسر لنا عقمها وشحوبها( )".
وليس (الشيوخ الأزهريون) منعزلين عن عصرهم في برج عاجي، بل هم متفاعلون مع كل ما يبث فيه من أفكار ومناهج؛ فقد" تقلبت دراسة النص في أدب العربية في هذا الزمن على ضروب من المناهج اختلفت وتنوعت واتسع اختلافها وتنوعها، وهي، في جملتها وتفاصيلها، لا تخرج عن التبعية المبطلة للعقل، والتقليد المزري؛ لأنها، مع تنوعها المتسع، ليس فيها منهج مستخرج من أدب العربية، ولهذا افتقدنا القدرة على تأصيل منهج في تحليل النص مع وفرة أصوله في تراثنا،.. ( )". إنه منهج حتمي وجوده، فلا محيد من أن نعود إلى علومنا ومناهج علمائنا، وأن نُحيي ذلك، وأن نعرف كيف تتفجر ينابيع العلم تحت ضربات أقلامهم، وكيف كانوا يجرونها أنهارًا في صدور تلاميذهم وأجيالهم، وليس لنا في تجديد علومنا إلا هذا الطريق، وهو طريق صعب، وكل شيء في الحياة له قيمة لابد أن يكون صعبًا، وهذا أو الطوفانَ!( )".
فإما حياةٌ تبعثُ المَيْت في البِلى وتُنبت في تلك الرموس رُفاتي
و إمـا مـمـاتٌ لا قـيـامــةَ بعـــدَه مماتٌ لعمري لم يُقَسْ بمماتِ
إنه منهج قائم على بعث القديم في التحليل بعثًا جادًّا يعود بالخصب والحسن والحيوية، والجمال الحسي والروحي على العملية الأدبية في عصرها إبداعًا ونقدًا وقراءةً، من قبل الأزهريين التراثيين، حاملي لواء الدعوة إلى إحياء البيان العربي، وناشري الكتب الأدبية والنقدية والبلاغية المؤصّلة للتراث، والموصِّلة إلى الإبداع: سدَنة الدين وحُراس العقيدة، وحماة العروبة، المرابطين بعقولهم وأقلامهم ضد هجمات الكائدين المتربصين، والمأجورين المتاجرين، والأذيال الإمَّعات، لكنننا ـ للأسف ـ ابتُلينا بالتجاهل الثقافي والإعلامي ـ الذي يكاد يكون متعمدًا في أحيان كثيرة؛ فعلماء الأزهر الشريف ومبدعوه، مغمورون مطمورون عن عمد -غالبًا - لا تهتم بهم حمَلَة الأقلام الصحفية، ولا ألسنة الإعلام المرئية، والمسموعة، والمقروءة طباعيًّا أو إلكترونيًّا، ولا تُعنَى أية قناة ثقافية بنتاجهم العلمي، مع ما فيه من غناء وثراء، وما يحويه من قيم سامية، وأفكار عميقة، ورؤى دقيقة، يدركها كل باحث منصف، حيث تضاهى ما عند غير الأزهريين، و تتفوق عليها كمًّا وكيفًا، وشكلاً ومضمونًا في أحيان كثيرة!
هو نقد أدبي يحافظ على أدوات النقد الأدبي القديمة، ويدرس النص الأدبي من خلال عناصره اللغوية والبلاغية والإيقاعية، وقد اتخذ النقد مع بداية عصر النهضة طابعًا كلاسيكيًّا بيانيًّا ولغويًّا، وخاصة مع علماء الأزهر الذين كانوا ينقدون الأدب على ضوء المقاييس اللغوية والبلاغية والعروضية كما نجد ذلك واضحًا عند حسين المرصفي في كتابه" الوسيلة الأدبية"، وطه حسين في بداياته النقدية عندما تعرض لمصطفى لطفي المنفلوطي مركزا على زلاته اللغوية وأخطائه البيانية وهناته التعبيرية، فالنقد الكلاسيكي محافظ، يعتمد على محاكاة تنظير القدماء، وتوظيف الآليات النقدية التي توصلوا إليها من لغوية، وبلاغية، وفكرية...
#صبري_فوزي_أبوحسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟