صبري فوزي أبوحسين
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 18:04
المحور:
الادب والفن
تقديم
الأستاذ الدكتور/صبري فوزي أبوحسين
أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات بجامعة الأزهر، وعضو اتحاد كتاب مصر
لا ريب في أن محمود حسن إسماعيل( المولود في الثاني من يولية سنة 1910م- والمتوفى في الخامس والعشرين من أبريل سنة1997م) شاعر مفلق مبرز من شعراء مصرنا الجميلة في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي. إنه الشاعر الذي ساعدته البيئة الصعيدية الريفية الخلابة، التي نشأ بها، على توظيف ما يجول بمشاعره وخواطره توظيفًا فنيًّا خاصًّا, فأنتج لنا أربعة عشر ديوانًا، هي [(أغاني الكوخ(1935م)، هكذا أغني (1937م) ، الملك (1946م)، أين المفر(1947م)، نار وأصفاد (1959م)، قاب قوسين (1964م)، لابد(1966م)، التائهون(1967م)، صلاة ورفض(1970م) ، نهر الحقيقة(1972م)، هدير البرزخ(1972م)، صوت من الله(1980م)، موسيقي من السر(1978م)، رياح المغيب(1993م)].
دواوين فاضت فيها نفسه بكل ما تشعر أو تحس تجاه نفسه أو غيره , فنجده يخوض في الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية والعاطفية والإنسانية والوطنية والقومية بطريقة شاعرية عميقة آسرة ساحرة.
ويكفي شعره شهادة ومكانة أن العلامة محمود شاكر-رحمه الله- شهد له بالتفوق في الشاعرية، عبر مقالتين، سنة 1940م، بمجلة الرسالة: الأولى تنظيرية بعنوان(الشعر والشعراء) والثانية تطبيقية بعنوان(قصيدة الزلزال)... ونعيش هنا- في هذا التقديم -مع المقالة الأولى (الشعر والشعراء)، التي تنتمي إلى النقد الأدبي النظري، حيث ذكر فيها أبرز عناصر الشعر المؤثرة فيه في نظره، وهي" (اللغة المتخيرة) المُرصَدة للتعبير عن الإحساس تعبيرًا مسدَّدًا بالمنطق العقلي الذي لا يَزِلُّ على مدارج المجاز فتنقطع صلاتُه بحقائق المعاني التي وضعت لها هذه الألفاظ اللغوية. . .، ثم (المنطقُ العقلي) الذي يختزن هذه اللغة، ويستطيع أن يتحوَّل حاسة دقيقة مدبرة تقوم على الإحساس وتحوطه من الضلال. . .، ثم (المعاني) التي يتمثلها إحساس الشاعر حين يَهيجه ما يؤثر فيه تأثيرًا قويًّا عنيفًا -هذه الثلاثة هي، مادة الشعر الجيد، فإذا سقط أحدها أو انحط أو ضعف، سقط الشِّعرُ بسقوطه أو انحط أو ضعف." في نظر صقر العربية وعقابها شيخنا العلمة محمود شاكر رحمه الله.
وتحت عنوان (شاعر!) من المقالة نفسها نجد الشيخ محمود شاكر يطبق هذه العناصر الثلاثة على شاعره وشاعرنا محمود حسن إسماعيل، ويراها تنطبق عليه، وأنه حتى استطاع "أن يستوي على سَرارة المرتبة الأولى للشعر غيرَ مدافع". وهذا الحكم النقدي الصادع عندما يقوله الشيخ محمود شاكر يكون بعد قراءة مئات الدواوين وآلاف الأشعار قديمًا وحديُثًا ومعاصرًا. . .يقول مطبقًا: "وأحد هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين سيدفعون أنفسهم في مجاز العربية حتى يبلغوا المرتبة الأولى -فيما نتوهم- هو "محمود حسن إسماعيل"؛ فهو إنسان مرهف الحسّ دقيقه، متوهِّجُ النفس، سريع التلقي للمعاني التي يصورها له إحساسه، وإن إحساسه ليُنشئ له من هذه الصور والمعاني أكثر مما يستطيع أن يطيق صبره، وهو -إذ فقد الصبر على مطاولة هذه المعاني من إحساسه- تراه يثبُ وثبًا من أَول المعنى إلى آخره، لا يترفَّق، كأن في إحساسه روح "قنبلة"؛ فلذلك تجد المنطق العقلي في شعره متفجرًا أبدًا لا يبالي "أوقع على اللفظ من اللغة، أم وقع اللفظ عليه"، ولكنه على كل حال منطق يقظٌ حساس بعيد الوثبة، يحاول دائمًا أن يضبط هذا الإحساس الذي لا يهدأ ولا يستقر. وسينتهي -بعد قليل من المصابرة والمرابطة لإحساس مشاعره- إلى القدرة على متابعة إحساسه وكبحه وتزجيته على هدْى واحد مؤتلف غير مختلف، وذلك حين يجتاز الشاعر السن التي هي عِلَّة التوقد الدائم والاهتزاز المتتابع تتابعَ البرق إذا خفق وومض وضرب بعضه بعضًا بسياط من الضوء في عوارض السحاب. . .
وأما لغته، فقد ملك منها ما يكفيه بقدر حاجة بعض إحساسه، فإذا امتدت يده إلى خزائن العربية التي لا تنفد، وتداخل في أسرار حروفها بالمدارسة الطويلة، وتآمرت -ثلاثتُها- على تسنية الأبواب له واحدًا بعد واحد".
ثم يختم علامتنا(محمود شاكر) مقالته الأولى برؤية استشرافية لشاعرية محمود حسن إسماعيل، حيث يقول:
"إن في كثير من شعره الذي نشره إلى اليوم، ما يجعلني على ثقة -إن شاء الله - من أنه مدرك ذلك لا محالة، فهو قد استولى على كل ما هو به شاعر، ولا أظن ظن السوء بقدر الله أن يكون هو قاطعه دون المنهج الذي تعبَّد بين يديه، ولم يبق له إلا قليل حتى يبلغ الذروة العليا".
وقد تحقق استشراف شيخنا، فكان محمود حسن إسماعيل (أمير الصورة في شعرنا العربي)، و و(خليفة شوقي المُغرِّد المتفرِّد)، غير مُنازَع ولا مُدافَع!
وإذا تَبَيَّن لنا تلك المكانة العالية لشاعرنا الكبير اتضح لنا سبب الشغف الكبير بشعر محمود حسن إسماعيل البادي عند رحالة الشعر العربي الأستاذ عبدالمجيد فرغلي [14/1/1932م-3/12/2009م]- ابن قرية النخيلة التابعة لمركز أبي تيج بأسيوط؛ فقد كتب فيه بحثًا علميًّا نقديًّا عميقًا، وأبدع قصيدتين حول شعره وشاعريته. وما كان صنيع رحالة الشعر إلا لأنهما من بلد واحدة(النخيلة)، وبينهما صلة قرابة بعيدة، كما كانت بينهما مجالسات ومسامرات كثيرة، عندما كان ينزل الأستاذ محمود البلد، حيث كان يستثمر رحالة الشعر حضوره بالقرية فيزوره ويجالسه كثيرًا، كثيرًا.
كما أن الأستاذ محمود حسن إسماعيل يعد من أوائل من شجعوا شاعرنا الأستاذ عبدالمجيد، حيث قال له عندما سمع منه أول نص شعري يعرضه عليه: (أنت شاعر يا شيخ عبده)[هكذا كان يُنادَى رحالة الشعر العربي وسط أهله وفي قريته])! ونصحه الأستاذ محمود حسن إسماعيل نصائح عديدة ومتنوعة خاصة بكيفيات إبداع الشعر ونظمه وترقيته وتجويده.
ومن ثم فلا أكون مبالغًا إذا قلت: "إن محمود حسن إسماعيل أستاذ رحالة الشعر العربي، وإن رحالة الشعر العربي تربَّى على يديه".
وأراني أشدو مع رحالة الشعر قوله:
نخيلُ الورى هل للنخيلة يحسدُ إذا شعَّ منها فرقدٌ ثم فرقدُ
بل النخلُ يحبوها هواه وودُّه ومِن حولها أعناقُه تَتَميَّدُ
ألم تكُ منها أنجبت شاعرًا له قلوب الورى والنخل والدوح تسعد؟
ففي الأفق شع الفرقدان وفي الثرى يسرُّ الورى أن فرقدَ الشعرِ يُولدُ
ليصبح منها فرقدان إليهما عيونُ نخيلِ الأرضِ والخلْق شُهَّدُ
هما شاعراها أرضعا بلبانها أما لهما في الأرض والأفق محتدُ
أما البحث العلمي فجاء بعنوان: (محمود حسن إسماعيل ثورة في ضمير شعب)، وتكوَّن من قصيدة بعنوان (ثورة في ضمير شعب)، ثم كانت مقدمة البحث التي عنونها الأستاذ عبدالمجيد بعنوان: (الشعر العربي في أوائل القرن العشرين).
وتكون هذا البحث الأدبي النقدي من اثنتين وعشرين ومائة صفحة من القطع المتوسطة، وجاء في ستة فصول، بيانها كالآتي:
جاء (الفصل الأول) عن نشأة الشاعر في أحضان الريف ومعايشته لآلامه وآماله.
ودار (الفصل الثاني) حول منابع ثقافة الشاعر وقاموسه الشعري ومعطيات إلهامه.
ثم كان (الفصل الثالث) جولة مع الشاعر في حياته الخاصة وطرائف من أحاديثه.
وأعتقد أن هذا الفصل من أهم فصول الدراسة؛ لأنه ينبني على مطارحات وحوارات بين غِرِّيد الشعر العربي وخليفة شوقي، ورحَّالة الشعر العربي، كما أنه يُعلن عن رؤى جديدة ومواقف طريفة، تُنشَر لأول مرة عن شاعرنا الكبير الأستاذ محمود حسن إسماعيل، رحمه الله.
ثم قرأ الأستاذ عبدالمجيد ثلاثة من دواوين الشاعر الأستاذ محمود حسن إسماعيل، قراءة خاصة، هي (نار وأصفاد)، و(أغاني الكوخ)، و(لابد). وهي قراءة ذوقية شخصية، تدلنا على منهج رحالة الشعر في تثقفه الشعري، وتعامله مع شعر الآخرين والسابقين والمعاصرين.
ثم قدم رحالة الشعر العربي خلاصة موجزة لبحثه، وقائمة بمراجع البحث، ثم قصيدة طويلة بعنوان (دواوين في عالم الخلد)، أبدعها في الثالث من مارس سنة 1993م. .
هذا، وقد شرفني سعادة المستشار الأستاذ عماد فرغلي بقراءة هذا البحث في نسخته المخطوطة، فكان تلك المقدمة، وإنني لأثَمِّن ذلك الجهد العلمي والثقافي المبذول من قبل سعادة المستشار البار، والذي صار من كبار القادة الثقافيين -في نظري- في وطننا في هذه الفترة؛ إذ نراه يقود كتيبة الباحثين الشباب، كل يوم، إلى كل جديد وطريف في حياة أبيه وشعره وفكره، وإن إخراج هذا البحث إخراجًا علميًّا منهجيًّا طيبًا على هذا النحو لَيدلُّ على ما أقول في حقه، بارك الله فيه.. فاللهم إخلاصًا وتوفيقًا وسدادًا وقبولاً.
ومن ثم أقدم كل الشكر للإنسان الحبيب ابن الحبيب، البار ابن البار، الأستاذ: عماد عبدالمجيد فرغلي، حفظه الله وبارك كل سعيه وأثره ونسله، ولا حرمنا عطاءه والمشاركة في جهاده الثقافي الفريد هذا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
#صبري_فوزي_أبوحسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟